شحاذ محفوظ.. التيه طريقٌ وحيدٌ للنجاة
هناك أرشيف واسع للشخصيات القلقة بتحولاتها العاصفة تحضر في كتابات نجيب محفوظ؛ عيسى الدباغ في السمان والخريف، صابر سيد الرحيمي في الطريق، سعيد مهران في اللص والكلاب، وعمر الحمزاوي بطل الشحاذ؛ المحامي الناجح الذي حمل روح شاعر ثائر في شبابه لتأتي لحظة مفصلية ويصاب بضجر وجودي لا راد له، فيزهد في كل شيء: البيت، الزوجة، الأبناء، والجنس، ومكتب المحاماة، فيبدأ رحلة هجران وتيه وتخلٍ عن كل ما بناه في حياة فقدت معناها ولا تحمل وعودًا جديدة في المستقبل.
يتناول عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي ميشيل مافيزولي مفهوم التيه في كتابه الحّل والتّرحال- أشكال التيه المعاصرة، ويعتبره وسيلة نجاة من المأزق الذي وضعنا فيه عقل الحداثة الصارم، الذي صبغ الناس بصبغته، وثبتهم في مكانهم المادي والفكري داخل حدود العقلانية الصارمة والشك، فازدادوا تناقضًا وعنفًا، ولجأوا إلى التيه المادي والمجازي بحثًا عن مسار ومعنى جديدين للحياة. هذا التيه الاضطراري كان أحد أسباب اليأس الذي أنتجه عقل الحداثة وأدى إلى الخراب الذي تسببت فيه الحربين العالميتين.
بجانب كونها سؤالًا وجوديًا فرديًا، يمكن تفسير هجرات عمر الحمزاوي الجذرية بالفراغ الروحي، وسياقات اليأس بعد الحربين العالميتين، حيث تدور أحداث الرواية قبل وبعد ثورة 1952، ما يدفع رجلًا في منتصف العقد الخامس للتخلي عن أبنائه، وزوجته التي هجرت دينها وعائلتها، وتركت اسمها كاميليا فؤاد، وتسمت زينب من أجل الزواج به، وعن مكتب المحاماة الناجح لصديقه الخارج من السجن، و لا يعبأ بالعمارات الثلاث التي ورثها عن أهله، ولا العربة الكاديلاك، ليبدأ رحلة الضياع والبعد عن كل ما يملك.
الضجر مرضٌ برجوازيٌّ
عمر الحمزاوي أحد أبناء ثورة 19 مثله مثل نجيب محفوظ، بالتالي عايش الفراغ الروحي للعالم وإدانة عقل الحداثة، الذي اعتُبر مشاركًا بتقدمه وبأسلحته الفتاكة في كل هذا الخراب، ليمثل التيه الاضطراري، كما يذكر مافيزولي، خروجًا عن أي خط أو مسار سابق، سواء كان ماديًا أو مجازيًا، وترحالًا سيغير من التنبؤ بالمستقبل "لأنه انتقال لنقطة جديدة غير متوقعة. فالتيه لا خريطة له، ولا يمكن التنبؤ بالقوة الروحية الكامنة في فقد المكان المادي والمجازي".
ربما هي النظرة الجديدة لرحلة في "شحاذ" نجيب محفوظ، إذ يعيد التيه تشكيل الذات المتعالية والأنانية لهذا المحامي الناجح لذات جديدة أكثر تواضعًا، يقول له الطبيب وزميل الدراسة عندما يذهب إليه شاكيًا من أعراض هذا الضجر الوجودي إنه لا يشكو من شيء في جسده، وإن ما يعانيه هو مرض برجوازي. فنموذج الحداثة صنع "أنا أعلى" غير حقيقية، تنتج العنف، سواء للخارج أو للداخل. هذا ما يشعر به الحمزاوي أن وجوده كاذب ومتوهم.
في كل لحظة هناك عالم مواز خافت يتحرك بنبض خفيض وفي العتمة في مواجهة عالم الحداثة الصارم والمحكم
يمكن قراءة شحاذ محفوظ بوصفه أحد نماذج التيه المعاصر والقديم، التي عددها مافيزولي، ومن بينها نموذج "النبي"، الذي اعتبره أحد الرحالة أو التائهين القدامي في التاريخ وأيضًا أحد المتجذرين في أماكنهم، إلى جانب نماذج "البوهيمي" و"المسافر"، و"متسكع" فالتر بينامين وغريب كامو، وعابر السبيل، و"بربري" الشاعر كفافيس، و"الأجنبي"، بجانب سورياليي الستينيات.
في كل لحظة هناك عالم مواز خافت يتحرك بنبض خفيض وفي العتمة بمواجهة عالم الحداثة الصارم والمحكم والمُسيطر عليه. عالم مواز به سريانات روحية، وإزاحات مكانية، وهلوسات، وهذيانات، وإشراقات صوفية، وزهد، ورغبة في التأمل والخروج عن مسار العقل، وتسكع بلا هدف.
مراحل التيه
أعود لشحاذ محفوظ، وأتوقف عند السن المبكرة نسبيًا التي بدأ فيها البطل رحلة ترحاله في الخامسة والأربعين رغم أن عمره يحمل جوعًا لسنين مضافة من الغرور وحب الأنا. لكن يبدو أن المستقبل أُغلق تمامًا أمام هذه الذات فعجلت باستدعاء التحول الجذري لتنقذ نفسها، وتواجه مصيرها المحتوم، فالتخمة التي جمعها كانت فوق احتمال ذاته العليا، فاختصرت عليه سنوات من الزيف وأوصلته مبكرًا لنقطة اللاعودة التي تبدأ منها الذات العليا رحلة التخلي والعودة إلى الصفر.
مرت رحلة تيه الحمزاوي بمراحل عدة؛ في البداية يغير المكان ويذهب وعائلته للمصيف في الإسكندرية، لكنه لا ينجو من الضجر، فيقرر هجر رتابة البيت. يذهب إلى الجنس والحب عبر المغنية الإنجليزية مارجريت في الملهى الذي يرتاده، ثم وردة الراقصة المثقفة خريجة معهد التمثيل، التي هجرت أهلها لامتهان الرقص؛ ليستهلك هذه الطاقة المتولدة من التحول والسأم.
من ثمَّ يصارح زوجته، بعد أن حدست بعلاقاته، وتغير سلوكه تجاهها، فيطلب منها أن تتعامل مع قلقه باعتباره مرضًا. لكنها في اللحظة نفسها تخبره بأنها حامل، ليغرق، طوال فترة حمل زوجته، في علاقته مع وردة. يؤسس لها عش غرام جديد ينتقل إليه بعد مغادرته بيت الزوجية.
لكن أعراض الضجر وإحساس اللاجدوى واليأس لا تلبث تطارده من جديد، وتسيَّر رغبته في اتجاه أكثر حدةٍ من أن نكون أمام شهريار جديد يجد في الجنس أو الحب العلاجَ بدل الجنون والتيه النهائي في نهاية المطاف.
يعود الحمزاوي إلى البيت مؤقتًا عقب ولادة ابنه سمير، بعد معايشة تجربة إشراقية في الصحراء منحته بعض الثقة في جدوى التيه؛ عندما شعر بالظلام من حوله يكشف عن شفافية، وثقة لا عهد له بها "وترامت الدنيا تحت قدميه حفنة من تراب"، ليغادر البيت غير ملتفت لعتاب ابنته الكبرى وصديقته بثينة، ويكمل الخطوة الأخيرة من ترحاله وتيهه المكاني والرمزي، ويذهب لكوخ يعيش به منزويًا كمجذوب بين الحقيقة والوهم، ليردد بنهاية الرواية بيت الشعر الفارسي الذي يحتفظ به "إن تكن تريدني حقًا فلم هجرتني؟".
سؤال معلق بدون إجابة، مثله مثل عتاب المسيح وهو على الصليب "إلهي إلهي لما تركتني". يخرج هذا العتاب من جوف العابد سواء للحياة أو للإله، لتصل العلاقة للمعدن الأنقى بين الخالق والمخلوق، فهو ما زال يشعر بدونيته أمام الدنيا، وأمام الإله؛ حبه القديم والأصلي، حيث لم يكسر ترحاله علاقته برابطة الماضي.
كاميليا/زينب تيه موازٍ
خلال رحلته يعيش عمر الحمزاوي في وسط ممتلئ بالهجر والفقد؛ هجر وردة الراقصة لبيت أهلها بعد وفاة أبيها لتحترف الرقص، وهجر زميل الخلية السرية عثمان خليل للحياة ودخوله السجن بإرادته لمدة عشرين عامًا من أجل مبادئه، لكن التأثير الأعنف كان لهجر زوجته زينب دينها ومواجهة أهلها. هذه التجربة الوجودية التي حافظت بها على الحب الذي دفعها للتيه وتحملت من أجله التضحيات كما سيفعل هو تمامًا بعد ذلك.
ربما مثلت رحلة كاميليا/زينب منارةً غير ظاهرة لرحلة زوجها قبل أن يبدأها، ووجودها إلى جانبه له الأثر في إشعال حس المغامرة كونها صاحبة تجربة وجودية لم يمنحها المؤلف حقها من التفسير، فالقوة والصبر التي تستقبل بهما زينب تحولات زوجها وخياناته، وهجره للبيت أكثر من مرة تشير لرحلة هجر قديمة قامت بها. نعم هي تتعذب وتشعر بالضياع، لكنه ضياع محتمل تعودت عليه. هنا يمكن أن يكون للرواية جانب إنساني يتجاوز السؤال الجندري، لتأتي ولادة ابنها سمير ليعوض غياب الأب التائه، فالابن هنا هو الأهم، وتضحيتها بالأب توكيد لاستمرار الحياة ورحلة الترحال والتيه.
إن أشارت الرواية لرحلة الرجل، الذي يقف عوليس التائه القديم مرجعًا لها، لكن داخل رحلة الرجل/عوليس هناك رحلة المرأة التي لم تُكتب بعد، ولم يتم التركيز عليها.

