تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
إبراهيم الهلباوي

إبراهيم الهلباوي الذي لم يغادرنا!

منشور الاثنين 20 نيسان/أبريل 2026

إياك أن تتجاهل بوصلة الشعب المصري التي تصنعها فطرته ويحركها ضميره ويحفظها عقله الجمعي عبر تراكم ممتد ومدوّن في سجلات التاريخ. إياك أن يخدعك صبره وجلَده وتخطئ قراءته أو تفسيره. ذاكرته لا تنسى ولا تتسامح أبدًا مع مَنْ وقف مع عدوه، أو عمل لحسابه، في لحظات فارقة من تاريخه.

بعض الذين خانتهم الحسابات، أو تغلبت مصالحهم على مصالح الوطن، نالوا قسوة الشعب، ولم تفلتهم عقوبته. وربما يكون نموذج إبراهيم الهلباوي (1858 - 1940) الأبرز في ذاكرة المصريين، فهو رجل القانون الأشهر في زمانه، والقامة التي لم يطلها أحد في مجاله، وكانوا يطلقون عليه نجم المحاكم وسيد البلاغة.

مرافعات الهلباوي دروس في القانون والبلاغة، وقوة حجته ليس لأحدٍ قدرة على التصدي لها. كان متفردًا، عندما يتحدث يحبس القضاة والسامعون أنفاسهم. إلا أنه وبقدْر المكانة التي نالها عند قطاعات واسعة من المصريين، الذين اعتبروه نصير المظلومين، هوى إلى منحدرٍ بلا قرار.

أُعدت المشانق قبل التحقيق ونُفذت الأحكام أمام أهالي القرية!

كانت حادثة دنشواي، التي حُفرت في ذاكرة المصريين، وشكّلت جزءًا كبيرًا من وجدانهم في كراهية الاستعمار ومقاومته، هي المأساة التي غيّرت كل شيء، وأخذت به إلى الهاوية، ففي 13 يونيو/حزيران 1906م، كتبت القرية التابعة لمركز الشهداء محافظة المنوفية فصلًا مروعًا من تاريخ مصر بعد اقتحام خمسة جنود بريطانيين بقيادة الميجور كوفين المكان لصيد الحمام، فأصاب "عيار" طائش زوجة الشيخ محمد عبد النبي، واشتعل جرن الغلال، وظن الأهالي أن المرأة قُتلت، فهاجوا على الجنود، وفرّ الضابطان بول وبوستك. وبعد جريٍ محموم تحت الشمس، سقط بول ميتًا، متأثرًا بضربة شمس.

بطرس باشا نيروز غالي (1846-1910)، رئيس وزراء مصر من 12 نوفمبر 1908 إلى 20 فبراير 1910) - الصورة محسنة بالذكاء الاصطناعي

كان رد الاحتلال صادمًا إذ ألقى القبض على 52 فلاحًا، وشُكلت محكمة خاصة برئاسة بطرس باشا غالي، وعضوية ممثل للإنجليز، وأحمد فتحي زغلول الشقيق الأكبر لسعد زغلول. وسُلطت الأضواء على إبراهيم الهلباوي، الذي رضي لنفسه أن يكون نجم محاكمة صورية بموافقته على تمثيل  الحكومة في إدانة الفلاحين مقابل أتعاب قدرها 300 جنيه.

جلاد دنشواي

هنا تحطمت الأسطورة في لحظة؛ تحوّل الهلباوي من بطل إلى جلاد بعد أن سهّل بأساليبه الشيطانية مهمة المحاكمة الصورية، ووظف كل مهاراته في إدانة الفلاحين، ونجح ليس فقط في تبرئة جنود الاحتلال الإنجليزي، بل أيضًا في إثبات أنهم الضحايا، وأن أهالي دنشواي هم المذنبون.

بالفعل في 28 يونيو 1906م، صدرت الأحكام بإعدام حسن علي محفوظ ويوسف حسني سليم والسيد عيسى سالم ومحمد درويش زهران، وجُلد 12 آخرون 50 جلدة أمام بيوتهم، وحُكم على الباقين بالأشغال الشاقة. أُعدت المشانق قبل التحقيق ونُفذت الأحكام أمام أهالي القرية.

عاش الهلباوي بقية حياته، 34 عامًا، تحت وطأة هذه اللعنة، وفشلت كل محاولات تبرير قبوله أن يكون المحامي العمومي في هذه القضية، التي روّعت المصريين، وانتقل صداها إلى المحافل الدولية بفضل الزعيم مصطفى كامل.

لم تغفر ذاكرة المصريين أبدًا أن تعليق أهالي قرية دنشواي على أعمدة المشانق كان نتيجة إجادة الهلباوي وغيره يومها في الدفاع عن جرائم المحتل، فلفظه المصريون، وهاجمه مصطفى كامل وعباس العقاد وحافظ إبراهيم وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل، وأطلق عليه عبد العزيز جاويش على صفحات جريدة "اللواء" لقب "جلاد دنشواي"، وراح المصريون يطاردونه كلما رأوه هاتفين "يسقط جلاد دنشواي".

اللهم إني أستغفرك وأستغفر مواطنينا

طارت اللعنة فتحي زغلول، الذي كتب حيثيات الحكم في قضية دنشواي بخط يده، حتى وفاته في 1914م، أما بطرس باشا غالي، الذي رأس هذه المحاكمة، وأصبح بعدها رئيسًا لوزراء مصر، فقد اقتص منه الصيدلي الشاب إبراهيم ناصف الورداني في 20 فبراير/شباط 1910م، وأطلق عليه رصاصات مزقت رقبته في الحال.

لوما علم الهلباوي بالحادث، وسمع الأهالي يغنون لمِنْ اغتاله "يا ميت صباح الفل على الورداني" لم يهدر  فرصة التكفير عن سقطته، وقرر أن يدافع عن قاتل بطرس غالي، رغم اعتراض أسرته، لعل المصريين يغفرون له.

في مذكراته يسرد إبراهيم الهلباوي تفاصيل دفاعه عن الورداني تكفيرًا لذنبه، ويقول إن "المصريين كلهم كرهوا محاكمة دنشواي، واحتقروا كل مَنْ شارك فيها، ودافع عن المحتلين الإنجليز.. ولست هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن نفسي.. ومع ذلك أستطيع أن أؤكد أن الشعب المصري يحتقر كل مَنْ يدافع عن المحتلين، أو يأخذ صفهم، أو يبرر جرائمهم، وأؤكد أيضًا أن مواطنينا لم يقدروا الظروف، التي دفعتني أنا وغيري إلى ذلك؛ لهذا جئت للدفاع عن الورداني، الذي قتل القاضي، الذي حكم على أهالي دنشواي بالإعدام... جئت نادمًا أستغفر مواطنينا عما وقعت فيه من أخطاء شنيعة... اللهم إني أستغفرك، وأستغفر مواطنينا".

ظلت هذه الحادثة النزيف الذي لم يتوقف للهلباوي فقد نالت من سمعته ومكانته

يكتب في موضع آخر  "يُخيل إليَّ أن الذي سيقع بين أيديهم هذا الكتاب، سيُقلبون صفحاته سِراعًا باحثين عن تلك القضية (قضية دنشواي)، التي شاء القَدر أن يقترن اسمي بها، فهأنذا أُرضي في نفوسهم غريزة حُب الاستطلاع، فأبسِطُ بين أيديهم هذه القضية، التي يعلم الله أنني ما كنتُ وحدي لأستحق هذه الشُهرة السيئة، التي خَلفتها عليَّ، بل هناك كثيرون أولى وأحق بهذا الصَّيت المُشين".

لم تتوقف محاولات الهلباوي التماس العفو من الشعب المصري، فتطوع للدفاع عن وطنيين في قضايا سياسية أخرى، منها قضية تليغرافات صحيفة المؤيد، التي كان متهمًا فيها الشيخ علي يوسف، كما شارك في قضية التظاهر ضد قانون المطبوعات المُكبِّل لحرية الصحافة، التي قُبض فيها على كثير من الطلبة والصحفيين بقيادة أحمد حلمي صاحب جريدة القُطر المصري، وجَدّ صلاح جاهين.

حتى عندما أراد الترشح للجمعية التشريعية ظنًا منه أن هذا المنصب ربما يُحسّن صورته عند المصريين نصحه محمد حسين هيكل، الذي كان رغم صغر سنه مقربًا منه، بألا يفعل ذلك، وبعدما استمع إلى تبريره بأنه فعل ذلك لينجِّي مصر من آثار لم يكن يعلمها إلا الله، قال له "قضية دنشواي لم تكن قضية عادية يدافع هلباوي بك عن موقفه فيها بأنه أدَّى واجب المحامي، بل كانت قضية بين مصر وإنجلترا، وقد وقفتَ سعادتك في صف إنجلترا، فمن الخير أن تترك الزمن يُسدِل على موقفك هذا ستار النسيان، وما قُمت به في خدمة وطنك قبل هذه القضية وبعدها خير ما يعاون على تكثيف هذا الستار". وفعلًا عدل الهلباوي عن قراره.

ظلت هذه الحادثة نزيف الهلباوي الذي لم يتوقف، فقد نالت رغم كل محاولاته من سمعته ومكانته، وأصبح مكتبه الذي كان خلية نشاط غير مطروق من أحد، وذهبت إلى النسيان مقولة العامة "أقتلك وأجيب الهلباوي" ثقةً في الحصول على البراءة، وكذلك "هو أنت بتبيع لي لسان الهلباوي؟"، التي شاعت في الأرياف قديمًا بين الجزارين ومشتري اللحوم، إشارةً لفصاحته، إذ كان البائع يغالي في سعر بيع لسان الذبيحة.

الآن هل لنا عظة ونحن نطل على تاريخنا؟ كم بيننا الآن من خنفس باشا، الذي وشى بعرابي، ومن بطرس غالي، ومن إبراهيم الهلباوي.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.