حوار| سفير مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة: دول الخليج لا تحتاج الجيش المصري لحمايتها
لولا "كامب ديفيد" لبقيت إسرائيل في سيناء.. والرئيس الأمريكي يبحث عن الـ"كاش"
قبل يومين، في تمام الثامنة مساءً بتوقيت نيويورك، انتظر العالم جحيم ترامب في السابع من أبريل/نيسان الحالي؛ أن "تنتهي حضارة إيران"، على حد قول الرئيس الأمريكي. إلا أنه بدلًا من هذا أعلن هدنةً تمتد لأسبوعين، تم الاتفاق عليها بين طهران وواشنطن بوساطة إسلام آباد. حتى هذا التوقيت كان الشرق الأوسط يعيش فعليًا على شفا بركان.
وبينما تولي القاهرة اهتمامها إلى التوازنات الإقليمية والعداءات التاريخية على حدودها الشرقية، فإنها مطالبةٌ باتخاذ "موقف أكثر حزمًا" ضد طهران إرضاءً للحليف الخليجي الذي لا يمكن المخاطرة به، في ظل علاقة استراتيجية مع واشنطن. فكيف تحافظ على دورها وسيطًا محايدًا وضامنًا للاستقرار الإقليمي دون خسارة حلفائها؟ هذه المعادلة شبه المستحيلة نضعها أمام السفير معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا، ونحاول في حوارنا معه قراءة ما بين سطور مواقف مصر الرسمية.
لماذا صمتت القاهرة؟
التزمت القاهرة الصمت حيال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رغم أن دولًا أخرى شجبت وأدانت وأعلنت رفضها، باعتبارها حرب لا تحظي بأي غطاء شرعي. لماذا اكتفت مصر بإدانة الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج؟ نبدأ أسئلتنا للسفير معتز أحمدين من أكثر النقاط حساسية.
يقر السفير بدايةً بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران "عدوانية" وآثارها واضحة، ويذهب إلى أن الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في الخليج "لم تكن لتحدث لو لم تكن هناك حرب". لكنه يتفهم الموقف الدبلوماسي المصري الذي تجنب الإدانة العلنية؛ "مصر لم تُدن صراحةً، لكن واضح أنها ترفض هذه الحرب. جميع التصريحات الصادرة عنها تشير إلى ضرورة وقف الحرب حتى قبل إدانة الهجمات الإيرانية على القواعد الأمريكية في دول الخليج التي يبدو أنها مست بنية تحتية مدنية. من البداية مصر تقول: يجب أن تتوقف الحرب ثم نتحدث".
يربط أحمدين الصمت المصري أيضًا بطبيعة العلاقة بين مصر والولايات المتحدة، وحرصها على أن تظل قادرةً على لعب دور الوسيط لنزع فتيل الأزمة؛ "هناك علاقة وثيقة بين الرئيسين الأمريكي والمصري. ترامب يثق في الرئيس المصري ويعتبره أحد الرؤساء المفضلين في المنطقة، بالتالي هذا أحد أسباب عدم الإعلان صراحة عن إدانة العدوان الأمريكي. الظروف السياسية تحكم وربما الظروف الدولية لم تسمح".
ومع إقرار سفير مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة أن هذا الموقف "أقل مما نريد"، يؤكد على أن "الموقف المصري جيد ومحترم مقارنة بمواقف أخرى، بل وأدى إلى تحفظ بعض دول الخليج، لأنها كانت تريد أن تتخذ مصر موقفًا قاطعًا ضد إيران دون حتى الدعوة لوقف الحرب".
ماذا يريد الخليج؟
بينما لم ترضَ الأطراف المتعاطفة مع إيران بعدم إعلان إدانة مصرية للحرب، لم تخضع مصر في المقابل لابتزاز الأصوات الخليجية التي انتظرت موقفًا أكثر عداءً لإيران.
يفسِّر الدبلوماسي المخضرم الهجوم على مصر من بعض المحسوبين على دائرة القرار في الخليج بأنه استياء من التعاطف الشعبي المصري مع إيران، لا من الموقف المصري الرسمي. ويشير إلى تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي، الذي أشار لتنسيق مصر مع دول الخليج بـ"الخبرة الدبلوماسية" من أجل إصدار قرارات في مجلس الأمن يصفها بـ"الخطيرة جدًا، مثل القرار 2817. ذلك القرار الذي تجاهل تمامًا مسألة سبب الحرب، ولم يدن الحرب نفسها، ولا أداء إسرائيل، ولا الولايات المتحدة".
رغم الضغط الخليجي، تصر مصر على الحفاظ على علاقتها مع إيران. يؤكد أحمدين على أن "هناك الآن نوعًا من الثقة بين البلدين، لدرجة أن الرئيسين المصري والإيراني تحدثا في الأيام الأولى للحرب ووزيرا الخارجية يتحدثان بانتظام. حدثت مكالمة هاتفية بين الرئيسين بعد الحرب ولم تكن المكالمة الأولى في 2026 بالمناسبة".
ينوه السفير لقدرة مصر على التواصل مع جميع الأطراف حينما يتطرق للوساطة التي قامت بها القاهرة بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية وأطراف أخرى. فقبل أن تندلع الحرب الأخيرة، شهد الصيف الماضي تصعيدًا عسكريًّا غير مسبوق بين إيران وإسرائيل، ثم تدخلت الولايات المتحدة في 22 يونيو/حزيران عبر قصف منشآت نووية إيرانية، ما أدى إلى توسيع دائرة المواجهة. وبعد أيام من التصعيد المتبادل، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار هش، عكس هشاشة الوضع الإقليمي واستمرار احتمالات الانفجار في أي لحظة، وهنا حاولت مصر، عبر إعادة موضعة دورها في الدبلوماسية الإقليمية، التدخل لتخفيف التوتر الإقليمي الذي كان له أثر سلبي على اقتصادها، بخاصة قناة السويس.
دول الخليج عندما طلبت المساعدة من أحد غير الولايات المتحدة وأوروبا لجأت إلى أوكرانيا وليس مصر. لأن أوكرانيا لديها خبرة في مواجهة الصواريخ والمسيرات
لعبت مصر دور الوسيط بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث استضافت القاهرة محادثات أدت إلى تجديد التعاون بشأن عمليات التفتيش النووي. وفي سبتمبر/أيلول 2025، سهّل المسؤولون المصريون لقاءات بين ممثلين إيرانيين والمدير العام للوكالة رافائيل جروسي، مما أعاد تفعيل الاتفاقيات المتوقفة حول التفتيش بعد أشهر من الجمود.
ترسم مصر خطًا رفيعًا بين تنسيقها الدبلوماسي مع الخليج، الذي يصل إلى حد إصدار قرارات في مجلس الأمن ضد إيران، وبين رفضها المبدئي لتغيير الأنظمة بالقوة. وهو ما يفسر عدم انزلاق القاهرة إلى معاداة طهران رغم الضغوط الخليجية، ويفسر حفاظها في الوقت نفسه على قنوات اتصال مفتوحة مع إيران في ذروة الحرب.
لا يرى أحمدين أن دول الخليج كانت تتوقع أكثر من ذلك من مصر، رغم المناوشات الإعلامية والتصريحات الحادة من قبل بعض الشخصيات العامة هناك؛ "لا تحتاج دول الخليج إلى تدخل مصري عسكري لحمايتها من إيران، والدليل الواضح على ذلك أنها عندما طلبت المساعدة من أحد غير الولايات المتحدة وأوروبا، لجأت إلى أوكرانيا. لماذا؟ لأن أوكرانيا لديها خبرة في مواجهة الصواريخ والمسيرات، وهذه الخبرة، مع تقديرنا لإمكانات مصر العسكرية، لكن خبرات مصر العسكرية، لا أقول إنها غير موجودة في هذا المجال، لكنها على الأقل ليست مجربةً إذا ما قورنت بأوكرانيا".
محور سني وتحالف إبراهيمي
مع تغيُّر خريطة التحالفات الأمنية في المنطقة، وحتى قبل اندلاع الحرب، تبنّت الإمارات موقفًا براجماتيًا بالتحالف الأمني مع إسرائيل، معتبرة أن التعاون الدفاعي والتكنولوجي يخدم مصالحها الاستراتيجية ويعزز قدراتها العسكرية.
في إطار الاتفاقات الإبراهيمية، توسعت أبوظبي وتل أبيب في مشاريع مشتركة؛ أبرزها التعاون في الطائرات المسيّرة والأنظمة الدفاعية، مع لقاءات متكررة بين وزراء الخارجية والدفاع. في مقابل هذا المحور الإقليمي الذي سبق وبشّر به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بدأ محور آخر في التشكل بين مصر وتركيا وباكستان والسعودية، وهو ما أطلقت عليه إسرائيل التحالف السني.
نقل النفط عبر موانىء إسرائيل يضرب مصالح مصر وتركيا ودول الخليج
لا يرى أحمدين محور مصر-تركيا-السعودية-باكستان مواجهًا للمحور الإبراهيمي، بل يعتبره "تحالف ضرورة"؛ "إسرائيل اتخذت موقفًا من هذا التنسيق الذي لم يصل حتى إلى مستوى التحالف قبل الحرب. تصريحات نتنياهو بأن بلاده ضد التحالف الشيعي وضد التحالف السني، اتصل بقبرص ودول أخرى من أجل مواجهة ذلك، ثم جاءت الحرب ومالت لغة الخليج ناحية مسألة الشرق الأوسط الجديد والاستعانة بالولايات المتحده وإسرائيل".
يشدد سفير مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة على خطورة تصريحات نتنياهو عن مضيق هرمز، وقوله أنه "قريبًا جدًا سيتم الاتفاق مع دول الخليج على إنشاء خطوط أنابيب لتصدير النفط عن طريق موانىء إسرائيل". يرى أحمدين في ذلك السيناريو ضربة إسرائيلية لأكثر من دولة بنفس الحجر؛ مصالح مصر الاقتصادية، مصالح تركيا، ومصالح دول الخليج.
ينوه السفير لمتغير آخر خطير، وهو تصريحات نتنياهو بأن إسرائيل بصدد الوصول إلى تحالفات مع دول عربية و"أنها تقاتل معها في الحرب جنبًا إلى جنب"، وإلى تصريحات ترامب التي يثني فيها على قطر والسعودية والإمارات والبحرين "لأنهم يقاتلون جنبًا إلى جنب"؛ مشددًا على أن خطورة هذا الكلام أنه يستدرج إيران لمزيد من المواجهة مع دول الخليج، ويستدرج أيضًا الرأي العام العربي. لهذا كان من الطبيعي العودة للتحالف بين مصر والسعودية وباكستان وتركيا.
في مارس 2026، اجتمع وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان في إسلام آباد لمناقشة تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ومحاولة الوصول لوقف إطلاق نار مبكر. اللقاء الذي مثّل خطوةً لافتةً نحو تنسيق أوسع بين أربع دول ذات ثقل، حمل في نظر الكثير من المحللين رسالةً سياسيةً واضحةً بأن هذه الدول لا تكتفي بالدعوة لإنهاء الحرب، بل تسعى أيضًا إلى إعادة صياغة النظام الإقليمي بما يعزز الاستقرار ويحد من التصعيد المستمر.
يرى أحمدين في هذا التحالف انعكاسًا للمصالح المشتركة، ليس فقط في ظل الحرب الأمريكية على إيران، لكن تفرضه ظروف أخرى تستلزم التنسيق بين هذه القوى الإقليمية، ضاربًا المثل على ذلك بمحاولة الإمارات فرض أمر واقع في اليمن على حساب السعودية في الوقت الذي اتجهت إسرائيل فيه إلى إنشاء قواعد عسكرية أو الحصول على تسهيلات في صوماليلاند لكي يسيطروا على مضيق باب المندب.
"كامب ديفيد" بيننا وبينهم
يبقى الخطر دائمًا هو ذلك القادم من الشرق، ورغم ما تمثله إسرائيل من تهديد مباشر للأمن القومي المصري، خصوصًا على حدود سيناء، وما حملت حرب الإبادة على غزة في طياتها من مخاطر انفجار الحدود وتدفق اللاجئين وانهيار الاستقرار في شبه الجزيرة، فإن الدبلوماسية المصرية تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، وتلعب دور الوسيط لا دور الطرف المتحارب ولو بشكل غير مباشر. حتى عندما تقدمت جنوب إفريقيا بدعوى أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر/كانون الأول 2023 تتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، لم تنضم مصر رسميًّا في القضية، رغم ترحيبها ودعمها للخطوة، واتخذت موقفًا يدعو لوقف الحرب وحماية المدنيين.
يبرر سفير مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة ذلك الموقف بأن القاهرة تفضّل إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف لتتمكن من لعب دور الوسيط، لافتًا إلى أن مصر أعلنت أنها ستنضم لدعوى جنوب إفريقيا إلا أن ذلك لم يحدث؛ "طبعًا كان من الأفضل أن تنضم مصر. لكن دعونا نتكلم بموضوعية. هل لو كانت انضمت كان سيختلف الكثير؟".
لا يرى أحمدين أن الموضوع "مسألة مواقف"، مشددًا على أن المواقف المصرية واضحة وجيدة من الناحية الدبلوماسية. بل أن مصر والدول العربية كلها على المستوى الدبلوماسي ناجحة في قرارات مجلس الأمن، حتى بخصوص وقف إطلاق النار في غزة؛ "لما بيحصل تصويت في الجمعية العامة بيبقى مثلًا 150 دولة لصالح المواقف العربية، و10 بالكتير أو أقل لصالح إسرائيل والولايات المتحدة. وفي مجلس الأمن، رغم الفيتو الأمريكي، أحيانًا يتم إجبار الولايات المتحدة على الامتناع عن التصويت أو الموافقة على قرارات معينة. وبالتالي، الناحية الدبلوماسية أو الناحية السياسية فيها نجاح لا يمكن إنكاره".
لكن هل تملك مصر أوراق ضغط حقيقية في ملف غزة أم أن الأزمة الاقتصادية المصرية، والتداخل الاقتصادي مع إسرائيل، والعلاقات مع دول الخليج واستثماراتها في مصر، كل هذا يمنعها من امتلاك مفاتيح لوقف خطر وجودي على حدودها؟
الرئيس الأمريكي بيتكلم على 'كاش'؛ أي حاجة فيها فلوس هو شغال، وممكن يغير موقفه
يؤكد السفير أن "لديها أوراقًا"، ثم ينتقل إلى نقطة محورية، وهي اتفاقية كامب ديفيد، ويرى فيها ميزة كبرى؛ "لولا كامب ديفيد، كانت إسرائيل هتبقى لسه على حدود قناة السويس. لازم -شئنا أم أبينا- نعترف. أنا في الجامعة كنت أرى أنها اتفاقية سيئة، لكن في الواقع كان زمان إسرائيل عندنا زي ما هي في الجولان دالوقتي. لازم نفكر بموضوعية ونبتعد عشان نشوف الصورة كاملة. هي (الاتفاقية) تضغط على مصر ولا على إسرائيل؟ هي التزام قانوني أعتقد أنه يمكن استخدامه للضغط على إسرائيل أكثر من مصر. لماذا؟ لأن مصر دولة أكبر. قواتها المسلحة ليست منشغلة في جبهات مختلفة، وبالتالي تستطيع أن تحرك مسألة الحدود الموجودة في كامب ديفيد".
يرى أحمدين في الغاز ورقةً أخرى يمكن توظيفها للضغط على تل أبيب؛ "كنا بنصدر الغاز لإسرائيل في البداية. طبعًا هناك خطأ في تقديري أن نستورد الغاز من إسرائيل ونجعلها تستفيد منا رغم ما فعلته في غزة. لكن كل ذلك يمكن استخدامه وتوظيفه إذا توفرت الإرادة السياسية والتنسيق مع دول أخرى لوجود بدائل. مثلًا قبل الحرب الأخيرة على إيران كانت هناك مصادر للغاز مثل قطر والجزائر. أنا لست متخذ القرار ولا أملك التفاصيل، لكن طبعًا أرى إنه كان هناك وسائل اقتصادية تستطيع أن توجع إسرائيل، وتستطيع أن تؤثر على الولايات المتحدة، لأن الرئيس الأمريكي بيتكلم على 'كاش'؛ أي حاجة فيها فلوس هو شغال، وممكن يغير موقفه".
منطق Use it or lose it
كبَحت هدنة الأسبوعين الحربَ على الجبهة الإيرانية، وأوقفت بالتالي الرد الإيراني الموجه تجاه العدو المرابض في دول الخليج، فهل كان لدى إيران خيارات أخرى لإنهاء الحرب؟ هنا يختلف معتز أحمدين مع فكرة أن الحرب كانت مفروضة على إيران بشكل كامل، ويرى أنه كان أمام إيران خيار آخر أكثر منطقية من ضرب أهداف في دول الخليج، وهو أن توجه جميع إمكاناتها تجاه إسرائيل، "لأن حرب الـ12 يومًا في يونيو 2025 توقفت عندما أوجعت إسرائيل. لذلك، ربما جاء التدخل الأمريكي بعد أن اتصل سرًا رئيس وزراء إسرائيل بترامب وطلب منه ذلك، رغم أن إسرائيل كانت تعلن أنها تريد مواصلة الحرب".
يشرح أحمدين أن إيران أرادت ثلاث نقاط رئيسية باستهدافها دول الخليج؛ "أولًا، هي عندها مجموعة من الأسلحة التي لا تصل إلى إسرائيل، وهذه الأسلحة إن لم تستخدم سيتم تدميرها. بمنطق use it or lose it (ما لا تستخدمه يضمحل). ثانيًا، دول الخليج لا شك في نظر إيران تساعد الولايات المتحدة. أو على الأقل الولايات المتحدة تستخدم دول الخليج من أجل مهاجمة إيران، سواء مجالها الجوي أو القواعد والمعدات الموجودة في القواعد. كما رأينا مثلًا بالنسبة لقاعدة العديد في قطر عندما تم ضرب الدوحة".
يشير أحمدين إلى أن النقطة الثالثة تتعلق بحجم الضرر الذي يمكن أن تحدثه دول الخليج في إيران؛ "تهديد دول الخليج لإيران لا قيمة له. لأن حجم الضرر لن يزيد بأي حال عما تسببه ضربات إسرائيل والولايات المتحدة. بالتالي بالنسبة لطهران ليس هناك ما ستخسره. فضلًا عن أنها مضطرة ويجب أن توجه ضرباتها نحو الولايات المتحدة بقدر الإمكان".
انكشاف أسطورة "الخليج الآمن"
يذهب السفير إلى أن الهدف الحقيقي للحرب على إيران ليس البرنامج النووي الإيراني أو البرنامج الصاروخي أو حتى تحالفات إيران مع قوى كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. كل هذا، برأيه، مجرد ذرائع لتحقيق هدف واحد وهو إسقاط النظام.
على هذا يرسم مسار الخطى الإيرانية المقبلة، سواء في مرحلة المفاوضات أو فيما يخص تداعياتها، لافتًا إلى خطورة وضع مضيق هرمز، باعتباره الورقة الأهم في يد إيران، كما يطلق عليه بعض المحللين الأوربيين "قنبلة نووية اقتصادية في يد إيران".
ويعد "الصمود" من ضمن أوراق الضغط الإيرانية، مؤكدًا على أنه ليس أمام إيران نظامًا وشعبًا خيار "سوى الصمود ورفض الاستسلام. لأنهم حتى لو وافقوا على وقف برنامجهم النووي، وقد وافقوا قبل ذلك، ووافقوا حتى في الوساطة التي نجحت فيها مصر العام الماضي، فبالنسبة لهم، الصمود هو معيار الانتصار والهزيمة. رفض الاستسلام، رفض تغيير النظام، رفض وقف برنامج الصواريخ. إيران قالت إنها لا تريد سلاح نووي. فتوى الخميني نفسها أوقفت البرنامج النووي الإيراني الذي كانت الولايات المتحدة قد شجعت الشاه على إطلاقه من أجل السيطرة على سلوك دول الخليج".
طرفا الخليج كلاهما خاسر من استمرار الحرب أو انتقالها لمواجهة مفتوحة، سواء بمشاركة الأطراف الكبرى أو دونها. يؤكد أحمدين أن أكبر تحدٍ أمام إيران في المرحلة المقبلة هو أنها بردود فعلها على الضربات التي تعرضت لها، نجحت في استعداء جميع جيرانها تقريبًا. وهذا يعني، في حال أصدر مجلس الأمن قرارًا بذلك، أن سيناريو حشر قوات دولية حول إيران بشكل تدريجي، بهدف غزوها على غرار ما حدث في العراق لم يعد مستبعدًا.
وفق هذا السيناريو، من المرجح أن تنضم دول الخليج إلى قوات الغزو، وهو ما يضعنا أمام ما انكشف مؤخرًا، وهو أن بعض دول الخليج لم تعد تمانع التحالف علنًا مع إسرائيل ضد إيران.
يشير السفير لما هو أكثر خطورة بالنسبة لدول الخليج وهو انتهاء نموذج الخليج الآمن الذي يستقطب الثروات "النموذج الإماراتي الذي ورث سويسرا كملاذ آمن للأموال، وهذا بكلام الأوروبيين أنفسهم والسويسريين، لأنه في سويسرا أصبحت هناك قيود أكثر صرامة بخصوص السرية البنكية. هذا النموذج (الخليجي)، لا يقتصر على البنوك وحدها، لكنه يقوم على استقطاب الخبرات وتوفير الأمن والمنازل الآمنة، إنها الواحة الآمنة التي تستقطب الجميع وتستطيع أن تشتري الأمن والخبرة وكل شىء. هذا النموذج ما لم يتحقق الأمن والاستقرار في محيطه؛ ينكشف".
بهذا التحليل، يختتم السفير معتز أحمدين قراءته لمشهد الشرق الأوسط، حيث لم يعد أي نموذج آمنًا، ولا أي طرف قادرًا على شراء الاستقرار دون مواجهة الحقائق على الأرض

