الدلتاويون الأفاضل| "حجازي" و"جوهري" يكسران النمط
يخبرنا التاريخ أن العهد الذهبي لأفلام الريف الذي أخرج فيه هنري بركات فيلمَ الحرام (1965) وحسين كمال شيء من الخوف (1969)؛ استهلَّه فطين عبد الوهاب بـ العتبة الخضراء (1959)، واختتمه محمد نبيه بـ أصعب جواز (1970). وهو فيلم يتضمن 6 أبطال ريفيين بينهم ثلاث فتيات لا يسمح لهن والدهن بأي احتكاك بالعالم الخارجي، ورغم ذلك يتحدثن لهجةً قاهريةً بيضاء، لأن الجميلة الذكية أرفع من أن تتحدث مثل فلاحة، خاصة إذا كانت ستذهب إلى المدينة وتقع في الحب.
لذلك، فإجابة السؤال الذي طرحتُه في نهاية المقال السابق، عن وجود نمط الأفلام التي يذهب أبطالها المدينيون إلى القرية لإصدار الأحكام، أو يخرج أبطالها القرويون إلى المدينة هربًا من سوء أحوالهم، بين سنوات 1952 و1970، هي "نعم". خرج القرويون إلى المدينة قبل 1970 مثلما وصل المدينيون إلى القرية، وبالتأكيد لم تكن الفترة خالية من الاستسهال والتنميط.
ولكنَّ هذه الأعمال التي سقطت في فخ تنميط الريف وأهله لم تحتكر المشهد الإنتاجي بأسره، بل ظهرت بالتزامن مع أهم الكلاسيكيات التي أشرتُ إليها في هذه السلسلة، وكانت في معظمها أعمالًا ناقدةً؛ ليس فقط للسلطوية والأبوية الذكورية مثل الزوجة الثانية ودعاء الكروان، بل وحتى النظام بأكمله مثل صراع الأبطال لتوفيق صالح (1968).
فارقٌ كبيرٌ بين التنميط والنقد. وإظهار سمة معيوبة في شخصية ريفية بحد ذاته ليس إشارةً للانطلاق في التنديد والصراخ والشكوى من "تشويه" صورة القروي الجميل النظيف اللطيف، لأنه ويا للمفاجأة؛ للريف عيوبه فعلًا، كأي مكان آخر! لكنْ ما حدث بعد 1970 هو اختفاء تلك الأعمال الناقدة.
لم يعد الأمر مُتعلقًا بذكر عيوب القرية بل بتجاهلها أولًا، والنظر إليها وفهمها من منظور المستكشف القاهري ثانيًا، في عملية تنميطٍ مستمرةٍ منذ عقود. فما الذي بات يزعجنا اليوم من منظور المستكشف القاهري، رغم أنه كان حاضرًا طوال الوقت في أفلام الريف؟
مُكررة.. لكن ثورية
الباشمهندش/أحمد مظهر شخصية مدينية أيقونية من "دعاء الكروان"، نفهم بسهولة أنه والخال/عبد العليم خطاب شريرا الفيلم الأساسيان، قبل أن يتطهر بوقوعه في حب آمنة/فاتن حمامة ثم الموت فداءً لها.
أما في يوميات نائب في الأرياف لتوفيق صالح (1969)، فتحتكر الشخصيات الوافدة من المدينة كل سلطة ممكنة في القرية. مأمور القسم/توفيق الدقن ووكيل النيابة/أحمد عبد الحليم ومساعده/محمد مرشد والقاضيان/حسن مصطفى وشفيق نور الدين، لا نراهم يهتمون إلا بتستيف الأوراق وتحقيق غاياتهم الشخصية قبل غايات العدالة.
ما أعتقده مُهمًا أكثر من غيره في عالم السادة الأفاضل هو سؤاله: ماذا لو صنعنا فيلمًا ريفيًا دون "نمطيات الدلتا"
تبرز مفارقة مضحكة في أحد مشاهد الفيلم؛ فالقاضي الذي يصل في قطار التاسعة صباحًا يرحل في قطار منتصف النهار، بصرف النظر عن عدد القضايا التي أنهى مراجعتها، مما يعني بالطبع أحكامًا تعسفية. يقول نظيره المشهور ببطئه، لأنه مصاب بالملل، إن زميله يُسرع قبل أن تذوب الزبدة ويفقس البيض الذي يتبضعانه من القرية. بكلمات مباشرة أكثر؛ يأخذ الرجل حاجته من الريف ولا يعطيه شيئًا في المقابل.
أخيرًا وفي لن أبكي أبدًا لحسن الإمام (1957) تستحوذ المواجهة بين فساد المدينيين وفساد القرويين على معظم الأحداث التي نتبع فيها قصة هدى/فاتن حمامة بعد أن اضطرت للعودة إلى العزبة التي مارس فيها أبوها الإقطاعي المفلس عبد المجيد باشا/زكي رستم التعذيب والاستغلال خلال عصور قوته، فتُقابل بعداوة السكان. يميل الفيلم إلى صف ابنة الإقطاعي المرهفة، لكنه مع ذلك يرهن نهايتها السعيدة باعتذار أبيها للفلاحين، وبعملها وأصدقائها في الفلاحة.
كما ترى، لم يذهب المدينيون القدامى إلى الريف كمنقذين أو مراقبين فقط. لم تكن القرية جنة، لكن أبناء المدينة لم يكونوا ملائكة بدورهم، ومثلما أطلقوا أحكامهم الأخلاقية على أهل الريف، استطعنا نحن المشاهدين تمييز عوارهم الأخلاقي بسهولة.
الفكرة المرجعية هنا، هي إدراكنا أن هؤلاء المدينيين كارهي فساد الريف بطرقهم الخاصة، تعود جذورهم -كحال معظمنا- على الأرجح إلى هذا الريف. وإدراكنا أنهم يكرهون ما ينتمون إليه وما يشبههم بشكل ما، ويعتقدون في أنفسهم الاختلاف ويتعالون بلهجتهم القاهرية الخالية من "التون الفلاحي".
هذه بوضوح حالة نقد متعددة الاتجاهات؛ يوجه الصانع المديني نقده إلى القرية، لكنه لا ينسى ذاته المدينية ولا يبرئها من الذنب. طريقةٌ أكثر ثورية وموضوعية لتقديم نفس ثنائية الريفي-ابن الريف المتصارعين منذ بدأت السينما المصرية، والتي أشرتُ إليها من قبل.
هذه الفكرة بالغة الأهمية التي لم تُخفِ نفسها في أفلام ما قبل 1970 قبل أن تصبح مهددة بالانقراض بعدها، هي بالتحديد إحدى الجدالات الرئيسة لفيلم السادة الأفاضل.
"كل دول ع البايظ"
يُكلف حفل زفاف حجازي جلال أبو الفضل/محمد شاهين نصف مليون جنيه، تتحملها عائلته التي لا تملك صوريًا إلا محلَّ حواوشي قرويًا مُكوّنًا من غرفتين ضيقتين.
يقبل حجازي تلك الأموال سعيدًا بما تمنحه من وجاهة مثلما قَبِل من قبل تكاليف تعليمه وتجهيز عيادته الباهظ في المدينة، دون أن يتساءل لمرَّة عن مصدرها، قبل أن يُصدم حين يكتشف أن أعمال عائلته تتضمن تجارة الآثار والتورط مع رجال العصابات.
قد نصف حجازي بأنه "منافق"، وإذا أردنا المداهنة والتلطيف يمكن أن نكتفي بـ"مُغيب"، إلا أن ما سيوصف به أكثر من غيره هو "اللؤم". يمارس الرجلُ لؤمًا ما بعد ريفيٍّ متقدمًا، فهو يستفيد من الوضع الذي يمنحه أفضل ميزات دون تساؤل، دون معايشة حقيقية، وفوق كل ذلك يحتفظ لنفسه بحق الازدراء.
شخصية جوهري/طه دسوقي تمر بالقوس السردي نفسه إنما أسرع وأوضح، فهو ككل شخصيات الأفاضل منخرط في فساده الخاص بل إنه يبادر بقيادة الآخرين، ورغم ذلك يقول في جملته الحوارية الأخيرة "أنا مش شبهكم". ينسى (أو يتجاهل) الشاب الحالم بالسفر على مراكب سمير أطاليا/أحمد السعدني إلى مكان يعتقده أكثر طوباوية، أنه هو نفسه مشكلة، وأنه يشبه الجميع أكثر مما يتصور.
بحجازي وجوهري وبوجود قرية الأفاضل كموقع أحداث أساسي ووحيد للفيلم، نستطيع أن نصف "السادة الأفاضل" بأنه فيلمنا الريفي الأول بعد طول غياب، لأنه حاول بدء نقاش غير متعالٍ، مذكّرًا إيانا بشيء فقدناه طويلًا، وحان وقت استعادته.
لذا، ما أعتقده مُهمًا أكثر من غيره في فرضية بناء عالم السادة الأفاضل هو سؤاله الجديد في هيئته والبديهي في جوهره: ماذا لو؟ ماذا لو صنعنا فيلمًا عن قرية دلتاوية، لكننا تخلصنا أولًا من بعض البنود في قائمة "نمطيات الدلتا" التي نستوفيها بإخلاص وصرامة للتمييز بين ريف الدلتا وريف الصعيد؟
بنت الصعايدة بحريّة
لطالما وجد الريف الصعيدي مساحة سينمائية أكبر من نظيره الدلتاوي، بسبب ثيماته الأكثر تشويقًا باعتباره الموطن الأصلي لقصص تجارة الآثار والثأر ومشاكل الميراث وتعدد الزوجات، وكذلك بيرسونا "الراجل الصعيدي" الذي ينشط أكثر في الدراما.
من ذئاب الجبل لمجدي أبو عميرة (1993) والرحايا (2009) وشيخ العرب همام (2010) لحسني صالح، وحتى سلسال الدم لمصطفى الشال (2013)، وصولًا إلى نسر الصعيد لياسر سامي (2018) وعملة نادرة لمحمد العدل (2023). "الدراما الصعيدية" بالفعل تصنيف/genre مستقل بذاته.
في مواجهة هذا الحضور الصعيدي، لا يقف الريف الدلتاوي على قدم المساواة بثيماته وتنميطاته المحدودة والمقتصرة غالبًا على إعادة تدوير دراما الإقطاع والفلاح الفصيح والمجتمع المصغر الذي يمثل مجتمعًا أكبر، هو "مصر" بالطبع.
أما الأعمال الريفية المعتدة بكونها ريفية، فهي مرتبطة عادة بما يعنيه أن تكون فلاحًا. أو بمعنى أصح "أن تتربى تربية فلاحية" وتنتمي إلى العائلة في البلد مهما جرى لك منها. الشجرة أو الجذر أو الأصول. الوتد هو اسم العمل الدرامي الأشهر في تصنيف/genre الريف الدلتاوي، للمخرج أحمد النحاس (1996).
أما في السينما، ففي العالم التالي لصدور فيلمي الأرض ليوسف شاهين (1969) و"شيء من الخوف"، المُخلصَيْن لريف الدلتا، خرج المومياء: يوم أن تُحصى السنين لشادي عبد السلام إلى النور، بأهم قصة تجارة بالآثار عرفتها السينما المصرية. وهو فيلم يتخذ من الجبال الصعيدية مسرحًا له.
بعد عام 1970 ستستمر السينما في استلهام سمات الريف الصعيدي كما في الطوق والأسورة لخيري بشارة (1986) ثم عرق البلح لرضوان الكاشف (1998)، وفي أعمال أخف مثل صعيدي رايح جاي لمحمد النجار (2001) وعسكر في المعسكر لمحمد ياسين (2003). لا تزال عناصر الصعيد المميزة مثل الثأر والآثار تُستخدم كمحرك للأحداث، وصولًا إلى الجزيرة لشريف عرفة (2007) وغيره من ملاحم السلاح.
الريف الدلتاوي لا يشتهر بانتقال إرث الدم لأجيال، ليست هذه صورته النمطية المثيرة سينمائيًا، لكن ما يثير الاهتمام أكثر، أنه مثلما استبعدت هذه التنميطات الدلتا من مشاهدها السينمائية؛ حرّمت على الصعيد الظهور خارج هذه المشاهد.
هنا يأتي كريم الشناوي ليكسر في "السادة الأفاضل" هذه القاعدة، وهو يرتكن لحقيقية تاريخية بديهية، فالصعيد ليس المكان الوحيد الذي يمكن أن يتاجر الناس فيه بالآثار، ناهيك عن إيجاد المقابر المصرية القديمة.
كذلك، اقتصرت النظرة للصعيد في الأعمال الأحدث على القسوة والخطورة، رجال ونساء متجهمون للغاية، شخصية الكبيرة/ثريا إبراهيم من فيلم كتكوت لأحمد عواض (2006) قد تلخّص ما أحاول الإشارة إليه.
هذا بينما احتفظ ريف الدلتا بالنسبة الأكبر من الشخصيات الخرقاء. والواقع أن الأمور لا تسير دائمًا بهذا التباين.
في البوسطجي لحسين كمال (1968)، حيث تقع الأحداث في قرية كوم النحل الخيالية في أسيوط، يصف عباس/شكري سرحان أهلَ البلد الصعايدة بما يوصف به أهل القرية الدلتاوية عادةً: وجوهٌ تحمل لؤمًا مخلوطًا ببلاهة. كما نرى أيضًا انبهارهم وتكالبهم على مجلّات عباس الجنسية. نظرة مغايرة تمامًا للصعيد المتجهم الشديد، تشبه أكثر نظرة نائب الأرياف ومن كانوا معه في وجه بحري.
كان عزل الريفين عن بعضهما البعض وحصر كلٍّ منهما في صورته النمطية بعيدًا عن الآخر مفيدًا على مستوى الكوميديا المتوقعة. هكذا احتفظنا بنكتتي "مرة واحد صعيدي" و"مرة واحد بحراوي" منتجًا ثقافيًا خاصًا بذاته. إلا أن الواقع ليس على نفس المستوى من البساطة؛ فإلى جانب أنهما يتشاركان نفس الحصانة الأخلاقية، يتداخل الريفان في مستويات متعددة.
يمكن للصعيد القاسي بسهولة أن يكون ريفًا فوضويًا، وفوضوية الدلتا بإمكانها أن تقودنا إلى أكثر الحوادث سوداوية، بل إننا وبعد مشهد تجول عبده/علي صبحي بـ"مونيا فرعوني" في السادة الأفاضل، الذي جاء منعشًا وغير متوقع، يمكننا المجادلة بأن التحرر من هذا النمط في صالحنا على مستوى الكوميديا.
أخيرًا
لم يكن السادة الأفاضل هو العمل الوحيد الذي استلهم الريف الدلتاوي ومساحات منه في السنتين الأخيرتين. فلدينا مسلسل فخر الدلتا لهادي بسيوني في موسم رمضان 2026 وبعده مباشرة فيلم برشامة لخالد دياب في موسم عيد الفطر، وسبقهما ظلم المصطبة لمحمد علي في رمضان 2025.
رغم ذلك، فهذه المجموعة المختلطة بين الدراما والسينما، وبين جودة العرض وأصالة الفكرة، ما زالت غير كافية لنجزم بأن شيئًا ما يتغير، أو أن تيارًا جديدًا يُدشّن أعماله الأولى، لكن ما يمكننا أن نطمح إليه في هذه المرحلة، أن يطول توجه الدراما إلى الأقاليم دون تعالٍ وانحيازات مسبقة، وألَّا ننتظر إجابة محددة ترضينا عند السؤال عن بيئتنا الأم.
مفهومٌ أن الريف هو الفضاء الذي نعتبره الآن متنفسنا لضرب الرموز والنقد الذاتي. لنفعل ذلك، لكن بطرق متعددة ومبتكرة وصادقة قدر الإمكان. لنحاول إيجاد طرق لتصوير الصعايدة بخلاف أنهم جميعًا خبراء في الأسلحة وإعلاء راية السلطة الأبوية، فهم وعلى ما يبدو لا يحبون ذلك كثيرًا. ولنسمع شخصيات دلتاوية وصعيدية تتحدث -يا سبحان الله- بلهجات الدلتا والصعيد دون أن ينتقص ذلك من مستوى ذكائها.
وإذا كانت هذه لحظة من النقد المجتمعي حيث لا مفر من مواجهة اللؤم الفلاحي، فليكن على الأقل نقدًا يعرض أنماطًا مبتكرة من هذا اللؤم قد تتضمن الكاريزما والدهاء وخفة الظل. لنخرج أخيرًا من بؤرة الـ"إهييي" والـ"أهااا" التي غرقنا فيها حتى أنوفنا.
لنجرب! إن لم يكن على سبيل ثورة فنية جديدة، فليكن مللًا من تكرار الكليشيه.
الدلتاويون الأفاضل| "الأرض" تعجز عن حمل قصتها
11-6-2026
الدلتاويون الأفاضل| من فيلم جديد إلى دستة أفلام قديمة
4-6-2026
حوار| محمد دياب ورهان "أسد".. كيف تصنع فيلمًا "Crowd Pleaser"؟
8-6-2026
سينما الثمانينيات المتمردة| مدينة المواطن والمخبر والحرامي
9-4-2026
برسوم يبحث عن وظيفة.. أول تحريض ثوري ناعم في عهد الملكية
27-10-2025
توائم ثورة يوليو.. في الترقي الاجتماعي والسياسي لعماد حمدي وفريد شوقي
8-8-2023

