جارح بحدود.. ماذا يقرأ الرئيس في تقرير لجنة تطوير الإعلام؟
انتقاد التوسع في الحجب والحبس.. وتحذير من توجه الجمهور إلى منابر الإخوان
"الإعلام المقيد لا يصنع رسالة ولا يدعم نهضة ولا يؤثر في مواطن ولا يُقنع بإنجاز. الإعلام القوي والحر هو حصن الوطن دفاعًا عن كيانه والتعبير عن رسالته بذكاء ومسؤولية."
- مقدمة تقرير لجنة تطوير الإعلام المعروض على مكتب رئيس الجمهورية.
حصلت المنصة على نص التقرير النهائي الذي رفعته لجنة تطوير الإعلام إلى رئيس الوزراء في 5 فبراير/شباط الماضي، ولم يُنشر محتواه حتى الآن. اللجنة التي شُكِّلت في 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بقرار رئيس الوزراء، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، وكُلِّفت بوضع خارطة طريق مُتكاملة لتطوير الإعلام المصري "بما يضمن مواكبة الإعلام الوطني للتغيرات العالمية المُتسارعة، ويُمكنه من أداء رسالته"، ضمّت في عضويتها 67 عضوًا برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
ضمت اللجنة كذلك رئيسي الهيئة الوطنية للإعلام والهيئة الوطنية للصحافة، ونقيبي الصحفيين والإعلاميين، ورؤساء تحرير وصحفيون وكتّاب، إلى جانب الخبراء والأكاديميين وممثلي القطاع الخاص، وصناع المحتوى والإعلام الرقمي، والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي اعتذر رئيسها طارق نور عن الاستمرار في اللجنة ليصبح عدد أعضائها النهائي 66 عضوًا.
عقب تشكيلها، عقدت اللجنة جلسات عمل متتابعة على مدار شهرين، ناقشت محاور تطوير الإعلام المصري، من خلال ثماني لجان فرعية، ثم تولت لجنة صياغة التوصيات النهائية برئاسة الكاتب الصحفي حمدي رزق، جمع مخرجات أعمال اللجان الفرعية، وصياغتها في تقرير نهائي لم يُنشر، سلَّمه عبد العزيز إلى رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وأكد وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان في 12 فبراير/شباط الماضي أن التقرير عُرض بالفعل على الرئيس، الذي لم يصدر بشأنه أي موقف حتى الآن.
إضافة إلى التقرير النهائي، رفعت اللجنة إلى رئيس الوزراء أيضًا مجموعة من المرفقات، من بينها مقترح بمشروع قانون لحرية تداول المعلومات، حصلت المنصة على نسخة منه ضمن الوثائق، واستوثقت عبر مصدرين من أعضاء اللجنة، هما الزميلان خالد البلشي نقيب الصحفيين ومنسق اللجنة التشريعية المنبثقة عن لجنة التطوير الرئيسية، وعصام كمال رئيس تحرير جريدة فيتو وعضو اللجنة ذاتها، أن النسخة هي ذاتها المشروع الذي صاغته نقابة الصحفيين، وكان ضمن مخرجات مؤتمرها السادس نهاية عام 2024.
إعلام أفضل لخدمة الدولة
في بدايته، يوضح التقرير أنه يهدف لأن "يضمنَ مواكبةَ الإعلام الوطني للتغيرات العالمية المتسارعة، ويُمكِّنه من أداء رسالته عبر خبرات إعلامية وطنية مهنية متخصصة قادرة على حمل هذه الرسالة، وخاصة في ما يتعلق بدور الإعلام في بناء الوعي الثقافي والاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية".
ومن هذا المنطلق، تلخصت الأهداف الرئيسية المعلنة للجنة في أربعة محاور مترابطة: دعم المشروع الوطني، والارتقاء بالوعي العام، واللحاق بمستويات الحداثة في الإعلام، وتعزيز التنافسية الإقليمية.
تكشف المقدمة أن الإطار الحاكم للتقرير ينطلق من "تحقيق الهدف الاستراتيجي العام للدولة المصرية"
وتطرح اللجنة مشروعها باعتباره السبيل لجعل الإعلام "مُعبِّرًا عن هموم المواطنين وتطلعاتهم، إذ أن البديل عن ذلك يتمثل في إعلام متعثر وفاقد للمصداقية"، متحدثًا عن "معالجة الفجوات التي أدت في فترات سابقة إلى تشويه أو تزييف أو تغييب هذا الوعي".
لكنَّ التقرير لا يقدم تعريفًا لـ"الوعي" ولا يحدد آليات لقياسه أو مساءلته، ولا يربطه بشكل مباشر بحق الجمهور في المعرفة وتعدد مصادرها. كما يُقدَّم "بناء الوعي" كهدف موجَّه مرتبط مباشرة بفكرة "المشروع الوطني"، ضمن إطار أوسع يُفترض أن يعيد تشكيل إدراك الجمهور وفق محددات غير مُعرّفة بدقة.
كما يطرح "الحداثة" بوصفها انتقالًا من مجرد تبني الأدوات الرقمية، إلى إعادة صياغة العلاقة مع الجمهور على أساس "احترام العقل" و"تقديم محتوى حديث يثري وعيه، ويعزز مناعته الفكرية في مواجهة حملات التضليل"، وهو طرح قابل للتوظيف في اتجاهات متنوعة.
ويُعرب التقرير عن أمله في أن يؤدي تبنّي معظم هذه التوصيات إلى وضع سياسات مغايرة للوضع القائم في سوق الإعلام، "بما يتوافق مع ما تطمح إليه القيادة السياسية والنخبة الإعلامية والثقافية خلال أقرب مدى زمني ممكن".
تكشف المقدمة، في مجملها، أن الإطار الحاكم للتقرير ينطلق أساسًا من "تحقيق الهدف الاستراتيجي العام للدولة المصرية" في امتلاك منظومة إعلامية قادرة على الابتكار والتأثير والتنافسية، داخليًا وخارجيًا، بما يجعل تطوير الإعلام جزءًا من رؤية الدولة لإعادة تنظيم المجال الإعلامي وتعزيز حضوره الإقليمي.
وبناءً على هذا الهدف المكتوب، يقدّم التقرير تشخيصًا لأزمة الإعلام المصري عبر خمس أزمات رئيسية، يليه اقتراح سياسات وإجراءات ومشروعات محددة زمنيًا وتمويليًا.
ويقدّم التقرير النهائي مخلصًا تنفيذيًا وورقة سياسات تتضمن عرضًا تفصيليًا للتوصيات وآليات تنفيذها، وفق إطار زمني للتنفيذ يتدرج على ثلاث مراحل: قصيرة المدى خلال ستة أشهر، ومتوسطة خلال 18 شهرًا، وطويلة المدى ثلاث سنوات فأكثر، بما يتيح الانتقال من المعالجات العاجلة إلى الإصلاحات الهيكلية طويلة الأمد.
لا ثقة ولا حريات
في مستهل ملخصه التنفيذي، يستعرض التقرير أزمة عدم الثقة العامة بوصفها حالة من انقطاع الثقة المتبادلة بين السلطة التنفيذية ووسائل الإعلام والجمهور، حيث يعتقد كل طرف أن الآخر غير قادر على تمثيل احتياجاته أو التعبير عنها، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل المهنية والمؤسسية، من بينها ضعف المحتوى الإعلامي وتراجع القيم المهنية وغياب التفكير النقدي، لمصلحة نمط احتفالي وتعبوي يفتقر لكوادر وقيادات مهنية موثوقة.
وسجّل التقرير وجود سياسات للسيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد، بوصفها من العوامل المؤثرة في أزمة عدم الثقة العامة في الإعلام.
ولم يقرأ التقرير هذه المظاهر، مثل غلبة النمط الاحتفالي والتعبوي وضعف الكوادر المهنية، في سياقٍ أوسع يرتبط بهيمنة الدولة على المجال الإعلامي، وفق ما تشير إليه تقارير ودراسات محلية ودولية خلال العقد الأخير، التي تربط بنية السيطرة على الإعلام بتراجع المهنية والتعددية داخله.
ومن انعدام الثقة، ينتقل التقرير إلى تقييد الحريات، باعتبارها أحد أبرز الاختلالات المرتبطة مباشرة ببيئة العمل الإعلامي. ويقدّم تشخيصًا مباشرًا وواضحًا للأزمة يتضمن غياب المعايير التحريرية المستقرة، وضعف تفعيل القوانين المنظمة، واستخدام العقوبات السالبة للحرية، إلى جانب غياب قانون ملزم لحرية تداول المعلومات، ومحدودية الاستقلالية المؤسسية للمؤسسات الإعلامية.
ويُعد هذا الطرح من النقاط اللافتة في التقرير، كونه يعكس رؤية ومطالب رئيسية تطرحها الجماعة الصحفية بشكل عام، وسبق أن وثّقتها نقابة الصحفيين في أكثر من مناسبة، لم يكن آخرها مخرجات المؤتمر السادس.
في الجزء الثاني في تشخيص هذه الأزمة، يشير التقرير إلى أن هذا التقييد تسبب في فشل وسائل الإعلام في نقل "سردية الإنجاز التنموي" للدولة إلى الجمهور، بما يشير إلى تصور اللجنة لدور الإعلام كونه وسيطًا لنقل خطاب الدولة، بدلًا من مجالًا للنقد والمساءلة وتعدد السرديات. ويرى التقرير أنه نتج عن ذلك صعود منصات إعلامية "معادية أو مضللة أو ممولة من قوى خارجية تتبنى سرديات التطرف الديني".
وتأتي ثلاث إشكاليات أخرى هي أزمة النموذج الاقتصادي الخاسر، وبطء وتشتت المواكبة التكنولوجية، إضافة إلى تراجع رأس المال المؤسسي والبشري بسبب "معاناة الإعلاميين والصحفيين أنفسهم من ضعف الحافز للإبداع بسبب تقييد الحريات والضغوط الاقتصادية التي جعلت أجور الإعلاميين والصحفيين متدنية إثر موجات التضخم في الأعوام الأخيرة".
ركزت خارطة الطريق الطموحة لإصلاح المشهد الإعلامي على ضرورة إجراء تعديلات تشريعية جوهرية
وقدمت اللجنة مقترحات تطوير السياسات الإعلامية انطلاقًا من فلسفة "إيجاد فضاء عام تعددي حر وغير مقيد ومبدع ونقدي تتشارك فيه مختلف الرؤى والاتجاهات والشرائح العمرية والاجتماعية"، وحددت أهدافها مستندة إلى المبادئ الدستورية وفي مقدمتها حرية التعبير والنشر والإصدار والحق في تداول المعلومات، واستقلالية الصحف، فضلًا عن إعمال مبدأ المساءلة المهنية من خلال الأطر النقابية ومواثيق الشرف، إضافة إلى رفع الكفاءة المهنية وتحقيق الاستدامة الاقتصادية والتحول الرقمي الشامل.
للتعامل مع هذا التشخيص؛ اقترحت اللجنة مجموعة إجراءات تشمل إلزام المؤسسات الإعلامية بإعداد مدونات وأدلة تنظيمية تضبط السياسات التحريرية وآليات المساءلة والتعامل مع المنصات الرقمية وحقوق الملكية الفكرية، وإطلاق ميثاق شرف إعلامي وصحفي بالتعاون مع النقابات المهنية لترسيخ المعايير المنظمة للمهنة، إلى جانب توسيع حماية الصحفيين والإعلاميين عبر اعتماد كارنيهات وتصاريح النقابات لتيسير التغطية الميدانية، وتخفيف القيود على العمل الصحفي من خلال رفع بعض الأعباء التنظيمية ورفع الحجب عن المواقع التي توفّق أوضاعها.
كما تضمنت تخفيف القيود على العمل الصحفي من خلال إعفاء بعض الصحف والمواقع من رسوم الترخيص وتقنين الأوضاع ورفع الحجب عن المواقع الملتزمة، مع إحالة قرارات الحجب إلى القضاء، فضلًا عن مواجهة الممارسات الاحتكارية عبر إنشاء آليات لحماية المنافسة ومنع الاحتكار الإعلامي.
ثورة تشريعية طموحة
ركزت خارطة الطريق الطموحة لإصلاح المشهد الإعلامي المصري على ضرورة إجراء تعديلات تشريعية جوهرية على مدى زمني أبعد، منها تعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام (رقم 180 لسنة 2018) "بما يضمن التوازن الدقيق بين حماية الأمن القومي والنظام العام وصون الحريات الصحفية وحق المجتمع في المعرفة، مع استحداث باب كامل لتنظيم الذكاء الاصطناعي في الإعلام".
ويستهدف التعديل زيادة تمثيل الهيئات المنتخبة من نقابتي الصحفيين والإعلاميين، ونقل سلطة حجب المواقع إلى القضاء، وإلغاء المادة 19 التي تعتبر حسابات السوشيال ميديا التي يتجاوز عدد متابعيها خمسة آلاف شخص بمثابة وسائل إعلامية تخضع للقانون، مع إزالة المصطلحات الغامضة كتهديد الأمن القومي وانتهاك الأخلاق العامة التي تُستخدم لتقييد حرية التعبير، واستبدال مصطلحات أكثر دقة بها.
كما أوصت الوثيقة بإجراء تعديلات على قانون الهيئة الوطنية للصحافة لتعزيز الفصل بين الإدارة والتحرير وتوسيع التمثيل، ودراسة تحويل الهيئة الوطنية للإعلام إلى مؤسسة خدمة عامة مستقلة بتمويل مستقر ورقابة شفافة.
كما أوصت اللجنة بسرعة إصدار قانوني حرية تداول المعلومات، وإلغاء الحبس في قضايا النشر، وقدَّمت ضمن مرفقات تقريرها مشروعَي النقابة.
وينطلق مشروع النقابة لقانون حرية تداول المعلومات، من أن المعلومات الموجودة لدى الجهات الخاضعة له ملكٌ للشعب، ويُلزم الجهات العامة بالكشف عن المعلومات عند طلبها، والجهات الخاصة بالإفصاح في الحالات المرتبطة بحقوق الأفراد أو حمايتهم من الضرر.
يتيح المقترح حق التظلم أمام الجهاز المختص مع إتاحة اللجوء للقضاء، ويعتبر عدم الرد على طلبات التظلم قبولًا لها
كما يضع المشروع هيكلًا تشريعيًا يشمل التعريفات، ونطاق التطبيق، وآليات الإتاحة، وإجراءات الطلب، وتصنيف المعلومات، والجهة المنظمة، والعقوبات، في إطار واحد متكامل ينظم تداول المعلومات. وينشئ جهازًا "رقابيًا مستقلًا" باسم "جهاز حماية تداول المعلومات"، يتولى متابعة تنفيذ القانون، والفصل في التظلمات، وإصدار القرارات اللازمة، وإعداد تقارير دورية عن مدى التزام الجهات المختلفة.
ويفرض المقترح على كل جهة عامة إنشاء موقع إلكتروني مفتوح للجمهور، وتحديثه بشكل دوري، ويحظر فرض رسوم على الاطلاع على محتواه.
ويقسّم الإفصاح إلى ثلاثة أنماط رئيسية: الإفصاح المستمر؛ وهو قائمة مفصلة من المعلومات التي يجب نشرها بشكل مستمر، تشمل الهياكل التنظيمية، والقرارات والسياسات، والبيانات المالية، والإجراءات، والخدمات، والتعاقدات، ومؤشرات الأداء، وغيرها. والإفصاح الفوري، في الحالات التي يكون فيها للمعلومات تأثير مباشر على الجمهور، فيُلزم بنشرها خلال 24 ساعة من صدور القرار أو وقوع الحدث. والإفصاح بناءً على الطلب.
ويُلزم المشروع الجهات المخاطبة بها بتعيين "مسؤول معلومات" يتولى تنفيذ التزامات الإفصاح، والإشراف على نشر البيانات، والتواصل مع طالبي المعلومات، وإعداد تقارير دورية عن أداء الجهة في هذا المجال.
أما إجراءات طلب المعلومات، فيُلزم المقترح الجهات الخاضعة له بوضع آلية واضحة ومعلنة لتلقيها، وإنشاء مكاتب مخصصة لاستقبال الجمهور لهذا الغرض، وتوفير وسائل إلكترونية للتواصل، إلى جانب إتاحة نموذج مجاني لطلب المعلومات يمكن تقديمه ورقيًا أو رقميًا.
كما يُلزم المشروع الجهات بتوفير مكان مناسب للاطلاع على المعلومات دون مقابل، مع تحديد رسوم للحصول على نسخ ورقية أو رقمية وفق ضوابط يضعها الجهاز المختص، مع إعفاء ذوي الإعاقة من هذه الرسوم وتوفير وسائل مناسبة لهم. ويعفى الصحفيون والإعلاميون من الالتزام بالنموذج المحدد، ويُكتفى بتقديم الطلب بأي وسيلة، بما في ذلك شفهيًا.
ويحدد المشروع إطارًا زمنيًا للتعامل مع الطلبات، بالبت فيها خلال سبعة أيام عمل من تاريخ تقديم الطلب، يمكن مدّها إلى 15 يومًا في الأحوال العادية، و15 يومًا يمكن مدّها إلى 30 في الحالات التي تتطلب بحثًا موسعًا أو تتعلق بكم كبير من الوثائق.
ويتيح المقترح النقابي حق التظلم أمام الجهاز المختص مع إتاحة اللجوء للقضاء، ويعتبر عدم الرد على طلبات التظلم قبولًا لها.
إلى ذلك، يجوز للجهات الخاضعة للقانون رفض الإفصاح في حالات حددها المقترح، وتشمل المعلومات المرتبطة بالأمن القومي والعلاقات الدبلوماسية، والأسرار المهنية والتجارية والصناعية، والمفاوضات التعاقدية قبل إتمامها، والتحقيقات التي يصدر بشأنها قرار بحظر النشر على أن تُصدر جهة الحظر بيانات بشأنها، إضافة إلى المعلومات ذات الطابع الشخصي أو المحمية بقوانين أخرى، وكذلك المعلومات التي قد يؤدي الكشف عنها إلى عرقلة التحقيق في جريمة أو الإخلال بالتزامات قانونية أو الإضرار بمصالح طرف ثالث.
ومع تأكيده على أن الأصل هو إتاحة المعلومات للكافة، بعكس مشروعات أخرى قُدِّمت من بينها مشروع قدمه المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عام 2017؛ يُبقي مقترح النقابة على صياغات تقديرية واسعة لسلطة الاستثناء؛ في إشارته إلى "الأمن القومي" كسبب يحول دون تداول المعلومة، دون إجبار الجهة التي تدّعي أن الكشف ضار بالأمن القومي، على إثبات ذلك.
الرقمنة ليست تحوّلًا رقميًا
كان التحول الرقمي للمؤسسات الإعلامية واحدًا من القضايا التي اهتمت اللجنة بالتطرق إليها، انطلاقًا من أن هناك نمطًا من المؤسسات لم تنجز هذا التحوّل، ضاربًا المثل بالتليفزيون الرسمي/ماسبيرو وبعض الصحف القومية، ونمطًا ثانيًا يتمثّل في المؤسسات التي امتلكت مشروعًا للتحول، لكنها لم تنجز إلا "رقمنة" وليس تحولًا رقميًا حقيقيًا يغير من بيئة العمل نفسها وطرق الوصول للجمهور، مرجعًا ذلك إلى ضعف البنية التحتية، كما حدث في بعض المنصات الرقمية للصحف القومية.
أما النمط الثالث الذي رصده التقرير فهي مؤسسات الإعلام الخاص التي نجحت بالفعل في التحول رقميًا عبر تجديد نفسها وتطوير أدواتها بناءً على المبادرات والإمكانات المتاحة لها، لكنها تواجه تحديًا جديدًا يتمثل في محاولة اللحاق بـ "ثورة التغيير الأخيرة" الخاصة بدمج أدوات "الذكاء الاصطناعي" في دورة العمل.
وقدم التقرير للتعامل مع هذه المشكلة عدة توصيات، منها ما هو قصير المدى مثل إطلاق برامج لتدريب الصحفيين والإعلاميين على الاستخدام الرشيد لأدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى ومكافحة الأخبار الزائفة، عن طريق عقود مع جهات مستقلة متخصصة في التدريب وشراكات مع شركات تقنية توفر برامج مدعومة. وكذلك تحديث قوانين الإعلام لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي وإطلاق دليل معياري لاستخدامه داخل المؤسسات.
غير أن التقرير لم يُشر إلى تدنّي رواتب الصحفيين، باعتباره واحدًا من أهم الأسباب التي تعوق سعيهم إلى تطوير مهاراتهم المهنية والتقنية، ولم يقترح تقديم حلول عاجلة لتجاوز هذه الأزمة.
ومن التوصيات أيضًا التعاقد مع شركات الاتصالات لتنظيم بث القنوات التليفزيونية في التجمعات السكنية المغلقة (الكمباوندات) للحفاظ على حقوقها، لافتًا إلى هذه التجمعات السكنية تقدم خدمات البث التليفزيوني لسكانها برسوم باهظة.
واقترح التقرير أن ينشئ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتنسيق مع المؤسسات الإعلامية وحدة تجمع صحفيين متمرسين وخبراء لتدقيق المعلومات لحماية الجمهور من الأخبار الزائفة.
تعترف اللجنة بوجود تحديات هيكلية وتشغيلية عديدة تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفية
أما المقترحات متوسطة المدى، فجاء على رأسها تحويل الإعلام إلى سوق منظمة تدار بالبيانات لا بالاجتهادات مع زيادة العوائد ورفع قدرتها التنافسية وإيجاد بيئة عادلة للمنافسة وكسر الاحتكارات الرقمية. ولتحقيق ذلك، اقترح التقرير تأسيس مؤشر مستقل يضم شخصيات وخبرات لقياس نسب المشاهدة وبحوث الرأي العام لضبط السوق الإعلامية بناءً على حقائق وليست مصادفات أو تقديرات شخصية، كلفت اللجنة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لتأسيس هذا المؤشر.
وأوصى التقرير أيضًا بدمج وحدات الأخبار في ماسبيرو في غرفة أخبار مركزية تعتمد بنية رقمية حديثة تنتج الأخبار التليفزيونية والرقمية من منصة واحدة.
وفي المرحلة الزمنية الثالثة ذات المدى الزمني الطويل المحدد لها 36 شهرًا فيما أكثر؛ ترجو اللجنة أن تكتمل البنية التحتية الرقمية الوطنية للإعلام، ويتحول الإعلام المصري إلى منصة إنتاج وتوزيع رقمية متكاملة، مع تحويل الأرشيف إلى ثورة تسهم في تصدير المعرفة، ولأجل ذلك اقترحت اللجنة تأسيس بنية سحابية/Cloud للإعلام المصري لتكون مركز بيانات موحد للتخزين والأرشفة والتحرير.
واقترحت اللجنة بلورة منظومة موحدة لرقمنة المكتبات التليفزيونية والإذاعية وحماية المحتوى وإتاحته تجاريًا لتعظيم العوائد (DRM) التي تستخدم للتحكم في استخدام وتوزيع المحتوى المحمي بحقوق الملكية الفكرية. وكذلك تحويل البث التليفزيوني لقنوات ماسبيرو إلى بروتوكولات (IPTV) الحديثة لتتكامل مع البيئات الرقمية، ورقمنة الأرشيف الورقي للصحف القومية باستخدام تقنيات التعرف الضوئي على الحروف (OCR)، وإنشاء منصة وطنية موحدة (CMS) لإدارة وإنتاج المحتوى لربط المؤسسات الإعلامية ببنية تقنية واحدة تسرع النشر وتخفض التكلفة.
أزمات مؤسسية
تعترف لجنة تطوير الإعلام في تقريرها بوجود تحديات هيكلية وتشغيلية عديدة تواجه المؤسسات الإعلامية والصحفية، من بينها ماسبيرو والصحف القومية، التي تعاني بالإضافة إلى ضعف المحتوى وتشابه المضمون تراجع معدلات التوزيع بسبب انخفاض منافذ البيع والأكشاك، وتراكم الأعباء المالية مع وصول مديونية هذه المؤسسات لنحو 9 مليارات جنيه، أغلبها لمصلحة الضرائب والتأمينات منذ عام 1961، وفق التقرير.
ولإصلاح هذا الوضع اقترح التقرير مجموعة أفكار من بينها إنشاء صندوق وطني للتحول الرقمي يكون مستقلًا لتمويل تحديث ماسبيرو والصحافة. وأن يعمل الصندوق على تمويل البنية السحابية الوطنية وتحديث غرف الأخبار والرقمنة الشاملة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتطوير الأرشيف وتحديث الاستديوهات وتدريب الكوادر الإعلامية.
ودعت اللجنة إلى البدء في تنفيذ مشروع التحول الرقمي الشامل لإعلام ماسبيرو كونه "استثمارًا للماضي وتراثه"، عن طريق تحويل الموارد والكوادر لتصبح قادرة على إنتاج محتوى إذاعي وتليفزيوني ورقمي دون تكلفة إضافية، بما يضمن استمرارية الخدمة العامة وتطويرها في العصر الرقمي.
وفي هذا المحور أيضًا اقترحت اللجنة إنشاء نيوزروم موحدة لقطاع الأخبار في ماسبيرو على أن تعتمد بنية رقمية حديثة تنتج الأخبار التليفزيونية والرقمية من منصة واحدة مما يخفض التكلفة ويرفع جودة المحتوى ويوحد الرسائل الإعلامية. وأيضًا تطوير القنوات والإذاعات الإقليمية وتحويلها إلى "منصات رقمية محلية" تعبر عن كل محافظة وتدار من مركز رقمي موحد في ماسبيرو، مع إطلاق منصات "بودكاست" رسمية للإذاعات المصرية وتوفير بيئة تدريب وتشغيل للشباب المحليين.
واقترحت اللجنة كذلك استثمار الأصول الثابتة من خلال استغلال أصول المؤسسات الصحفية القومية من الأراضي والعقارات لإنشاء مشروعات استثمارية مثل المدارس والجامعات والأندية في مؤسسات مثل الأهرام والأخبار لتحقيق التوازن المالي وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي، ودراسة مشروع لتحويل الصحف القومية إلى "شركات إعلامية" شاملة تمتلك غرف أخبار متكاملة وستوديوهات إنتاج وتعمل بعقلية تسويقية.
لكنَّ تركيز التقرير بشكل أساسي على تطوير المؤسسات القومية، جاء على حساب ما تواجهه المؤسسات المستقلة، والصغيرة منها بالذات، من صعوبات إجرائية وقانونية ومهنية وأمنية، في ظل المناخ الإعلامي الحالي الذي رأته اللجنة ولمست آثاره ورصدتها.



