ندى وشيماء.. تضامن نسوي يهزم الفقد ويتجاوز اختلاف الدين والوطن
"في رمضان البيت كله صايم للمدفع، ولو في الصوم الكبير أنا وولادي مش بناكل بروتين حيواني، ويوم الإجازة بننزل الكنيسة كلنا سوا نحضر القداس ونطلع على الحسين نزور المساجد هناك ونفطر ونرجع نكمل مذاكرة الولاد"؛ تصف شيماء الشواربي، المصرية المسلمة، حياتها التي ساقتها الأقدار لتتشاركها مع صديقتها ندى حداد السورية المسيحية.
قبل سنتين كانت تعيش في عالم آخر؛ يبدأ يومها بتوصيل طفليها آسر وآمن للمدرسة، ثم تتجه للجريدة التي تعمل بها صحفية، تنهي عملها ثم تتصل بوالديها للاطمئنان عليهما، بعد الظهر تعود إلى المدرسة لاصطحاب طفليها، ليتغير إيقاع اليوم بمجرد وصول الزوج، فتُسحب طاقتها في موجات من الغضب والعنف؛ يختبئ الطفلان في غرفتيهما حتى تنتهي اللحظات المخيفة إما بنومه أو بخروجهم للتمرين في النادي. لم يدم الحال بالشابة الثلاثينية طويلًا، قررت الانفصال والانتقال إلى منزل أسرتها.
في لحظة وجدت والدتها فاقدة للوعي؛ "ما حدش خطر على بالي لحظتها غير ندى صاحبتي كلمتها عشان تيجي تلحق مامتي، لكن أمر الله كان نفذ"، تقول شيماء لـ المنصة.
لم يمر شهر على رحيل والدتها حتى نقل والدها للرعاية المركزة، إذ لم يحتمل وجع فقد شريكة حياته. ولأن منزل ندى يقع في حي مصر الجديدة بالقاهرة الأقرب للمستشفى التي يرقد فيها والدها، بقيت هناك خلال تلك الفترة لتتمكن من زيارته، وهناك استقبلت خبر وفاته.
رغم كثرة التدريبات النظرية والنخبوية حول قضايا المرأة، تفرض المعاناة الحقيقية للعنف الأسري والانفصال سبل دعم واقعية، إذ تخلق النساء مساحات أمان وفرصًا جديدةً للحياة ولحماية أطفالهن. تجربة شيماء وندى حالة خاصة من الدعم النسوي، إذ جمعتهما خبرة الانفصال وتخلي الزوج وسط عزلة عن الأهل بسبب الغربة أو وفاة الوالدين.
التقت المرأتان على أرضية الإنسانية وتجربة الطلاق التي تتقاسمها معهما مئات الآلاف من النساء سنويًا؛ إذ سجلت مصر 273 ألفًا و892 حالة طلاق عام 2024، مقابل 265 ألفًا و606 حالات عام 2023، بنسبة زيادة بلغت 3.1%، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
أحضان أبقى من الجدران
كان بيت ندى مقرًا لاستقبال المعزين في والد شيماء. علت أصوات القرآن في عقار أغلب سكانه من المسيحيين. مع انتهاء أيام العزاء لم تتمكن شيماء من العودة إلى منزل والديها في حي عين شمس، الذي يخضع لقانون الإيجار القديم؛ "ما كنتش لسه خدت حكم الطلاق وما أقدرش أقعد في الشقة واخواتي اتفقوا مع المالك وخدوا ملاليم ومضوا على الإخلاء" تقول شيماء.
تعمل ندى حداد أخصائية تجميل، تزوجت من مصري في الكنيسة الأرثوذكسية بسوريا عام 2007، وانتقلت مع زوجها إلى مصر عام 2020. لديها ابن اسمه نور 11 سنة، وابنة تدعى نتالي، 9 سنوات؛ "بس زوجي تركنا لما إجينا وبقيت في مصر مع ولادي لحالي" تقول ندى لـ المنصة.
في منزل صغير مكون من غرفة واحدة بسريرين وخزانة ملابس صغيرة عاشت المرأتان مع 4 أطفال. ينام الأطفال على السريرين، وتفترش الأُمَّان سجادة على الأرض.
تضم مائدة الطعام التبولة والفتوش والضلمة السورية بطريقة ندى، وتنافسها شيماء بالفتة والكشري. وعلى صوت المنبه الصباحي يبدأ اليوم، يصطف الأطفال في انتظار دورهم في دخول الحمام.
تحدث بعض الاشتباكات الخفيفة التي تحاول الأُمَّان فضها، وفي بعض الأحيان تسقطان ضاحكتين. تتشاركان المهام؛ واحدة تعد الفطور والأخرى "سندوتشات" المدرسة والحقائب. تتولى شيماء مهمة التوصيل للمدارس في طريقها للجريدة وفي طريق عودتها تتسلم الصغار، وفيما تبدأ ندى في التسوق وتحضير الطعام للغداء. تعود شيماء لتتولى مهام المنزل لتتمكن رفيقتها من النزول إلى عيادتها.
تعالي نتجنن بالليل
جمع صديقٌ مشتركٌ بين شيماء وندى في بداية تعارفهما، وما لبثت علاقتهما أن توثقت؛ "لقيت قصتها تشبه قصتي في الانفصال والعنف اللي اتعرضت له"، تقول ندى وتكمل "وجود شيماء معي ساعدني أتخطى تجربة الانفصال واختفاء زوجي".
بالمقابل تلقت شيماء التشجيع من ندى في رحلة الطلاق الطويلة؛ "بتابع معها ومع محاميها سير القضية.. وكان لازم نحتفل بعد ليالي الشكوى المرة والبكا"، حين حصلت شيماء على الطلاق قبل عام ونصف العام.
ترى شيماء أن ندى منحتها ما هو أكثر من "العبور من الانهيار والوحدة لتحقيق الأحلام.. لولاها مكنتش خدت حكم الطلاق ولا رجعت لشغلي قوية بالشكل ده"، فحياتهما معًا اختلفت وامتلأت بالطاقة والحيوية؛ "سهراتنا لطيفة أوي نتجنن بالليل ونقرر ننزل نتمشى في شوارع مصر الجديدة ناكل آيس كريم وسندوتشات ونسمع فيروز ونضحك ونبكي لحد الفجر ونعدي على عربية فول نفطر ونرجع جري عشان نزول الولاد للمدارس".
مسلمون في بيت مسيحي
في واقع لا يستسيغ الاختلاف، كانت مغايرة الديانة والثقافة علامةً على الحب والقبول في رحلة ندى وشيماء، لكنها خلقت في الوقت نفسه تحديًا من نوع آخر. فالمجتمع الذي يضع علامات استفهام حول أي امرأة منفصلة، أضاف إليها الكثير من الملحوظات عندما استقبلت المرأة المسيحية صديقتها المسلمة في منزلها.
"لم يكن المشهد ورديًا بالكامل؛ كان فيه كتير نظرات دهشة وعدم تقبل، معناها ازاي أجيب واحدة مسلمة وولادها يعيشوا في بيت كل سكانه مسيحيين!"؛ تتحدث شيماء عما وصلهما من انطباعات المحيطين، وتضيف "ما حد فيهم يقدر يتكلم معايا بصراحة في الموضوع بس كانوا كتير بيسألوا ولادي عن الناس اللي عايشين معاهم".
غير أن الطفولة لا تعرف الاختلاف، فقد ارتبط أبناء ندى وشيماء ببعضهم البعض، وباتا يشعرون بأن لكل منهم أميّن، كما جمعتهم الحياة المشتركة والأنشطة التي يمارسونها في الشوارع المحيطة "الاسكوتر والباتيناج". في كل مساء يُكافأ الصغار على حسن الأداء الدراسي والالتزام بالتعاليم المنزلية بمبلغ صغير يمكنهم من شراء الحلوى والمثلجات.
"اتعودت أحضر قداس العيد مع طنط شيماء وولادها. كانت بتخاف نتأخر على زفة القيامة والإنجيل وتنزل هي معانا لحد ماما ما تخلص مواعيد العيادة"؛ تقول الطفلة نتالي لـ المنصة.
تضيف، "في فصول مدارس الأحد كانت الميس بتسألنا عن معنى المحبة وقبول الآخر أنا معرفش يعني إيه بس حكيتلها عن ماما وطنط شوشو وولادها وطلبت مني أحكي القصة تاني لباقي الفصول".
أما نور (11 عامًا) فيحكي عن "آسر وآمن اللي عايشين معانا وبياخدوني المسجد يوم الجمعة، وبيحضروا معايا قداس الأحد وإزاي بننزل كل يوم بليل نلعب سوا في الجنينة".
وينتظر آسر انتهاء وقت المدرسة ليعود للبيت ويلعب مع نور ونتالي؛ "أتعودت على لعب الباتيناج مع نور بننزل نلف في الجنينة ونشتري حاجات حلوة ولولا طنط ندي كنا نفضل نلعب طول الليل"، يقول لـ المنصة ويكمل "أنا بحب البيت أكتر من أي حاجة تانية وبحكي لأصحابي في المدرسة عن بيتنا بيستغربوا إن فيه 2 أمهات ومفيش أب وبحكيلهم أن بابا سابنا وربنا بعتلنا طنط ندى تحبنا أكتر منه".
نحو نوال السعداوي
بعد تجربة الانفصال وخسارة الأم والأب، كسبت شيماء ندى ليس كأخت حقيقية فقط، ولكن رفيقة معرفة وتفكير ووعي؛ "كانت بتيجي معايا جلسات المحكمة عشان خايفة عليا من أي ضغط نفسي وتفضل طول الطريق تكلمني عن رموز نسائية زي نوال السعداوي وازاي خرجت من جوازات استهلكتها وواصلت مسيرة نجاحها، كانت بتكلمني كأني هأبقى في يوم نوال".
تشرد شيماء بعض الوقت كأنها تتذكر شيئًا؛ "ندى مؤمنة بقوتي وإيمانها خلق مني إنسانة صامدة وقادرة تعافر". اختلطت ابتسامتها بدموعها وأكملت "أخيرًا خدت حكم الطلاق والنفقة، وابتديت استرد طاقتي في شغلي وكمان اختاروني أمينة المرأة في حزب سياسي وابتدت تقولي إنتي دلوقتي ماشية في طريقك تكوني نوال السعداوي زي ما كنت بتنبأ ليكي".
تؤكد قصة ندى وشيماء أن النجاة ليس شرطًا أن تكون معجزة خارقة، بل يمكن أن تتمثل المعجزة في يد تؤازر أخرى، في صديقتين يمكن أن تتقاسما الخبز والهم والأحلام.

