صفحة Ahmed Amin أحمد أمين - فيسبوك
سكرين شوت بجودة محسنة بـ ChatGPT، من مسلسل النص التاني، من بطولة أحمد أمين - ريل منشور بتاريخ 14 مارس 2026، يجمع أمين مع أحمد رضوان في دور الضابط الوطني شعراوي.

سوبر هيرو تقفيل مصري.. حب الوطن على طريقة "النُص"

منشور الثلاثاء 17 آذار/مارس 2026

بعدما شاهدت الجزء الأول بالكامل وغالبية حلقات الجزء الثاني من مسلسل النُص بطولة أحمد أمين وأسماء أبو اليزيد، سألت نفسي: لماذا يتعاطف الناس مع نشال ويرفعونه إلى مرتبة البطل الشعبي؟ استدعيت قصة روبن هود، اللص النبيل، الذي يسرق من الأغنياء ليطعم الفقراء، لكن عبد العزيز النص في المسلسل لا يفعل ما يفعله روبن هود. لا أنفي عنه حبه للخير ونبل أخلاقه، لكنه ليس مشغولًا بتحقيق العدالة وضبط ميزان المجتمع بقدر انشغاله بالنجاة الفردية.

يقوم المسلسل على فكرة بسيطة لكنها عميقة في التراث الشعبي: الحيلة سلاح الضعفاء. عبد العزيز النص لا يستطيع مواجهة الاحتلال البريطاني بالقوة المباشرة. هو ليس قائد جيش ولا يملك سلاحًا ثقيلًا. كل ما يملكه هو مهارة اكتسبها في الأزقة: القدرة على قراءة الناس، والتخطيط السريع، واستخدام الحيلة بدل القوة.

هذا المنطق مستمد إلى حد بعيد من القصص الشعبية ومن حكايات ألف ليلة وليلة؛ العقل يتفوق على العضلات، ويذكّرنا إلى حد بعيد بفيلم عنتر ولبلب (1952)، بطولة محمود شكوكو وسراج منير. في الفيلم الكوميدي القديم يقسم لبلب، الذي يؤدي دوره شكوكو، أن يصفع عنتر سبعة أقلام على وجهه. المشكلة أن عنتر هو أقوى رجل في الحارة، بينما لبلب رجل ضعيف البنية، بالكاد يستطيع الوقوف أمامه.

لكن لبلب لا يحاول هزيمة القوة بالقوة، إنما يستخدم الحيلة. يلتف حول عدوه، ويبتكر مواقف طريفة تمكنه في النهاية من تحقيق ما وعد به. الفارق أن ما كان في فيلم عنتر ولبلب مادة للكوميديا، يتحول في النص التاني إلى استراتيجية مقاومة. أحمد أمين، في دور النص، يستخدم الحيلة نفسها لمواجهة خصم يفوقه قوة وقدرة: المحتل.

النَشَّال مقابل الهَجَّام

ربما استعارت شخصية النص الدرامية الصورة السينمائية لعلاء الدين الذي ظهر في أفلام هوليوود؛ لص أسواق في بغداد، هنا نجد الناس أقل حدة مع النشال مقارنة بالهجَّام الذي يهتك حرمة البيوت وربما يستخدم السلاح في ترويع الآمنين أو حتى قتلهم إذا امتنعوا عن تسليمه مدخراتهم أو قاوموه، بينما النشال يمد يده بخفة في جيب عابر في زحام الأسواق، ربما يسرق ليأكل، ومهما كان المبلغ الذي يتحصل عليه سيكون في كل الأحوال خسارة محدودة لن تمثل ضربة قاصمة للحياة.

لا يوجد أي إشارات إلى عمل وطني يتورط فيه النشال عبد العزيز الشهير بالنص أو شقيقه

سيتعاطف الناس مع النشال وفي نفس الوقت ربما يضمرون سخرية من الضحية الذي انطلت عليه حيلة النشال أو أهمل في حماية محفظته وساعته وخاتمه وقلمه الذهبي.

في القصة الحقيقة التي نشرها الصحفي والناشر حسني يوسف في عشرينيات القرن الماضي، وأعاد نشرها حديثًا مع تعليقات وأرشيف من أخبار الصحف في هذه الحقبة، الكاتب أيمن عثمان، لا يوجد أي إشارات إلى عمل وطني يتورط فيه النشال عبد العزيز الشهير بالنص، أو شقيقه. المذكرات عبارة عن استعراض لمهارات النشل والدهاء الموجه ضد الضحايا من الأثرياء، واختيار النشال للأثرياء ليس نابعًا من موقف أخلاقي بقدر كونه نابعًا من رغبة في ضمان حصد أكبر قدر ممكن من الأموال أو المتعلقات الثمينة.  

أبطال من الهامش

الفنان أحمد أمين يقرأ كتاب مذكرات نشال للكاتب أيمن عثمان خلال تحضيره للجزء الأول "النص" إخراج حسام علي، 2025

توجد بصمات فبركة واضحة في مذكرات النشّال عبد العزيز النص التي نشرها حسني يوسف صاحب ومدير جريدة صوت الشعب في العشرينيات، فالمذكرات تأتي عقب مذكرات فتوة التي حققت رواجًا كبيرًا للصحيفة، وقد قرأت هذه المذكرات وبدت لي حقيقية جدًا، بداية من بيانات صاحبها أو راويها، اسمه ومحل إقامته وشبكة علاقاته والأماكن التي يرد ذكرها في المذكرات، وهي تخلو أيضًا من أي عمل بطولي أو وطني.

حررت بصمات الفبركة في المذكرات الأصلية الخيال الدرامي لصناع المسلسل، وبدلًا من التقيد الحرفي بما ورد فيها بتقديم شخصية نشال تائب يحكي تفاصيل المقالب التي اصطاد بها ضحاياه من الأثرياء وكواليس عالم النشل وأشهر حيل النشالين، اختار صناع العمل عباءة البطل الشعبي الوطني الذي لا يقدح من أم رأسه ولكن يناضل من أجل مصر وفق توجيهات ضباط وطنيين مخلصين.

في قصص الأبطال الشعبيين يتحول العادي إلى مقاومة الظلم أو الاستبداد بعد أن يكتوي بنارهما، لكن في مسلسل النص تحول النشال إلى حارس ظل لكنوز مصر القديمة، في الجزء الأول، بعد أن أوعز إليه الضابط الوطني علوي/صدقي صخر، بأهمية توظيف مهاراته وذكائه في منع الإنجليز المحتلين من سرقة كنوز الوطن.

على الفور وافق النشال التائب الذي كان يكابد ليجمع أتعاب المحامي الذي سيتولى الدفاع عن شقيقه محمود الطالب الوطني بعدما ألقي القبض عليه بزعم حيازة منشورات تحرض على مهاجمة الإنجليز وعملائهم في مصر، وألقى القبض عليه الضابط علوي نفسه الذي ورَّط النص في الكفاح الوطني.

المسلسل يعيد إنتاج فكرة قديمة في الأدب الشعبي: أن البطولة الحقيقية لا تولد في القصور لكن في الأزقة الضيقة

لاحقًا في الجزء الثاني من المسلسل يُجبر عبد العزيز على مطاردة عملاء الإنجليز بضغط من أعدائهم الألمان الذين يهددونه بابنه وزوجته، وفي لحظة الحيرة يظهر شعراوي/أحمد رضوان، ضابط الشرطة الذي يحل محل علوي في الجزء الأول، ليعيد للنص توازنه ويضبط بوصلته. يقول له مثلًا في أحد اللقاءات مطمئنًا له حين يعبر له عن خوفه من الفضيحة في حال عرف الناس سجله الإجرامي في عالم النشل والسرقة "جرائم الحاضر بطولات المستقبل"، ويقول له حين سأله عن الفعل الصحيح: هل ينحاز للإنجليز أم الألمان؟ فيخبره "خليك في النص".

يؤدي النص وطاقمه واجبهم الوطني تجاه مصر في رضا تام رغم ظروفهم البائسة ومعاناتهم، اللهم إلا مشهد عابر بين النص والضابط شعراوي، حين طلب منه الأخير المساعدة في "حوار يخص مصر"، يقصد مهمة عمل سرية، فيرد عليه النص ممتعضًا "مصر حواراتها كترت"، وهنا فقط ربما لمحة من غضب أو استياء منطقي، لكن بشكل عام هذا هو النموذج الوطني من وجهة نظر السلطة: مواطن يضحي بكل شيء من أجل مصر حتى وإن كان هذا المواطن مطحونًا مظلومًا. لا مجال للحديث عن حقوق المواطنة، الأولوية فقط لواجبات المواطن تجاه وطنه.

على أي حال القيمة الفنية البارزة في المسلسل أنه لا يكتفي بتقديم بطل واحد من الهامش، لكن يبني عالمه بالكامل حول شخصيات منبوذة أو مهمشة "الحرافيش"، بداية من عبد العزيز النص، النشال التائب، مرورًا برسمية، فتاة التياترو الحالمة التي تكابد من أجل إنقاذ ابنة شقيقها القواد من مصير مشابه لمصيرها، إلى جانب شخصية إسماعيل/ميشيل ميلاد، المخترع الذي يملك عقلًا متقدًا لكنه يعيش في مجتمع لا يعترف بالموهبة إن لم تكن مدعومة بالمال أو النفوذ، وزقزوق/عبد الرحمن محمد، النموذج الكلاسيكي للطيب الساذج، الذي يثبت في اللحظات الحاسمة أن النقاء قد يكون قوة لا تقل أهمية عن الذكاء، ودرويش/حمزة العيلي، العامل في التياترو، وفي الخلفية تقف عيشة/دنيا سامي، زوجة النص، المرأة الضعيفة، والداعمة لزوجها في أشد لحظاته ضعفًا.

بهذا التكوين الجماعي، يبدو المسلسل كأنه يعيد إنتاج فكرة قديمة في الأدب الشعبي: أن البطولة الحقيقية لا تولد في القصور، لكن في الأزقة الضيقة التي يعيش فيها الناس العاديون.

النساء في قلب الحكاية

من الجوانب الإيجابية في المسلسل أيضًا أنه لا يعامل النساء كشخصيات ثانوية. هناك العميلة الألمانية نادية/بسمة، التي تمثل نموذجًا مختلفًا للمرأة في الدراما التاريخية. شخصية ذكية وفاعلة، تتحرك داخل لعبة سياسية معقدة، وتملك قدرًا من الاستقلالية، وعائشة، زوجة النص، ليست مجرد ظل للبطل. معاناتها الخاصة تمنح العمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحكاية السياسية.

أما رسمية، التي تؤديها أسماء أبو اليزيد، فهي واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في المسلسل. شخصية تجمع بين القوة والهشاشة في آن واحد، وجود هذه الشخصيات النسائية يعطي العمل توازنًا مهمًا، ويمنع الحكاية من التحول إلى مجرد مغامرات رجالية في زمن الاحتلال.

في النهاية، يشبه عبد العزيز النص سلسلة طويلة من الأبطال الشعبيين في الثقافة العربية. هو قريب من شخصية أسطورية مثل علي الزيبق، ذلك المحتال الذكي الذي كان يخدع السلطة الفاسدة. ويشبه أيضًا أدهم الشرقاوي، الفلاح الخارج على القانون الذي تحول إلى أسطورة. كما يمكن مقارنته حتى بشخصية مثل روبن هود، اللص الذي يسرق من الأغنياء ليعيد توزيع الثروة.

القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو أنهم يمثلون حلمًا قديمًا لدى المجتمعات: أن يظهر بطل من بين الناس العاديين ليعيد التوازن إلى عالم مختل.