من واشنطن إلى إسلام آباد.. مَن يملك قرار بيروت؟
في 12 أبريل/نيسان الجاري، انتهت 33 سنة من القطيعة الرسمية بين لبنان وإسرائيل، عندما اجتمعت في واشنطن السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة، بنظيرها الإسرائيلي يخيئيل لايتر، برعاية وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فيما كان لبنان كله في مرمى قصف جيش الاحتلال.
بعدها بيومين، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار في لبنان لينهي أسبوعًا من الشدّ والجذب بين طهران وواشنطن، بشأن ما إذا كان مشمولًا في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل.
إعلان ترامب جاء تتويجًا لمسارين متوازيين ظلا يتنازعان الملفَ اللبناني منذ تجدد الحرب في مارس/آذار الماضي؛ مسار إسلام آباد حيث تتفاوض إيران والولايات المتحدة، ومسار واشنطن حيث جلس اللبنانيون لأول مرة مع الإسرائيليين منذ عقود برعاية أمريكية، ومن المنتظر أن يجلسوا مرة ثانية غدًا الخميس في جولة جديدة من هذه المفاوضات المباشرة، التي قرر الرئيس اللبناني جوزيف عون أن يمثّل فيها لبنانَ وفدٌ جديدٌ يقوده الدبلوماسي المخضرم سيمون كرم، السفير اللبناني السابق في واشنطن، مع تشديده على أن "لا أحد سيمثّل لبنان أو يحل محله في هذه المهمة".
بهذا المعنى، لا يُنظر في بيروت إلى اجتماع واشنطن وما تتلوه من جولات بوصفه مجرد محطة تفاوضية في حرب مفتوحة، بل اختبار داخلي لأسئلة أعمق: مَن يملك حق التفاوض باسم لبنان؟ ولأي غاية؟ هل التفاوض المباشر مع إسرائيل خطوة لاستعادة الدولة و"فصل" المسار اللبناني عن المسار الإيراني، وهو ما أكد عليه عون صراحةً، أم مجرد إعادة تموضع للسلطة في مسار ترعاه واشنطن ولا يملك فيه لبنان أوراق قوة حقيقية؟ هل يؤدي ذلك لانفجارات داخلية مع حديث البعض عن تطبيع واتفاقية ربما تقترب مما حدث بين مصر وإسرائيل؟
استعادة الدولة أم إعادة تموضعها؟
في لبنان، حيث تنقسم الآراء بانقسام التوجهات، لا بد وأن يختلف تقييم مثل هذه الخطوة غير المسبوقة بين أقصى الرفض وأقصى التأييد، وهناك من يقف في المنتصف، برفض أو تأييد حذرين.
بالنسبة لكتلة تحالف التغيير النيابية، التي تضم مجموعة من النواب من خارج أحزاب المنظومة التقليدية، هناك ثلاثة عوامل رئيسية أدت لوقف إطلاق النار، فحسب مارك ضو النائب عن الكتلة والمقرّب من رئيس الحكومة نواف سلام، توقفت الحرب نتيجة "وضع إقليمي" و"ضغط أمريكي"، و"رغبة لبنانية بإنهاء القتال".
ينطلق ضو في حديثه مع المنصة، من اعتبار اجتماع واشنطن "خطوةً مبدئيةً أساسيةً وتطورًا كبيرًا لصالح الدولة اللبنانية"، إذ تكمن قيمة الاجتماع في أنها كرّست للمرة الأولى منذ سنوات أن "الدولة اللبنانية" هي التي تتولى التفاوض باسم اللبنانيين، لا حزب مسلح ولا وسيط إقليمي.
يضع نائب تحالف التغيير نجاح لبنان في "فصل مساره بالكامل عن المسار الإيراني"، في قلب هذا المكسب، انطلاقًا من رؤيته بأن ربط الملف اللبناني بطهران لم يقد إلا إلى حروب متكررة منذ 2006. وبالنسبة له، ليست المشكلة المركزية فقط الاحتلال الإسرائيلي القائم في الجنوب، بل أيضًا في أن "سلاح حزب الله غير الشرعي" جعل لبنان عاجزًا عن تطوير أدواته الدبلوماسية وتمثيل نفسه دوليًا.
لا يذهب ملحم رياشي، النائب في كتلة القوات اللبنانية، الأكبر في البرلمان منذ عام 2022، بعيدًا في التفاؤل، ويتخذ موقفًا أكثر تحفّظًا من موقف ضو، إذ يعتبر الاجتماع "بدايةً لا بأس بها"، مشددًا على أن الأساس هو أن "يتمثل لبنان من خلال حكومته ولا أحد سواه".
لكن على عكس ضو، لا يرى رياشي مسار واشنطن بالضرورة بديلًا كاملًا لأي تفاهماتٍ إقليميةٍ، ولا يرى ضررًا في أن "تنعكس نتائج إسلام آباد إيجابًا على لبنان".
في الجهة المقابلة، يعتبر مصدرٌ مسؤولٌ في حزب الله، تحدث لـ المنصة وطلب عدم نشر اسمه، أن الهدنة نفسها دليلٌ على أن المسار الحاسم كان خارج واشنطن، مؤكدًا أن "وقف إطلاق النار هو نتيجة التحرك من إيران وإصرارها على عدم العودة إلى التفاوض قبل وقف إطلاق النار".
في هذه الرؤية، لا يأتي قبول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالتفاوض مع لبنان استجابةً للسلطة اللبنانية التي سبق وتجاهل طلباتها بالتفاوض المباشر عدة مرات، بل "نتيجة ضغط الميدان أولًا"، ونتيجة رغبة إسرائيلية في الهروب من الاعتراف بأن إيران استطاعت أن تضغط وتحقق هذا الإنجاز.
مساران لا مسار واحد
ما يعدّه النائب مارك ضو "فصلًا للمسار اللبناني عن الإيراني" يراه مصدر الحزب "مطلبًا إسرائيليًا" سعت السلطة اللبنانية إلى تنفيذه. يصوغ الأكاديمي والباحث في الإعلام والسياسة ربيع بركات هذا التعارض على نحو أكثر تركيبًا؛ نحن "أمام مسارين"؛ الأول إقليمي بدأ في إسلام آباد، والثاني بدأ في واشنطن، وهدفه الضمني "عزل لبنان عن المسار الأول ومفاعيله".
في قراءته، يتعلق الأمر بمشروع سياسي داخل لبنان، فالسلطة التي تشكلت بعد حرب 2024 في ظل اختلالات جديدة في موازين القوى الإقليمية، تريد استثمار نتائج الحرب لنزع شرعية سلاح حزب الله، لذلك تجد في مسار واشنطن ما لا يوفره مسار إسلام آباد، لأن الأخير "يمكن أن يعيد الاعتبار لحزب الله"، ولإيران في الداخل اللبناني.
اجتماع واشنطن في رأي حزب الله ورقة مجانية قدمها اللبناني للإسرائيلي
هنا يلتقي بركات، من زاوية نقدية، مع كلٍ من ضو ورياشي في نقطة واحدة؛ نعم، هناك مسعى لفصل لبنان عن إيران؛ لكن بينما يراه ضو ورياشي إنجازًا يمثل استعادة سيادة الدولة، يراه بركات استثمارًا سياسيًا داخليًا ضد حزب الله.
أما بخصوص وقف إطلاق في لبنان، الذي يصفه الباحث في الإعلام والسياسة بـ"الهش أساسًا"، فيراه "حصيلة أولية لمسار المحادثات في باكستان لكن تم تخريجه بوصفه حصيلة لقاء واشنطن"، هذا لا يجعل الهدنة مستقرة، بل على العكس "يزيد من عدم استقرارها"، لأنها ترتبط بتنازع المسارين، وبالتطورات الميدانية من هرمز إلى لبنان، وبالفجوة الواسعة التي ما زالت قائمة بين تصور إيران وحزب الله للحل، وبين تصور إسرائيل والولايات المتحدة.
ما الذي يملكه لبنان على الطاولة؟
يظل السؤال الأهم في سعى لبنان للتفاوض المباشر مع إسرائيل هو ماذا يملك لبنان أصلًا على طاولة واشنطن؟
هنا يضع النائب مارك ضو ثلاثة أوراق في يد بيروت؛ الشرعية الدولية والسيادية، وملف الحدود البرية والبحرية والغاز، ثم العلاقات العربية والدولية التي يمكن أن توظَّف لصالح لبنان في المفاوضات.
من هذا المنظور، لا يدخل لبنان المفاوضات بلا شيء، بل يدخلها بصفة الدولة المعترف بها، وهذه بحد ذاتها ورقة، وهو ما لا يراه بركات ويرد من الجهة المقابلة بأن "لبنان في واشنطن لا يمتلك أي ورقة ضغط على إسرائيل"، ولا يستطيع المطالبة بشيء، ولا حتى القدرة على تنفيذ ما قد يُطلب منه، وعلى رأسه نزع سلاح حزب الله، "وهو ما يستوجب قدرات لا يملكها لبنان".
أما المصدر المسؤول بحزب الله فيذهب لما هو أبعد من ذلك، فالاجتماع، في رأيه، "ورقة مجانية يقدمها اللبناني للإسرائيلي"، لأنه لم ينتزع وقفًا لإطلاق النار، بل منح إسرائيل، عبر البيان السياسي وصورة اللقاء، ما عجزت عن فرضه ميدانيًا".
بعد انتهاء اجتماع واشنطن، يوم الثلاثاء الماضي، خرجت الأطراف ببيان مشترك جاءت أبرز بنوده تأكيد الولايات المتحدة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة حزب الله، وتأكيدها على أن اتفاق وقف الأعمال العدائية يجب أن يتم برعايتها وليس بمسار منفصل.
وبينما دخلت بيروت الاجتماع وهي تطالب بهدنة أو وقف نار يفتح باب المفاوضات، ربطت تل أبيب التفاوض بوقف العمليات العسكرية، مع تقارير إعلامية عن خطط لتقسيم جنوب لبنان إلى مناطق أمنية ووجود عسكري طويل الأمد. وبعد الاجتماع، لم يحصل لبنان على وقف النار الذي أراده، وبقي فقط تفاهم محدود على تحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية، مع استمرار القصف جنوبًا.
شبح الحرب الأهلية وتابو التطبيع
يلتقي أطراف الطيف السياسي اللبناني في نقطة أخرى، فحتى الرافضون للتفاوض يستبعدون أي انفجارات داخلية وشيكة؛ ضو لا يرى أي اشتباك داخلي رغم حساسية الذاكرة اللبنانية؛ "الكل حريص، بما فيهم حزب الله، على تجنب هذا الشبح"، والمصدر المسؤول في الحزب يقول بالوضوح نفسه إن أي فتنة "غير واردة".
ليبدو التطبيع النقطة الأكثر حساسية. وبينما يرى النائب مارك ضو أن "هناك مصلحة لبنانية في إنجاز اتفاق أمني سياسي، أو حتى اتفاق سلام، كما فعلت مصر"، يرفض المصدر المسؤول في حزب الله القياس على مصر، معتبرًا أن القاهرة ذهبت إلى اتفاق من موقع قوة بعد حرب 1973، بينما يذهب لبنان اليوم إلى تفاوض "من دون أي أوراق ضغط".
ما تكشفه هذه المواقف، في النهاية، هو أن الخلاف اللبناني ليس بين فريق يسعى للحرب وآخر يسعى للسلام، بل بين تصورين لكيفية الخروج من الحرب، يقول أحدهما إن لبنان لا يمكن أن يستعيد نفسه إلا إذا فاوض بنفسه، وباسم دولته، والآخر يرى أن التفاوض من دون أوراق قوة، وبرعاية أمريكية منحازة، ليس استعادة للدولة بل تسليم للأوراق.
