دول الخليج رهينة حرب
بانزلاق الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى مرحلة "الاستنزاف"، تؤخذ بلدان الخليج العربي رهينةً بدرجات متفاوتة في الغرم والقلق والألم، لدى الأطراف الثلاثة الأساسية المتحاربة.
سواء كانت هذه الدول الخليجية مشاركة في الحرب، كما زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو عاجزة عن منع استخدام أمريكا للأراضي الخليجية نقاط انطلاق هجومية، حسب الاتهام الإيراني، فهي بين فكين، واختلط عليها الحابل بالنابل، في انزلاق إلى الفوضى، مع اتهام الحرس الثوري الإيراني لإسرائيل بأنها هي التي تقف وراء ضرب محطة تحلية مياه في الكويت، وحديث العمانيين عن أن استهداف ميناء صلالة مرتين لم تكن وراءه إيران.
مصالح أمريكا
أمريكا التي شنت الحرب، دون أن تأخذ مصلحة دول الخليج في الاعتبار، تصر على استمرار المعركة، غير عابئة بأن جزءًا من الرد الإيراني يطال هذه الدول، ويمتد من القواعد والمصالح الأمريكية فيها إلى مصالح مدنية صارت أهدافًا بعد ضرب العدوان الأمريكي الإسرائيلي بنى تحتية إيرانية.
يتوجب إعلان رفض خليجي لتلميحات ضرب المحور السني عقب الإجهاز على المحور الشيعي
في حقيقة الأمر، لم تفعل دول الخليج ما عليها من واجب فور اندلاع الحرب، إذ انتظر كثيرون عقد قمة خليجية عاجلة تتخذ موقفًا خماسي الأضلاع، أوله رفض العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، لا سيما أنه جاء بينما كانت هناك مفاوضات تجري، أبدت فيها إيران، حسب شهادة الوسيط العماني، استعدادًا للتخلي عن امتلاك سلاح نووي.
الثاني هو عدم الموافقة على مهاجمة إيران من أراضي الدول الخليج، حتى لو كانت من القواعد الأمريكية بها، حتى لا ترد إيران عليها، ثم تمتد النيران إلى ما هو خارجها، وهو ما حدث بالفعل، وبررته إيران دومًا بأنه استهداف لمصالح أمريكية صرفة، أو مشتركة مع دول خليجية، أو لوجود أمريكيين بها.
الثالث هو إدانة أي استهداف إيراني لبلدان الخليج العربية، طالما أنها لم تنخرط في الحرب، ولم تسمح باتخاذ أراضيها نقاط انطلاق للعدوان الأمريكي والإٍسرائيلي أو فتح سماواتها لصواريخ وطائرات تضرب إيران.
الرابع هو الدعوة إلى قمة عربية طارئة لتأييد الموقف الخليجي. فدول الخليج، التي لم تعن كثيرًا على مدار السنوات السابقة بتفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك، تصورت أنها ليست بحاجة إلى وقوف العرب إلى جانبها طالما أنها صديقة أو حليفة أو قريبة من القوة العالمية العظمى، فلما دارت عجلة الحرب، وضُربت قواعد أمريكا في الخليج، أخذ الخليجيون يتساءلون: أين العرب؟
أما الخامس فهو إعلان دول الخليج رفضها القاطع تصريحات أمريكية انطلقت بأن الحرب على إيران هي حرب دينية، أو حملة صليبية تاسعة هدفها تحقيق وعود توراتية قديمة، وكذلك رفض حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس لاتفاقه مع رؤية المسيحية الصهيونية في الغرب فقط، إنما أيضًا لحديثه الواضح عن استهداف محور سني عقب الإجهاز على المحور الشيعي، وهي مسألة عبَّر عنها وزير الحرب الأمريكي أيضًا حين قال "كلهم أعداء".
الصمت العربي
صمت دول الخليج العربي على هكذا تصريحات واتجاهات جعلها تخسر تعاطف قطاع عريض من الجمهور في البلدان العربية - الإسلامية، بل أعطى فرصة لمن سعى إلى وضعها في خانة المشروع المعادي، ومنح فرصة أكبر للدعاية الإيرانية، التي ركزت على هذا الاتجاه.
لم تفعل دول الخليج العربي ذلك لأسباب، أولها أنها لم تكن لحظة اندلاع الحرب على المستوى نفسه من مقاربة المسألة الإيرانية، أو الخطر الإيراني، حسب السائد في بعض الأدبيات الخليجية، فموقف سلطنة عمان على طرف نقيض مع موقف الإمارات والبحرين، وبين الطرفين يأتي بدرجات الموقفان السعودي والقطري.
الانسحاب الأمريكي المفاجئ من الحرب قد لا يعني وقفًا فوريًا للهجمات الإيرانية على الخليج
ثانيها أنها كانت تمر قبيل الحرب بأزمة حادة ترتبت على الخلاف بين السعودية والإمارات حول ملفي اليمن والسودان وغيرهما، الذي بلغ أشده، حين لم يقتصر على السجال الإعلامي مثلما كان يحدث من قبل، إنما امتد إلى تدابير عسكرية تجلت واضحةً على أرض جنوب اليمن والسودان على حد سواء.
الثالث، وهو الأهم هنا، أن دول الخليج ليست قادرة على إعلان رفضها، جهارًا نهارًا، استخدام القواعد الأمريكية على أرضها لضرب إيران، إذ إنها تتسق مع الوظيفة التي أقنعت واشنطن دول الخليج بها بأن القواعد أقيمت لحماية هذه الدول، ثم ثبت مع جريان الحرب أن وظيفتها الأساسية هي توفير حماية متقدمة لإسرائيل في وجه إيران.
السبب الرابع يتعلق بإدراك القيادة السياسية الخليجية، وبعض نخبتها الثقافية، للخطر الإيراني، وقد كُتبت في هذا آلاف المقالات، لا سيما بعد تمدد النفوذ الإيراني في بلدان عربية عقب سقوط نظام صدام حسين. ومثل هذا التصور لا ينبع من فراغ، وتزكّيه الحرب الراهنة.
لكنَّ جزءًا من هذا يعود إلى ذهاب دول الخليج، عدا سلطنة عُمان، إلى التساوق مع التصور الأمريكي الذي يستبعد أي تفاهم أو تحاور أو تفاعل سلمي خلاق يقوم على احترام سيادة الدول وتبادل المنافع، إنما التخطيط لتدمير إيران لحساب إسرائيل بالأساس، وكان مطلوبًا من دول الخليج أن تنسى التاريخ والجغرافيا والثقافة والاعتقاد وتتماهى تمامًا مع التصور الإسرائيلي المضاد، الذي تشارك أمريكا في تنفيذه، بل تقوده.
حرب استنزاف
أيًا كانت الأسباب فها هي المعركة تنزلق إلى "حرب استنزاف"، إن كانت جغرافية إسرائيل لا تتحملها، وجغرافية إيران تمتص الضربات مع آلام تزيد بتدمير مقدرات البلاد الاقتصادية والعسكرية شيئًا فشيئًا، فإن دول الخليج العربي باتت بين فكي كماشة، وأمنها واقتصادها، بل وجود بعضها، صار على المحك، وأمريكا تفقد هيبتها وتسييد إمبراطوريتها، والعالم كله يخسر اقتصاديًا.
نقف اليوم على شفا معادلة عض الأصابع الجهنمية، ونسأل: من يتوجع أولًا؟ وهو سؤال تصوغه دول الخليج بطريقة أخرى: متى ينتهي اختطاف بلداننا من قبل المتصارعين الثلاثة؟ وأي خطر يحدق بنا لو انخرطنا بوضوح، وبكامل ما نملك من قدرة، في الهجوم على إيران؟
وإذا انسحبت أمريكا من القتال، وتبعتها إسرائيل، فهل يكون هذا في ركاب وقف لإطلاق النار، قد تستمر خلاله إيران في مواصلة ضرب بلدان خليجية، لا سيما بعدما أعلنت عملها على تصفية الوجود الأمريكي والإسرائيلي على الجانب الآخر من الخليج العربي؟ أم ننتهي إلى وقف الحرب، مع تسوية شاملة، تحفظ لدول الخليج أمنها واستقرارها؟
إن طرح هذه الأسئلة في حد ذاتها لا يخرج عما آل إليه وضع دول الخليج كرهينة، لن ينهيه وقف استهداف إيران لها فقط، لكن استقلال قرارها الوطني، واستعادتها السيادة على أراضيها، وبحثها، بشكل عقلاني، عن مقاربة مختلفة للعلاقة مع إيران، كقدر جغرافي وتاريخي وثقافي، بعيدًا عن مشروع إسرائيل، ومشروع الولايات المتحدة، أو نقاط التقاء واشتراك المشروعين، لا سيما وأن احتمال انفصالهما وارد بشدة في المستقبل القريب، مع تقدم قوى عالمية أخرى لتعبر عن وجود قد يكون مختلفًا في منطقة الخليج العربي.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.