تصميم: أحمد بلال- المنصة
القاهرة مدينة قاسية أحيانًا

من فيصل إلى زايد والمعادي.. رحلة بحث امرأة سنجل عن شقة للإيجار

منشور الأربعاء 10 حزيران/يونيو 2026

رحلة شاقة عبر أنحاء القاهرة خاضتها منى زيد، 27 عامًا، بغرض العثور على شقة تقيم بها بمفردها أو رفقة زميلات سكن. اكتشفت الصيدلانية القادمة من محافظة الشرقية أن المشكلة التي ستواجهها في انتقالها للعاصمة لن تتعلق فقط بارتفاع سعر الإيجار، بل بمدى تقبل الأحياء السكنية لنساء يعشن بمفردهن.

لظروف العمل أو الدراسة أو الانفصال أو حتى الاستقلال في حد ذاته، تعاني الكثيرات في سبيل سكن آمن مستقل، حيث لا يزال غير مرحب بالمرأة المستقلة في أغلب أحياء القاهرة، التي يمكن تقسيمها بسهولة بين معادية وصديقة للنساء العازبات. يرتبط هذا التقسيم بعوامل عدة، منها أسعار الإيجارات التي تعكس المستوى الاقتصادي للسكان، والتركيبة الاجتماعية والثقافية السائدة في كل منطقة.

تشير دراسة لمرصد العمران صدرت في 2022 بعنوان "المرأة والسكن" إلى أن العازبات يواجهن ممارسات تمييزية تبدأ من رفض الملاك التأجير لغير المتزوجات أو المطلقات، وتمتد إلى فرض شروط إضافية لا تُطلب عادة من المستأجرين الرجال، بما يُحول السكن من حق أساسي إلى مساحة خاضعة للأحكام الاجتماعية والوصاية الأخلاقية.

الأغلى أكثر أمانًا

تصميم: يوسف أيمن- المنصة

رافقتْ المنصة منى زيد في جولتها للبحث عن سكن آمن، لمحاولة رسم خريطة للأحياء التي تفتح أبوابها للنساء وتلك التي تطردهن؛ لاحظنا أن المناطق منخفضة التكلفة هي التي ترفض في الأغلب تأجير شقة لامرأة أو حتى مجموعة نساء بمفردهن.

لا يمثل السكن المستقل للنساء رفاهية أو خيارًا شخصيًا فحسب، رغم أنه لا عيب في ذلك، فهو وفق دراسات حول العمران والنوع الاجتماعي ضرورة ترتبط بممارسة الحق في العمل والتعليم والتنقل والاستقلال الاقتصادي. فكلما ازدادت العراقيل أمام حصولهن على سكن آمن ومستقر، تقلصت قدرتهن على الوصول إلى فرص العمل والدراسة، خصوصًا بالنسبة للمغتربات والمعيلات والمطلقات والأرامل. بالنسبة لمنى، يأتي انتقالها للقاهرة للعمل في إحدى الصيدليات الحكومية.

في مدينة الشروق، 47 كيلومتر شرق القاهرة، يرتبط قبول الأحياء سكن النساء بمفردهن بطبيعة المنطقة، حسب وصف محمد شادي سمسار العقارات بالمدينة.

"كل ما يقل سعر الإيجار بيقل قبول الناس في المكان لإن بنت تيجي تأجر شقة لوحدها"؛ يقول لـ المنصة، ضاربًا المثل بحي الريحان، الذي تترواح الإيجارات فيه بين 4 آلاف و5500 جنيه، وكذلك حي منطقة النوادي الذي تتراوح إيجاراته بين 8 إلى 10 آلاف جنيه، "مينفعش واحدة تعيش لوحدها في منطقة زي دي ما تعتبرش أمان، مش هتسلم من مضايقات ومعاكسات"، مؤكدًا أن ذلك حدث لمن جربن من قبل. 

على العكس من ذلك ثمة مناطق يمكن تصنيفها بأنها راقية "زي سكن مصر تبدأ الإيجارات فيها من 8 وتوصل لـ12 ألف جنيه، ودار مصر اللي أسعارها من 12 إلى 15 ألف في الأدوار المتكررة، والأرضي بيبدأ من 8 آلاف جنيه". مع هذه الأسعار يمكن أن تتمتع النساء بالقبول المجتمعي.

فيصل.. مملكة المساكن الشعبية

في بداية إقامتها في العاصمة، وقع اختيار منى على حي فيصل الشاسع في الجيزة، غرب القاهرة، الذي يجمع مختلف الطبقات الاجتماعية؛ "كنت سعيدة ومبهورة بالانفتاح الثقافي والحرية". قررت وقتها مشاركة عدد من الفتيات لتقاسم تكاليف المعيشة، فاستأجرن شقة في منطقة كعابيش مقابل أربعة آلاف جنيه شهريًا.

تتفاوت إيجارات الشقق في فيصل حسب المنطقة. الشوارع الرئيسية أغلى من التفريعات العشوائية؛ في الشوارع الرئيسية تتراوح بين 10 إلى 15 ألف جنيه شهريًا، بينما في الشوارع الجانبية الضيقة ومناطق مثل كفر طهرمس بين 5 إلى 7 آلاف جنيه شهريًا.

زحام وفوضى في شارع فيصل

لكن السكن منخفض التكلفة جاء مصحوبًا بثمن آخر. سرعان ما شَعرت بالأذى من نظرات الجيران وتعليقاتهم أثناء مغادرة المنزل يوميًا والعودة إليه. "كنت باخد الهدوم معايا في الشنطة وألبسها في المكان اللي رايحاه لأني ماكنتش بخلص من الغمز واللمز لو نازلة بكعب أو لابسة سواريه". 

لم تدم فترة السكن سوى ستة أشهر، بعدها أنهت صاحبة الشقة عقد الإيجار لأن "الجيران مش مرتاحين لوجودكم".

يقول سمسار العقارات في نطاق ميدان الرماية المتاخم لمناطق فيصل وأهرامات الجيزة يوسف علي أن هذه المنطقة تنقسم إلى فئتين؛ مساكن الضباط وتبدأ الإيجارات فيها من 8 آلاف جنيه، ويمكن أن تعيش بها امرأة في شقة مستقلة، لافتًا إلى أن بعض الملاك يطلبون من المستأجر الحصول على موافقة بالاستضافة من صندوق إسكان القوات المسلحة، بينما يتغاضى عنها آخرون مقابل زيادة سعر الإيجار.

إلى جانب مساكن الضباط تقع منطقة إسكان شباب الرماية، وتبدأ إيجاراتها من 3500 إلى 6000 جنيه حسب تشطيب الشقة، ولا يقبل ملاكها سكن النساء "من غير راجل"، فالمنطقة التي أنشأتها الدولة لدعم أزمة سكن الشباب تُصنف كمنطقة شعبية، وبالتالي هي خارج نطاق الخدمة للعازبات، أو كما يقول علي "مش أمان بالنسبة لستات لوحديها".

المعادي.. الأرض المحررة

ضاحية المعادي جنوب القاهرة تسودها ثقافة ترحبُ باستقلال النساء؛ حيث يساهم النمط المعيشي والاجتماعي للمنطقة منذ عشرينات القرن الماضي في قبول النساء دون قيود مجتمعية، مما جعلها ملاذًا آمنًا أو منطقة خضراء، لمن تقتدر ماديًا. 

شارع مصطفى كامل في المعادي، القاهرة. 20 أبريل 2024

تميل النساء إلى السكن في قلب المعادي وامتدادته على الرغم من ارتفاع سعره، وتتجنب الامتدادات الأبعد والأرخص؛ "الإيجارات للستات بتكون على حسب الـcategory بتاع المنطقة، لأن فيه ناس بتشوف تسكين الستات مسؤولية"؛ تقول نيرة قايد سمسارة العقارات لـ المنصة.

تتفاوت الإيجارات في المعادي حسب الطابع العمراني والاجتماعي. ففي سرايات المعادي ودجلة، القريبتين من كورنيش النيل ومحطات المترو، تقع بعض أغلى المدارس الدولية وبعض شركات البترول وأغلب مقار سكن السفراء والدبلوماسيين الأجانب في مصر، وهي بالتالي من المناطق الأكثر جذبًا للأجانب والعاملين في الهيئات الدولية. هناك ترتفع الإيجارات بشكل ملحوظ نظرًا لانتشار الفيلات والشوارع الهادئة المحاطة بالأشجار والورود، وكثافة المساحات الخضراء. تبدأ إيجارات الشقق غير المفروشة عادة من 15 ألف جنيه شهريًا، وقد تصل إلى 35 ألف بحسب المساحة والموقع. هناك لا يسأل أحد النساء متى عدن أو ماذا يرتدين، ويتزايد استخدام الدراجات للنساء وتشجعهن الشوارع على السير على الأقدام.  

أما في منطقة زهراء المعادي، التي تعد خيارًا متوسط التكلفة يجذب شرائح أوسع، تتراوح الإيجارات بين 12 إلى 17 ألف جنيه، الحال نفسه بالنسبة للحي الإيطالي، حسب هبة إسماعيل سمسارة العقارات بالمنطقة.

مع امتداد حي المعادي غربًا باتجاه منطقة صقر قريش، وهي إسكان اقتصادي يضم وحدات تابعة لجمعية صقر قريش للإسكان، تنخفض الإيجارات إلى 8 آلاف جنيه، لكن ترتفع بالمقابل علامة التحذير الحمراء، وتتخلى المعادي عن صداقتها للنساء. 

داخل أسوار الكمبوندات

في المجمعات السكنية المُسورة في الأحياء الجديدة، يختفي تمامًا السؤال عن جنس المستأجر أو نوعه الاجتماعي؛ إذ تفرض القيمة الإيجارية المرتفعة كلمتها. في هذه المناطق، تكثر الشقق المفروشة وتتنوع أنظمة التعاقد لتشمل الإيجار اليومي، وتشترط في بعض الحالات السداد بالدولار الأمريكي.

صورة من كمباوند على أطراف القاهرة بمدينة الشيخ زايد.

يتجلى هذا النمط الفاخر بوضوح في منطقة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وما يجاورها من كمباوندات في مدينة السادس من أكتوبر، حيث يتلاشى التحفظ الاجتماعي ويصبح المعيار الحاكم هو قدرة الساكن على دفع المقابل المالي، دون التفتيش في هويته أو خصوصيته.

تتيح الأسوار حماية مضاعفة للبنات حتى من وجهة نظر الوسطاء العقاريين. تقول نيرة إن "بعض السماسرة بيرفضوا التوسط في تأجير شقق للستات إلا داخل الكمباوندات تجنبًا للمشاكل".

خلال رحلة البحث عن سكن، حاولت منى وصديقاتها الانتقال إلى أحد الكمباوندات في مدينة الشيخ زايد أملًا في قدرٍ أكبرَ من الخصوصية، لكن الأسعار التي تبدأ من نحو 16 ألف لغير المفروش و25 ألف شهريًا للمفروش، فاقت قدراتهن المادية.

انتهى الأمر بمنى ومن معها إلى استئجار شقة في منطقة الهرم مقابل عشرة آلاف جنيه شهريًا، مع اللجوء إلى رواية تبرر وجودهن بمفردهن في القاهرة؛ "بنقول إننا قرايب، ووالد واحدة مننا بييجي عندنا فبنقول إنه بيتعالج في القاهرة، عشان نرتاح من الأسئلة والمضايقة".

لا تبحث منى عن رفاهية أو امتياز خاص، كل ما تريده هي وزميلاتها مكانًا يعشن فيه دون أن يتحول خروجهن ودخولهن إلى مادة للمراقبة أو الشك في مدينة يتزايد فيها عدد النساء العاملات والطالبات والمطلقات والمغتربات. الحصول على مسكن آمن ليس مجرد معاملة عقارية، بل اختبار يومي لمدى قبول المجتمع المصري لحق المرأة في أن تعيش كمواطنة كاملة الأهلية دون وصاية.