تصوير Roberto Chile بإذن خاص لـ المنصة
علم فلسطين في حفل سيلفيو رودريغيز في هافانا سبتمبر 2025.

لماذا تعلو أصوات الفن المتضامن في كاليفورنيا وتخفت في القاهرة والرياض؟

منشور الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026

في ليلة السبت 18 أبريل/نيسان الماضي، استغلت فرقة الروك الأمريكية The Strokes عرضها الرئيسي في مهرجان كوتشيلا السنوي، الذي يقام في وادي كوتشيلا بصحراء كولورادو بولاية كاليفورنيا، للتعبير عن غضبها من تدخّل الإدارة الأمريكية وأجهزة استخباراتها في مصائر وشؤون الشعوب بالاغتيالات والانقلابات وإشعال الحروب، خصوصًا في إيران وفلسطين.

ورغم الأثمان المهنية وأحيانًا القانونية للتضامن مع فلسطين في الغرب، مرَّ الفعل الاحتجاجي بسلام، بعكس ما يتعرَّض له الفنان العربي إن تجرَّأ وعبَّر عن موقف إنساني أو سياسي تضامني، بما قد ينتهي لإقصاء مهني، أو ملاحقة، أو حتى منع من دخول الأوطان.

مهرجان كوتشيلا ليس مواسم الرياض

صورة تجمع أعضاء فريق The Strokes، جوليان كازابلانكاس، نيكولاي فرايتور، ألبرت هاموند الابن، فابريزيو موريتي، نيك فالنسي.

يزخر التاريخ القريب والبعيد بفنانين عرب دفعوا أثمانًا باهظة للتعبير عن آرائهم. مثلًا؛ عانى الموسيقار اللبناني الراحل زياد الرحباني من تضييق إعلامي بسبب مواقفه اليسارية الصلبة، كما مُنعت الفنانة كندة علوش من العودة إلى وطنها سوريا أو العمل فيه منذ عام 2017، عندما أعلنت موقفها السياسي الداعم للمعارضة ضد نظام بشار الأسد.

والموقف الأحدث والأبرز في الأوساط الفنية، كان من بطولة الفنان المصري محمد سلام في خريف عام 2023، عندما غرَّد خارج سرب مواسم الرياض في وهو يعلن في مقطع فيديو انسحابه من العرض المسرحي الكوميدي "زواج اصطناعي"، لعدم قدرته النفسية على الرقص والغناء بينما يتعرض قطاع غزة لإبادة جماعية.

تسبب هذا الموقف في هزة داخل الوسط الفني العربي الذي شارك معظمه في احتفالات المملكة بموسمها الترفيهي؛ وترددت أنباء عن استياء تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه بالسعودية، وتجميد مشاركة سلَّام في المشروعات الفنية المدعومة سعوديًا، وحتى بعض الأعمال داخل مصر.

ومع غياب أي موقف رسمي سعودي من المسألة؛ غاب سلَّام طويلًا عن الساحة الفنية والإعلامية، حتى كسر هذا الغياب بظهوره في بطولة مسلسل كارثة طبيعية في أواخر العام الماضي، عبر منصة WATCH IT التابعة للشركة المتحدة في مصر.

بين إيران وفلسطين

يؤكد المخرج والكاتب باسل رمسيس لـ المنصة أن المهرجانات الفنية ليس مطلوبًا منها بالضرورة اتخاذ مواقف سياسية رسمية، لكنه يرفض بالمقابل الحجر على آراء الأفراد المشاركين فيها، وكذلك ادعاءات عزل الفن عن السياسة.

وبينما كانت مهرجانات غربية تؤدي دورًا في رفض حرب الإبادة على غزة، يرى رمسيس أن المهرجانات العربية تأخرت في دعم القضية الفلسطينية، ولم يتحرك القائمون على بعضها لإعلان مواقف تضامنية إلا كرد فعل على الهجوم الشعبي عليهم، كما حدث في مهرجان "موازين" في المغرب، الذي واجه موجة هجوم وانتقادات شعبية واسعة لاستمراره في تنظيم حفلاته الضخمة تزامنًا مع تصاعد الإبادة في غزة.

المديرية العامة للجوازات في السعودية تضيف ختم دخول بشعار موسم الرياض 2023 في مطار الملك فهد

وفي حين يرفض الناقد الفني زين خيري، وهو مسؤول سابق عن المركز الإعلامي بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، استغلال المهرجانات الفنية للتعبير عن الانحيازات السياسية، يؤكد لـ المنصة على أن هناك استثناءات للقضايا الإنسانية العادلة، مثل التضامن مع الشعب الفلسطيني، وهي بلا شك مسألة تفرض حضورها القوي، ودعمها يصبح واجبًا إنسانيًّا.

وإذا تأخر حضور تضامن المهرجانات العربية مع الفلسطينيين؛ فقد غاب التضامن مع إيران التي تواجه عدوانًا أمريكيًّا إسرائيليًّا وضربات متتالية منذ فبراير/شباط الماضي، استهدفت إحداها مدرسة ميناب الابتدائية جنوبي البلاد وأودت بحياة 150 ضحية أغلبهم من التلاميذ.

يفسر باسل رمسيس التباين الحاد بين حضور التضامن مع فلسطين في المهرجانات العربية، وغيابه عنها في الحالة الإيرانية، بسببين؛ الأول هو أن شجاعة الفنانين العرب في الاشتباك مع السياسة تظل محدودة مقارنة بالغرب، والثاني هو طبيعة التمويل والسياسة؛ مُذكِّرًا بأن بعض المهرجانات الفنية العربية الكبرى تُموّل من جهات وأنظمة تتبنى موقفًا سياسيًّا معاديًا لإيران، مما يجعل التضامن معها أمرًا شبه مستحيل في هذا السياق.

يضيف باسل بُعدًا آخر وهو أن "التضامن مع القضية الفلسطينية كفردٍ عبر رفع علم أو ارتداء كوفية يظل أسهل، لأنها قضية تحرر وطني تاريخية تحظى بإجماع عالمي ضد الاحتلال. أما في الحالة الإيرانية، فرغم تضامني مع الشعب الإيراني، فإنني لن أختار رفع علم إيران في مهرجان سينمائي بسبب طبيعة النظام الاستبدادي والطائفي هناك، والذي تعاديه قطاعات واسعة، مما يخلق تباينًا في التناول".

صوت من لا صوت له

المخرج والمصور الفلسطيني أحمد الدنف

بالنسبة للفلسطيني، تعد المهرجانات الدولية والمنصات الفنية رئةً يتنفس بها ويصل صوته من خلالها للعالم، بعيدًا عن روايات الإعلام الموجه، ويشدد المصور والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف لـ المنصة على ضرورة مشاركة المبدعين والفنانين الفلسطينيين في المهرجانات الدولية بما يفتح نافذة حقيقية يرون من خلالها قصصهم.

شارك الدنف مؤخرًا في مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد، بالفيلم التسجيلي ضايل عنا عرض، الذي أخرجه بالاشتراك مع المصرية مي سعد، ويوثقان فيه معاناة أطفال غزة ومحاولات سيرك غزة الحر التخفيف عنهم، ونال تنويهًا خاصًا من لجنة التحكيم.

وعند مقارنته بين المنصات العربية والغربية، يشير الدنف إلى تباين واضح في مساحات الحرية؛ "في بعض المهرجانات الغربية، تتوافر مساحات أوسع لطرح القضايا والنقد السياسي المباشر دون خوف من قيود. أما في المهرجانات العربية، فهناك حساسية أكبر تجاه بعض الطروحات لأسباب سياسية أو اجتماعية، مما يجعل التعبير أكثر حذرًا أو يقدَّم بطرق غير مباشرة. ومع ذلك، للمهرجانات العربية قيمة كبرى لأن جمهورها يفهم التفاصيل الدقيقة دون حاجة لشرح. المسألة تكمن في كيف توصل فكرتك بذكاء دون التنازل عن جوهر الحقيقة".

وينوه الدنف إلى أن ما ينقص المهرجانات العربية ليس الرغبة، بل "الجرأة في توفير بيئة تمنح صانع الفيلم الأمان بعيدًا عن الرقابة المباشرة أو غير المباشرة، بجانب دعم الإنتاج والتوزيع للأفلام التي تنقل روايات من مناطق مهمشة كغزة".

هذا الرأي يشاطره فيه الفنان رائد الشيوخي، مدرب التمثيل والمسؤول في "مسرح نعم" بمدينة الخليل بالضفة الغربية، الذي يتبنى نموذج drama therapy/العلاج بالدراما للأطفال تحت وطأة الحرب، منوهًا إلى أن المهرجانات الأجنبية، الأوروبية واليابانية مثلًا، تتيح نقاشات أوسع لرفع الوعي، حيث يصطدم أحيانًا بجمهور أجنبي لا يعرف حتى الجغرافيا الأساسية لفلسطين.

ويشيد الشيوخي في حديثه إلى المنصة بالتضامن الشعبي الحي الذي لمسه في مهرجانات تونس مثل مهرجان 24 ساعة مسرح بمدينة الكاف، ومهرجانات قرطاج وسوسة، حيث كانت الفعاليات الفنية تعقبها مسيرات تضامنية حاشدة.

إضافة لما اكتسبه من احترام ومصداقية شعبية، ربما تكفلت الأيام بمداواة جراح محمد سلام الفنية والمادية، وربما أيضًا لم يخسر مهرجان الرياض كثيرًا من غيابات أو اعتذارات فنانين لانحيازاتهم السياسية، لكنَّ المؤكد أن رسالةً ما وصلت للفنان العربي بأنَّ تساقط قيود التضامن السياسي عن نظيره الغربي لا تخصّه؛ لأن صوته ليس مطلوبًا، واتخاذه موقفًا؛ أيَّ موقفٍ، من أيِّ قضية أو نظام، لن يمر دون حساب.