تصميم: سيف الدين أحمد، المنصة 2026
قرار الإغلاق المصري في التاسعة مساء تواكب مع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين

اليأس من السياسة في مصر وإسرائيل

منشور الأربعاء 8 نيسان/أبريل 2026

يحكي طه حسين في كتابه الأيام عن ارتكابه وزملائه فعلًا أحمقَ خلال دراسته في فرنسا. اعتاد أحد أساتذتهم معاملتهم بصلافة وتعالٍ. لكنه كان أستاذًا جيدًا لمادة أساسية. بدلًا من الحديث معه لتغيير طريقة معاملته لهم، توافقوا على فعل احتجاجي؛ أن ينتظروه جالسين في حجرة الدرس، وبمجرد دخوله يخرجون جميعًا ويتجمعون في الخارج.

نفذوا ما اتفقوا عليه. فبقي الأستاذ بمفرده في الحجرة لدقائق، حتى أدرك مغزى فعلتهم. خرج ليواجههم، قائلًا ما معناه "فعلتم مثل الرجل الذي أراد إغاظة زوجته فشنق نفسه". تركهم وذهب.

السلطة ضد ذاتها

الشهر الماضي، صدر قرار حكومي مصري، وقانون إسرائيلي جديد، فصلت بينهما أيام قليلة، ولم تربطهما علاقة ظاهرية. القرار الحكومي المفاجئ خاص بالإغلاق التجاري المبكر وإظلام الشوارع بداية من التاسعة مساءً، للحد من استهلاك الطاقة، لمواجهة الأزمة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وتداعياتها. أما القانون الإسرائيلي الصادر عن الكنيست، فلم يكن مفاجئًا، احتاج سنوات من النقاشات والتفاوض وانتظار اللحظة الملائمة، إنه قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.

يسهل التراجع عن قرار الإغلاق والإظلام المبكر المصري في أي لحظة، بناء على المستجدات. لكن القانون الإسرائيلي، ولأنه صادر عن البرلمان، لا يمكن التراجع عنه بسهولة، إلا لو رفضته المحكمة العليا الإسرائيلية. وإن كان القرار الحكومي المصري رد فعل على أزمة مستجدة، لا يعلم أحد إلى أي مدى ستطول، فالقانون الإسرائيلي نتيجة التطور الطبيعي لدولة إسرائيل، تجاه حتمية كشف وجهها الأصيل، دون مواربة، كدولة احتلال عسكري وتطهير عرقي، ذات طابع فاشي.

انحازت الحكومة المصرية للتضييق على الاستهلاك، لكن بغشومية وبتمييز طبقي

لكن هناك ما يجمع بينهما، أن كلاهما نتاج لما هو أبعد من "الضرورة الآنية" في الحالة المصرية، وأبعد من الجوهر العنصري والديني والفاشي لدولة الاحتلال. كلاهما نتاج حالة عُممت تدريجيًا عالميًا، وهي اليأس العميق من السياسة. وكلاهما يتناقضان مع مصالح الدولتين، المصرية والإسرائيلية، وخطاباتهما الدعائية. في الحالة المصرية أننا بلد مستقر اقتصاديًا، وجاذب للاستثمارات والسياحة. وفي الحالة الإسرائيلية ادعاءات أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق، واحتياجها لتنظيف وجهها بعد انتهاء الحلقة الحالية من الإبادة، إن انتهت.

تنقسم الدول المتضررة من أزمة الطاقة الحالية لثلاثة أقسام أساسية في كيفية مواجهتها. يبحث القسم الأول عن مصادر فورية بديلة للطاقة، وبالذات المتجددة. ويعتمد القسم الثاني على الدعم الحكومي للحفاظ على أسعار الغاز والبنزين على أمل مرور الأزمة، مع حوافز لتقليل الاستهلاك. أما القسم الثالث فيضيّق على استهلاك المواطنين للطاقة، وانتهجته بعض بلدان جنوب شرق آسيا.

انحازت الحكومة المصرية لهذا المنهج الأخير، التضييق على الاستهلاك، لكن بغشومية وبتمييز طبقي. بإظلام شوارع البلد مبكرًا، بكل ما يحمله هذا الإجراء من تبعات أمنية، وبالتضييق على عملية الاستهلاك التي يحتاجها الاقتصاد المصري، دافعة شرائح اجتماعية لصفوف البطالة، مع وضع الاستثناءات لمناطق الأغنياء والسياح. مع إغفال أن السياح لا يحبون المدن المظلمة، يخافونها، حتى وإن ظلت مطاعمهم وفنادقهم والأماكن التي يزورونها مضاءة.

إنه انعكاس لحالة اليأس من السياسة، والتفاوض، والبحث عن بدائل لتوفير الطاقة. يأس ينسجم مع اختيار السلطة المصرية الواضح، منذ صيف 2013، لطريق إغلاق المجال السياسي، لصالح القمع المعمم كأداة إدارة، واتخاذها كالعادة إجراءات تضر الأغلبية، الأكثر ضعفًا وفقرًا، في هذه الحالة الشرائح الاجتماعية التي تعيش من نتاج عملها بعد التاسعة مساء، وهي شرائح واسعة، وبالذات في المدن.

في حين يذهب الدعم الحكومي للطاقة لمن هم أقل احتياجًا للدعم، مصانع الصلب على سبيل المثال، كثيفة الاستهلاك للغاز، والتي تذهب أرباحها لحفنة من الأفراد، وليس للمجتمع. فبدلًا من أن تتفاوض السلطة مع الأطراف الأكثر استهلاكا للطاقة، أو تفرض عليها شروطها في لعبة سياسية، تذهب للحل اليائس؛ تفرض نوعًا جديدًا من الحياة على شعب لم يعتَد أن يقوده أحد للفراش مبكرًا.

الدولة حين تتأزم

الكنيست الإسرائيلي، أرشيفية

على المستوى الإسرائيلي، يعبر قانون الإعدام الجديد عن اليأس نفسه من السياسة. بالطبع مع حفظ الفروق بينهما، فلا نساوي بين قرار خائب وقانون فاشي. ففي اللحظة التي تعاني فيها دولة إسرائيل من التدهور الأكبر في سمعتها وصورتها منذ تأسيسها 1948، تضحي بكل الأوهام والأكاذيب التي بنت عليها سابقًا سمعتها الدولية، والقبول بها عالميًا، والتعاون معها على كل المستويات، كونها دولة القانون والديمقراطية المحاطة بأنظمة القمع والهمج الذين يريدون الفتك بها، وبأنها مرآة الغرب والتحضر في الشرق المظلم.

في هذه اللحظة الحرجة، حيث يتبدى أمام قطاعات واسعة من شعوب العالم وجه دولة إسرائيل القبيح، ويبدأ الحديث عنها علنًا، في الشوارع وأروقة السياسيين ووسائل الإعلام، باعتبارها دولة تطهير عرقي، وإبادة، واستعمار، والحديث عن ضرورة نبذها وعقابها، تأتي الدولة لتقدم للجميع مبررًا إضافيًا لهذا النبذ، ودليلًا جديدًا على طبيعتها الفاشية والبربرية.

إنها مفارقة تاريخية سندرك معانيها وتأثيراتها مستقبلًا، وربما يكون بعضها في صالحنا. فبدلًا من السعي عبر عملية سياسية معقدة، وطويلة، وضرورية لاستعادة القبول الدولي بها، وأن ينسى العالم ما ارتكبته، يوافق برلمانها على أول قانون من نوعه في التاريخ الحديث، لا يربط عقوبة الإعدام بنوع الجريمة، بل بمن يرتكبها، بناء على الدين واللغة والأصل العرقي. مع فتح الباب القانوني لمعاقبة من يحملون الأوراق الثبوتية الإسرائيلية نفسها، إن كانوا من فلسطيني الداخل المحتل في 1948، بالإعدام إن هددوا أمن الدولة.

اليأس والحماقة لا يخلوان من الاحتفالية، مثلما أتخيل طه حسين وزملاءه قبل كلمات الأستاذ لهم، متصورين أنهم فعلوا ما لم يفعله أحد، وأنهم منتصرون. وهو ما تكفل به السياسيون الإسرائيليون، ليقدموا للعالم كله فضيحة احتفالية، نشرتها باندهاش وفزع الكثير من وسائل الإعلام العالمية، لرفع كؤوس الشمبانيا داخل البرلمان احتفالًا ليس فقط بصدور قانون إعدام -العقوبة التي تتجه دول العالم لتقييدها والتخلي عنها- إنما أيضًا بقانون عنصري، لعقاب شعب لم ينحَز العالم إليه أبدًا مثلما ينحاز اليوم.

على عكس الدعاوي العنترية، التي يتبناها بعض العرب أحيانًا، من نوعية "لا يهمنا العالم"، "لم يفعل لنا شيئًا أبدًا"، تعلم إسرائيل أهمية هذا الشيء المسمى بـ"الرأي العام العالمي"، ومخاطر تغير مواقفه تجاهها. فكيف ستتعامل بعد الحرب، وبعد تراجع الحلقة الحالية من إبادة الشعب الفلسطيني مع بلدان العالم؟ كيف لها أن تستعيد إدارة مصالحها مع هذا العالم؟

تعقدت المعادلات العالمية، وطرق الاحتجاج ومدى تأثيرها، من قبل قانون الإعدام الآتي لتعقيدها أكثر. أصبح كافيًا أن تُبلغ حفنة من العمال في أحد المواني أو المصانع الأوروبية أحد الصحفيين بتعاون ما مع شركة إسرائيلية لتنقلب الدنيا وتقع الفضيحة. وهو ما يضر إسرائيل حاليًا، ومرشح للازدياد مستقبلًا.

الفشل قدَر اليائسين

تغييب السياسة، أو بكلمات أخرى "سياسة اليأس من السياسة"، هي الأزمة التي تقف وراء القرار المصري والقانون الإسرائيلي. وإن كان في الحالة الإسرائيلية خطورتها أكبر على الدولة التي تتصور أن تفوقها التدميري يضمن لها البقاء والقبول. في حين يصعب تخيّل دوام الإمبراطورية الترامبية/النتنياهوية لسنوات طويلة. لكن هذا الوهم نفسه نتاج منهج احتقار السياسة، وتمجيد الشعبوية، التي انتهجها اليمين في العالم كله، كرد فعل على ثورات مهزومة وحركات تغيير أخفقت.

احتمالات الفشل على الجانب الإسرائيلي أكبر من الجانب المصري. فمن الصعب تصور أن قانون الإعدام سيردع الفلسطينيين

لكنْ، هناك جانب آخر يجمع القرار بالقانون، يضاف لسياسة اليأس من السياسة، إنه الفشل. أن تتخذ دولة ما إجراءً معين، على أمل تحقيق هدف ما، فلا يكون له أي مردود إيجابي، ويصبح تعبيرًا صريحًا عن الفشل. فمن الصعب تصور أن الإغلاق المبكر في مصر سيحل فعلًا أزمة الطاقة. مثلما من الصعب تصور استجابة المصريين طويلًا لقرارات الإظلام والإغلاق المبكر.

احتمالات الفشل على الجانب الإسرائيلي أكبر من الجانب المصري. فمن الصعب تصور أن قانون الإعدام سيردع الفلسطينيين، الفاقدين لأي أمل في حياة آمنة، عن المقاومة والتمرد والثورة. وخصوصًا إن أخذنا في الاعتبار تاريخهم الطويل من الثورات والانتفاضات والمقاومة المسلحة بكل أشكالها، بما فيها العمليات الاستشهادية. والفلسطينيون يعرفون جيدًا أسماء وأعداد من يتم تصفيتهم خارج إطار القانون من الأسرى. ويعرفون أسماء وأعداد من خرجوا في عمليات فدائية بإدراك كامل أنهم على الأغلب لن يعودوا.

لا أتذكَّر إن كان طه حسين أشار أم لا لتغيير الأستاذ الفرنسي طريقته في معاملتهم بعد احتجاجهم الفاشل. لكننا نعلم أن الرجل الذي أراد إغاظة زوجته بشنق نفسه، دمَّر نفسه، لم تدمره الزوجة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.