تصميم: أحمد بلال، المنصة
جمال عبد الناصر وروح الله الخميني

إيران تنجو من سيناريو 1967؟

منشور الثلاثاء 14 نيسان/أبريل 2026

في بوست مع بداية الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران حذر الإعلامي حافظ المرازي من تصديق الدعاية عالية السقف للنظام الإيراني، واحتمال تكرار سيناريو هزيمة 1967 الكارثية التي مررنا بها في مصر حينما صدق غالبية المصريين أن هزيمة إسرائيل ستكون ساحقةً، إلا أنه وخلال 6 ساعات فقط يوم 5 يونيو/حزيران 1967 تمكّن العدو من تدمير القوات الجوية بالكامل، وخلال ستة أيام احتل كل سيناء وقطاع غزة الذي كان تحت الإدارة المصرية، والضفة الغربية التي كانت تحت الإدارة الأردنية، وهضبة الجولان السورية.

أيضًا جمعني لقاءٌ بمسؤول عربي مطلع على دوائر صنع القرار في دول الخليج العربي، سألتُه عن المخاوف التي رددها الكثيرون بشأن الرد الإيراني المحتمل على الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي الموسع، وقدرتهم على إشعال منطقة الخليج برمتها بما تحتويه من آبارٍ للنفظ وللغاز ومصافٍ محميةّ بقدرات عسكرية بسيطة نسبيًا مثل الصواريخ قصيرة المدى والمسيرات، وكذلك إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله 20% من إنتاج العالم من البترول والغاز وثلث إنتاج الأسمدة التي يحتاجها المزارعون في بقاع الأرض.

شككّتُ في الفرضية الأمريكية-الإسرائيلية التي رُوج لها حول خروج الشعب الإيراني للإطاحة بالنظام فور بدء الهجوم، بسبب التاريخ الممتد من انعدام الثقة إن لم يكن العداء لدى قطاع كبير من الإيرانيين تجاه الولايات المتحدة الذي يعود للخمسينيات من القرن الماضي بعد تدخل CIA للإطاحة برئيس الوزراء محمد مصدق ذي الشعبية الواسعة، وكذلك صعوبة أن يصدق إيراني عاقل وعود رجل مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما هو معروف عنه من تقلب ونرجسية وعنصرية.

كان رد المسؤول العربي بسيطًا "أنتم يا أخي جماعة النضال تبالغون في قدرات النظام الإيراني. هم في الواقع نمر من ورق".

أوهام الضربة القاضية

وصول الخميني إلى إيران في 1 فبراير 1979

يبدو أن كبار المسؤولين في دول الخليج، السعودية والإمارات، كانوا على اطلاع على العرض الشيق الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الأمريكي دونالد في 11 فبراير/شباط، وكشفت عنه نيويورك تايمز مؤخرًا، إذ أقنعه أن الحرب ستكون خاطفة مثلما حدث في فنزويلا، ولن يكون لدى قادة إيران الوقت لمهاجمة دول الخليج أو إغلاق مضيق هرمز وإلحاق خسائر فادحة بالاقتصاد العالمي، وهو ما يبرر تصريحات ترامب بعد الحرب، التي قال فيها إنه "تفاجأ" بهجوم إيران على دول الخليج بهذا النطاق الواسع وبإغلاق مضيق هرمز.

عرض نتنياهو، بالصور والفيديوهات، في حضور رئيس الموساد الإسرائيلي، قائمةً لكبار المسؤولين الإيرانيين لاغتيالهم في أولى ساعات الحرب، بالإضافة إلى عشرات المواقع التي يراقبها الإسرائيليون عن كثب لإنتاج الصواريخ والمسيرات واليورانيوم المخصب، وخطة لتحريك الشعب الإيراني للخروج في ثورة ضد النظام ودعم نجل الشاه السابق رضا بهلوي لقيادة البلاد والاستعانة بالميليشيات الكردية-الإيرانية في العراق بعد تسليحها لقتال الجيش الإيراني.

اعتمادًا على هذه الأوهام، فإن تجربة هزيمة 1967 كانت بالفعل سيناريو وُضع ليتكرر في إيران التي لن تكون بعيدة عن تجارب الانهيار السريع المذهل لنظم الصمود والتصدي والزعيم الأوحد المفدى المناضل ضد الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية في عراق صدام حسين وليبيا معمر القذافي وسوريا بشار الأسد بعد عقود من البقاء في الحكم بالحديد والنار.

أيضًا بالنظر إلى قمعية النظام الإيراني الذي لا صلة له باحترام مبادئ حقوق الإنسان، لا يمكن استبعاد خروج المواطنين الإيرانيين للتعبير عن غضبهم، خاصة بعد المظاهرات التي شهدتها البلاد قبل شهور احتجاجًا على تدهور الأوضاع الاقتصادية.

صلابة إيرانية 

رغم كل ما تقدم، أثبتت تجربة النظام الإيراني مدى صلابته وأنه بعيد من سيناريوهات السقوط السريع، مدعومًا بقطاع معتبر من الشعب الإيراني لا يزال يرى في الثورة ضد الشاه المدعوم من الولايات المتحدة قبل نحو نصف قرن إنجازًا عظيمًا.

كنت أتساءل بصفتي مواطنًا يعيش في دولة يعزف غالبية المواطنين فيها عن المشاركة في الانتخابات لقناعتهم بأن النتيجة معروفة سلفًا، وأن شيئًا لن يتغير، عن سبب سخونة الانتخابات في إيران والمشاركة الشعبية فيها بنسب تتجاوز 60% إذا كان غالبية الإيرانيين يكرهون ويرفضون بالفعل نظامهم الحالي، إلى جانب تحكم رجال الدين من خلال المجالس المختلفة في اختيار المرشحين من الأساس.

لذا كتبت بعد يومين من بدء الحرب أن الرهان على الشعب الإيراني، خاصة بعد الضربة المؤلمة في بداية الحرب التي كانت كفيلة بهز النظام والمتمثلة في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد معتبر من كبار القيادات العسكرية الإيرانية.

إيران تستهدف ناقلات نفط قرب مضيق هرمز، 12 مارس 2026

كما أن النظام الإيراني، ورغم العزلة المفروضة عليه منذ نصف قرن، تمكن ليس فقط من بناء نظام داخلي محكم يعتمد فيه على العديد من الأجهزة العسكرية والأمنية كالحرس الثوري والباسيج والجيش، لكنه حقق درجة ملفتة من الاكتفاء الذاتي في إنتاج الأسلحة وتطويرها رغم كل الإمكانات المحدودة.

هذه العوامل مجتمعة مكنت النظام الإيراني من الصمود نسبيًا مقارنة بأنظمة العراق وسوريا وليبيا التي كانت تعتمد على الولاء لشخص الزعيم ومؤسسات ينخرها الفساد واتقان الكذب وبيع الأوهام لشعوبهم فقط من أجل إرضاء الزعيم.

ترامب في الفخ

الآن وبعد التوقف المؤقت للحرب بعد 38 يومًا، بما شملته من قصف مكثف على إيران، وتوسع الحرب لتشمل دول الخليج التي عانت خسائر مادية قد يستغرق إصلاحها سنوات، وإغلاق مضيق هرمز مما سبب أزمة اقتصادية عالمية وارتفاع أسعار النفط والغاز، فإن الوقت ما زال مبكرًا للحديث عن النتائج النهائية.

لكن المؤكد أن ترامب يخسر مقارنة بما أعلنه من أهداف، بل إن الكثير من وسائل الإعلام الأمريكية نفسها تتندر  عن سقف أهدافه المرتفع في بداية الحرب بالتخلص من النظام الإيراني نفسه، والقضاء الكامل على قدراته النووية والصاروخية، وكيف انتهى به الأمر إلى المطالبة بإعادة فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا دون أي مشكلات قبل بدء العمليات العسكرية. كما أن إيران الآن تطالب بنظام جديد للمرور عبر المضيق يتضمن فرض رسوم على السفن وناقلات النفط لتحصل على ورقة ضغط إضافية لم تكن تمتلكها قبل الحرب.

خرج بابا الفاتيكان سريعًا ليصرح بأن ما قاله ترامب "غير مقبول مطلقًا"

ترامب نفسه واحدٌ من أسباب الهزيمة، والسر في سلاسل التغريدات التي بالغ فيها باستخدام أسلوبه المفضل من رفع سقف التهديدات لأقصى درجة ليعود بعد ذلك للتراجع في اللحظات الأخيرة ما أفقده مصداقيته وأثار غضب العالم برمته، بما في ذلك أقرب حلفائه من الأوروبيين الذين ابتلعوا حبوب الشجاعة للمرة الأولى تقريبًا وأعلنوا بشكل صريح أن هذه ليست حربهم ولن يشاركوا فيها.

ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، وهي التغريدة التي أطلقها قبل يوم واحد فقط من الهدنة وقال فيها إن حضارة بأكملها ستموت الليلة، وتهديده لإيران بفتح باب جهنم وتدمير كل ما لديها من جسور ومحطات للطاقة. بدا هذا التهديد مرعبًا للعالم برمته، وللداخل الأمريكي نفسه الذي بدأ التشكيك في قدرات رئيسه العقلية ولم يفهم أو يرى مبررًا للإقدام على التفاخر بنية ارتكاب جرائم حرب وقتل عشرات الآلاف من الإيرانيين فقط لإرضاء غروره.

بل إن بابا الفاتيكان، ليو الرابع عشر، وهو أول أمريكي شغل هذا المنصب خرج سريعًا ليصرح بأن ما قاله ترامب غير مقبول مطلقًا، وأن الحرب نفسها غير مبررة وتسببت في خسائر فادحة للعالم بأكمله. كما أن العديد من المعارضين الإيرانيين الذين يمقتون نظام الحكم الحالي رفضوا بشكل قاطع تحول الحرب ضد النظام إلى حرب لتدمير بلدهم بالكامل.

لن يستسلم نتنياهو غالبًا لفشله في تحقيق الهدف الذي باعه للرئيس الأمريكي المتعطش للإنجازات التاريخية، ولن يتوقف بكل تأكيد سعيه للعمل على إسقاط النظام الإيراني الذي اتضح أنه مخترق إلى درجة مخيفة من قبل أجهزة المخابرات الإسرائيلية، لكن عليه الاستعداد كذلك لموجة هجوم ضارية تتصاعد بالفعل في الداخل الأمريكي وتحمّل إسرائيل مسؤولية توريط الولايات المتحدة في هذه الحرب التي لا تخدم مصالحها المباشرة.

بالمقابل مطلوبٌ من النظام الإيراني بدوره استخلاص الدروس والاستفادة من التضامن الشعبي في مواجهة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية عبر البدء في عملية إصلاح سياسي حقيقية ترضي الشعب الإيراني وتخفف من القبضة الأمنية القمعية، فالشعب الإيراني هو الذي أنقذ النظام الحالي وجنب بلاده تكرار سيناريو 1967 وانهيار أنظمة الرمال في العراق وليبيا وسوريا.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.