تصميم أحمد بلال، المنصة
أحمد عدوية

إعلام خارج قبضة السلطة.. ثقافة الكاسيت في مصر

منشور السبت 2 أيار/مايو 2026

أعطى الكاسيت إعلامَ الجماهير مسارًا عفيًّا بعد سنواتٍ طويلةٍ من الروايات الشفاهية التي تناقلها الناس في ساعات السهر والسمر، وتغنى بها  الشعراء الشعبيون وأبدعوا روايةً مغايرةً لتلك التي تستقر في بطون الحَوليَّات التاريخية، وصفحات الجرائد، والدفاتر الرسمية للدولة.

تحضرني هنا سيرة أولاد جاد المولى، وكانوا إقطاعيين كبارًا يملكون عشرات الآلاف من الأفدنة في محافظة المنيا، وحين صدر قانون الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية، أرسلت السلطة من يتسلم الأرض، قاوموه بالسلاح، لكنهم انهزموا في النهاية، وسِيق كبيرهم إلى السجن، وحكم عليه بالإعدام، ثم خُففت العقوبة إلى السجن المؤبد. وامتلأت الصحف أيامها بذكر تفاصيل ما يجري، حتى جاء الشاعر الشعبي مكرم المنياوي، لينسج خيوط الحكاية بطريقة مغايرة، حين كان يحيي أفراح وجهاء الصعيد.

ثقافة العامة وقلق النخبة

ظل صوت مكرم معزولًا حتى اختراع الكاسيت، فسجل السيرة عليه، وانطلقت الشرائط تُباع وتُنسخ بلا حد، فذاع صيتها بعدما طوت الأيام ما كُتب عنها في الصحف. وإن استُعيد في كتابة أرشيفية من آن إلى آخر، فالكاسيت كان الأكثر اعتمادًا لدى الجماهير الغفيرة.

هذا نال "إعلام الجماهير" دفعةً قويةً لم تقتصر على الثقافة الشعبية إنما امتدت إلى ما تنتجه النخبة المحجوبة عن وسائل الإعلام الرسمية، المقروءة والمسموعة والمرئية، وهو ما يخبرنا به المؤرخ الأمريكي في مجال الإعلام والثقافة الشعبية والشرق الأوسط آندرو سايمون في كتابه "إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت في مصر"، الذي صدر بالإنجليزية، وترجمه إلى العربية بدر الرفاعي ليصدر في طبعة أولى عن دار الشروق بالقاهرة عام 2025.

صورة لغلاف أحد شرائط الكاسيت للشيخ. صفحة باسم أحمد برين على فيسبوك 

سَلك المؤلف نهجًا مختلفًا في جمع مادة هذا الكتاب الذي أطلق عليه "أرشيف الظل"، وعرّفه بأنه "مجموعة من المواد البصرية والنصية والسمعية الموجودة خارج دار الوثائق القومية، بالإضافة إلى الأفلام والمذكرات والصحف الأجنبية والتقارير القنصلية والصور الشخصية والأوراق الخاصة والمقابلات الشفهية".

ركز سايمون على تقنية الكاسيت التي أحدثت ثورة بمصر في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، حين تمكنت من تفكيك سيطرة الدولة على الإعلام قبل ظهور الفضائيات والإنترنت بزمن طويل، بعد أن زاد الإقبال على الكاسيت، ضمن تصاعد النزعة الاستهلاكية مع الانفتاح الاقتصادي الذي بدأ عام 1974، بما أثَّر عميقًا في الثقافة الشعبية، والثقافة الموازية، وحفر مجرىً مغايرًا في كتابة التاريخ الاجتماعي المصري.

ووقف حراس الثقافة النخبوية في وجه الكاسيت، مرةً بسبب نسخ الشرائط الأصلية خِفية، الذي أتى على حقوق الملكية الفكرية لقارئي القرآن الكريم والوعاظ والمطربين، ومرةً لأن الكاسيت أدى إلى تسميم الذوق العام، لا سيما مع انتشار الأغاني الحافلة بما اعتبره كلمات رخيصة ومبتذلة، وقد بدا هؤلاء، بموقفهم هذا، أشبه بسلطة ثقافية تحدد المقبول والمرذول.

يعبِّر سايمون عن هذه الحالة قائلًا "هاجم الفنانون والباحثون والرقباء والصحفيون والسياسيون والأطباء تسجيلات الكاسيت في مصر، حيث أصروا على أن هذه الوسيلة الجماهيرية لعبت دورًا أساسيًا في تشكيل ذوق عدد لا يُحصى من المواطنين. وللوهلة الأولى اعتبرت الأشرطة الصوتية تافهة أو سخيفة، أو في أغلب الأحيان مبتذلة، بسبب مادتها غير المنتقاة".

ساهمت هجرة المصريين إلى بلدان الخليج في انتشار أجهزة الكاسيت

يتكئ هؤلاء في وجهة نظرهم على أمرين أساسيين؛ الأول هو أن فوضى أشرطة الكاسيت صنعت مطربين غير مؤهلين ليكونوا كذلك، لرداءة أصواتهم، وفوضى موسيقاهم، التي تلوث المشهد السمعي، وتسمح في ركابهم بتمرير ما يفسد الذوق والأخلاق.

الثاني هو تحول عدد كبير من المصريين في ظل الانفتاح إلى منتجين ثقافيين، يبحثون عن الربح بأي ثمن، غير مهتمين أو مشغولين بإغراق السوق بتسجيلات عشوائية في الكلمات والموسيقى والأداء، وما يخلفه هذا من تأثير جارح على الذوق العام، ومنظومة القيم الوازنة، والسكينة الاجتماعية.


آفاق جديدة

ورغم أن الثقافة والفنون التي تنتجها النخبة عرفت طريقها إلى الكاسيت، واستفادت منه كثيرًا في الوصول إلى القاعدة العريضة من الناس، بعد الانفتاح الاقتصادي، فقد ظل هؤلاء يتعاملون مع أداة الذيوع هذه على أنها أقل درجة من الاعتماد الرسمي، حين تبث تلاوة أو ترتيل المقرئ في الإذاعة والتليفزيون، وكذلك كثيرٌ من المطربين، خاصةً الشباب، الذين وصلت أصواتهم للجمهور عبر الكاسيت قبل أن تُبث لهم الإذاعة ولو أغنية واحدة.

وساهمت هجرة المصريين إلى بلدان الخليج في انتشار أجهزة الكاسيت، للحاجة إليها في نقل صوت من اغتربوا سعيًا وراء الرزق إلى أهاليهم، بدلًا من كتابة الخطابات المطولة، ثم استُغلت في بث أغاني كبار المطربين وتلاوة كبار المقرئين وإنشاد السير الشعبية بحناجر القوَّالين أو رواة السير ومبدعي فن الموَّال.

وبعكس الجرامافون الذي ارتبط بالبيوت الثرية والمتوسطة، انتشر الكاسيت الذي يُطلق عليه عموم الناس "جهاز التسجيل" بين كل الطبقات، وتبعته بعد ذلك أجهزة الفيديو، التي نقلت أفلامًا سينمائية بعد رفعها من دور العرض إلى البيوت، قبل أن تأتي السيديهات للكمبيوتر، ثم المواقع الإلكترونية التي تزدحم بالأغاني والأفلام وتكون متاحة أمام الجميع، وفي الوقت نفسه أتاحت لمختلف الطبقات الاجتماعية تسجيل أفراحها وأتراحها مصورة، محتفظة بها على سبيل الذكرى.

وحدثت نقلةٌ أعلى حين اختُرعت شاشات التلفاز الأكثر تطورًا، التي يمكن وصلها بالهواتف الذكية، لتعرض ما يريد صاحبها من أغانٍ وأفلام أو حفلات أو مقارئ للقرآن الكريم، كما أتاحت التكنولوجيا نسخ ما على شرائط الكاسيت والفيديو ليصبح مادةً قابلةً للعرض على شاشات الحواسيب.

قبل بلوغ ثورة الاتصالات ذروتها، ظل الكاسيت لأكثر من ربع قرن سيد إعلام الجماهير، وساهم في صناعة الشهرة لأسماء ما كان لها أن تصل إلى الناس، سواء لأسباب سياسية مثل الشيخ إمام عيسى ومعه الشاعر أحمد فؤاد نجم، وكذلك الشيخ عبد الحميد كشك، أو لأسباب فنية مثل بدايات المطرب الشعبي أحمد عدوية، قبل أن تصل أغانيه إلى السينما.

مكَّن الكاسيت صوت عدوية من الوصول إلى المقاهي وسيارات الأجرة وصالونات تصفيف الشعر

مكنت شرائط الكاسيت الشيخ إمام، في إطرابه بأشعار نجم وغيره، من انتقاد السلطة الحاكمة، وتفكيك أو دحض سردياتها، ومنازعتها في الهيمنة على الإعلام الجماهيري، ومعها ساهمت في أن يكون لشريحة معارضة صوت آخر في وجه صوت يمجد السلطة ويبرر أفعالها.

وعلى التوازي أتاح الكاسيت لواعظ مثل الشيخ كشك على ما فيه من انتقادات سياسية مباشرة أو غير مباشرة، وكذلك تهكمه على بعض ما تنتجه النخبة  كالأغاني والأفلام السينمائية والمقالات الصحفية والكتب الثقافية والعلمية، من أن يصل إلى قاع الريف المصري، والشوارع الخلفية في المدن، وتصبح حكاياته الدينية التي كان يُعمل فيها خياله أحيانًا وبعض مقولاته جارية على ألسنة عموم الناس.

 كما مكّن الكاسيت صوت عدوية من الوصول إلى المقاهي وسيارات الأجرة وصالونات تصفيف الشعر، ليخرج من حواري القاهرة وأزقتها ويقتحم أذن الطبقة الوسطى، ليتفوق مع الأيام عبر الكاسيت في حجم من يستمعون أغانيه على أقرانه الذين تبث الإذاعة الرسمية أغانيهم.

أنهى مهمته

توارى الكاسيت إلى الخلف، بعد أن فرض أسماء كثيرة على الساحة الثقافية، وجرت عليه القاعدة التي أقولها دومًا من أن "الآلة تنسخ الآلة، والأداة تنسخ الأداة، لكن السلعة لا تنسخ السلعة بالضرورة".

ويعبر سايمون عن الحال التي آل إليها الكاسيت قائلًا "إن البقايا المادية لثقافة أشرطة الكاسيت التي كانت قوية في ذات يوم لا تزال موجودة في مصر المعاصرة، في الظل وفي وضح النهار، في المستودعات النائية، والمكتبات المركزية، على رفوف المخازن، وفي شوارع الأسواق الشعبية المزدحمة.. وخارج المؤسسات، يمتلك مواطنون عاديون أيضًا أشرطة كاسيت تستحق الذكر".

الشيخ إمام في ضاحية المعادي حيث كان يسجل أشرطة الكاسيت هناك

ورغم أن جهاز التسجيل لم يعد يُستخدم إلا نادرًا في ظل صرعة الفضائيات المتلفزة التي تعد بالمئات، والحواسيب المتطورة التي تتوالى أجيالها، وكذلك الهواتف الذكية، حيث شبكة الإنترنت العملاقة المخزن عليها الكثير والعميق من مواد ثقافية متنوعة، فإن الكاسيت يظل جزءًا مهمًا من الذاكرة الثقافية لمجتمعنا.

وهي مسألة يقول عنها سايمون في كتابه "أرشيفات الظل لا تمكننا من كتابة تاريخ الأمم في غياب أرشيفاتها الوطنية في الشرق الأوسط أو خارج حدوده فحسب، بل تسمح لنا أيضًا ببناء أنواع جديدة تمامًا من التواريخ، ومع تزايد صعوبة الوصول إلى الوثائق الرسمية، سيحتاج المؤرخون إلى إعادة التفكير باستمرار فيما يشكل أرشيفًا، ومواجهة الجهود التي يبذلها أي طرف لاحتكار الماضي في الحاضر. وبالنظر إلى المستقبل فإن أرشيفات الظل لديها قدرة على لعب دور حاسم في هذا العمل الفكري. والحقيقة أن هذه الأرشيفات قد تصبح هي الملجأ لفهم الماضي في المستقبل".

لعب الكاسيت دورًا مهمًا في نقل مطربين ومقرئي قرآن وواعظين من هامش الثقافة إلى متنها، وهو إن صار اليوم قطعة "أنتيكا" فلا أحد ينكر تمكينه أعدادًا غير مسبوقة من الناس من المشاركة في صناعة الثقافة، وأعطاهم دفعة قوية، رسخت أسماءهم، لتصبح قائمة ومتداولة في أيامنا هذه ولو عبر أدوات أو آلات جديدة، ولولا الكاسيت لما صعدوا من الأساس إلى أي واجهة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.