تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
في مقابل القاهريين الذين يصطحبوننا لنرى القرية مثلما يرونها؛ هناك الريفيون الذين تلفظهم هذه القرية ليعيشوا قصصهم السينمائية في المدينة

الدلتاويون الأفاضل| "الأرض" تعجز عن حمل قصتها

منشور الخميس 11 حزيران/يونيو 2026

فيلم "من الريف" أم فيلم "عن الريف"؟ أنهيت المقال السابق من هذه السلسلة بهذا السؤال، لأن هناك فرقًا كبيرًا بين المصطلحين، يمكن رؤيته بوضوح أكثر عند مقارنة الأفلام التي تناولت الريف قبل عام 1970، بتغييراته المجتمعية المعقدة، بالأفلام التي جاءت بعده. فما الذي امتلكناه عندما كان لدينا "فيلم ريفي"، ثم فقدناه حتى أصبح كل ما نفعله هو تأطير هذا الريف في برواز يسمح لنا بالحديث "عنه"، دون أن نتجرأ على لمسه؟

في فيلم الأرض (1969)، ولأن يوسف شاهين كان يصنع فيلمًا ريفيًا لا فيلمًا "عن الريف"، نقف طوال الوقت على "أرض" ريفية لا تعجز عن حمل قصتها بنفسها. لا نرص الشخصيات التي تتحدث لهجةً مميزةً أمام القادم من المدينة لنبرز الاختلاف، سواء جاء هذا الاختلاف في صالحه أم صالحهم، بل نعرض الشخصيات في فضائها. يتحدث الناس بأنفسهم، ويشتبكون في واقعهم ومفرداته المصيرية بالنسبة لهم. مثلًا، شكّلت قضية ري الأراضي نقطة الصراع في كلٍّ من "الأرض" وشيء من الخوف لحسين كمال (1969)، لأنها ببساطة لحظة الصراع السنوية والموسمية في حياة كل عامل بالزراعة.

لكن على وقع ما أشرت إليه في المقال السابق من تغيرات اجتماعية واقتصادية رافقت الانفتاح، وما ترتب على سياساته من هجرة داخلية واسعة النطاق، ستتضاءل مركزية الفلاح في الريف واقعيًا، ليتضاءل بالتبعية حجم ظهوره على الشاشة، وهذا مفهوم. لكنْ ما لا يمكن فهمه أو تبريره هو غياب سكّان الأقاليم كُليًّا، وهؤلاء ليسوا فقط من العاملين بالزراعة، فكل هذه الأراضي الشاسعة لا يزال بها سُكان لهم لهجات وطقوس يومية وأنظمة حياتية، وحتى أطعمة محلية لا تعرفها القاهرة.

أحد الأعمال الدرامية الأحدث، مسلسل وش وضهر للمخرجة مها أبو عوف (2022) خاض تجربةً في تصوير مدينة طنطا، وبالتالي نعرف أن الأمر غير مستحيل سينمائيًا، لكن يا تُرى كيف اختار صناع أفلام السنوات الـ 55 الماضية تنفيذ ذلك؟

حضر القاهري فخرج الفلاحون

تَسعْدُ الجماهير بالريف الذي رأته "خرج ولم يعد". المعضلة أن عطية الذي يقودنا لهذا الاستنتاج لا يقابل مشاكل في القرية إلا كثرة طعام أهلها

الفرق بين وصول حجازي/محمد شاهين لقرية الأفاضل ووصول عطية/يحيى الفخراني إلى العزيزية في خرج ولم يعد للمخرج محمد خان (1985) أو رضا المسيري/كريم عبد العزيز إلى كفر الشيخ في فيلم في محطة مصر للمخرج أحمد نادر جلال (2006)، أن وصول حجازي للقرية لا يعني وصول المشاهدين.

يبدأ الفيلم بالفعل قبل وصول حجازي، ويستمر بعد وصوله. تستمر الاكتشافات الصادمة التي سيعرفها عن أهله؛ لكنَّ الفيلم لا يقف عندها باعتبارها مواضع الصدمة. فحجازي مجرد شخصية. والفيلم، لأنه ريفي، لا يبدأ أو ينتهي عنده.

على العكس في "خرج ولم يعد" و"في محطة مصر"، حيث نرى الريف مع البطل وبعيونه. نحن لا نرى العزيزية إلا مع وصول عطية، المديني الذي أرهقته المدينة فنزح باتجاه الأراضي الخضراء، ونحن بالتبعية ذاهبون معه.

ينهزم عطية أمام جماليات القرية المتمثلة في براءة الأرض والفتاة، بعكس رضا الذي تتسرب مخدراته إلى طعام العائلة الريفية ذات النفوذ، فيحكم عليهم وهو يراقب لحظة انتشائهم بأنهم "نسب يعِر".

وفي مقابل هؤلاء القاهريين الذين يصطحبوننا لنرى القرية مثلما يرونها؛ هناك الريفيون الذين تلفظهم هذه القرية ليعيشوا قصصهم السينمائية في المدينة.

محرك الأحداث المحتمل الأول هنا هو السذاجة بالطبع، كما في رجب فوق صفيح ساخن للمخرج أحمد فؤاد (1979) أو عنتر شايل سيفه للمخرج أحمد السبعاوي (1983). يخرج هؤلاء الريفيون للقاهرة أو لأوروبا فيتعرضون لشتى أنواع المصائب، وهو سطر كوميدي مستمد من أعمال مثل العتبة الخضراء لفطين عبد الوهاب (1959).

مثير للاهتمام أن تعلو نداءات الاحتفاء بأصالة الريف في نفس الفترة التي ساءت فيها أحوال ناسه

لكنَّ الأمور لا تقف عند حدود النكتة، فالفلاح وإن فقد سذاجته، لا يفتقد حاجته الماسّة للخروج.

في أفواه وأرانب لهنري بركات (1977) تخرج الفلاحة المتنورة نعمة/فاتن حمامة وتثير إعجاب الإقطاعي الغني لينتهي الأمر باصطحاب عائلتها بالكامل خارج القرية. وفي الأراجوز لهاني لاشين (1989) والمواطن مصري لصلاح أبو سيف (1991) ينقسم الفيلم إلى خطين بين الابن الذي خرج إلى المدينة، طوعًا أو قسرًا، والأب الباقي في القرية. وفي عمل أقرب إلينا زمنيًا وهو الماء والخضرة والوجه الحسن ليسري نصر الله (2016)، ورغم أنه يبدأ وينتهي على أرض بلقاس؛ يشغل الكلام عن السفر والحاجة إليه حيزًا واضحًا من السرد.

لاحظ ما يحدث؛ "الأرض" لم تعد قادرةً على حمل كل أحداث الفيلم فوقها، وكذلك الريفيون لم تعد قصصهم تبدأ إلا إذا خرجوا إلى المدينة أو على الأقل غادروا القرية. وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الحاجة للخروج لم تقتصر على الدلتاويين، فالبيه البواب خرج من أقاصي الصعيد عام 1987، ولحق به عام 1998 رجال عرق البلح الغائبون. وفي النداهة لحسين كمال (1975)، تدرك فتحية/ماجدة هذا الانفصال بين قريتها والمدينة، ما يجعلها "مندوهة" برغبة الخروج. وسأعود للصعيد بتفصيلٍ أكثر في المقال المقبل.

"تمزيع" الأفلام

الارتباك الذي خيّم على سينما السبعينيات وما بعدها وهي تتناول الريف، يشبه إلى حدٍّ كبير ارتباك السينمائيين الأوائل الذي أشرت إليه في المقال السابق، عندما أرادوا قبل ثورة يوليو تصوير الريف الممنوع دون إثارة حفيظة من منعوه، فانتهوا إلى تجارب مضطربة تقدّم الريف لامعًا كإجابة وحيدة عن سؤال أهميته.

فعندما رغب السينمائيون بعد السبعينيات في قول أشياء عن الدلتا والأرض الزراعية؛ لم يستطيعوا تجاهل مدى سوء الوضع الذي بموجبه فقدت هذه الدلتا شخصيتها. هنا برز "تمزيع" الفيلم بين مكانين وفكرتين على أنه الإجابة الأقرب للصدق، سواء قدموها عن إدراك ووعي أم لا.

"تمزيع" هو المصطلح الأكثر دقة لوصف ما حدث، لكنه مصطلح تحتويه على الأغلب قصة ميلودرامية كئيبة، وأحيانًا مفككة. لذلك لا عجب في ما ناله "خرج ولم يعد" من إعجاب جماهيري جارف، حيث يخرج البطل، في حالة نادرة، خروجًا عكسيًا من المدينة إلى الدلتا. تَسعدُ الجماهير بهذه التجربة ويستنتجون منها أن هناك أملًا ما. المعضلة هنا أن عطية الذي يقودنا لهذا الاستنتاج لا يقابل مشاكل في القرية إلا كثرة طعام أهلها.

وهذه فقط المحاولات الجادة، المدركة، المرتبكة، التي أعتبرها محاولات حقيقية مهما نتج عنها من إشكاليات. لكنَّها في الواقع ليست إلا نقطةً في نيلٍ عميقٍ يملؤه الاستسهال والصور النمطية عن الريف والريفيين. لا أتحدث عن أعمال بعينها، فهناك عشرات الأفلام التي استخدمت شخصية الريفي كبطاقة بوكيمون نخرجها كلما أردنا أن يقهقه الجمهور على لهجة مضحكة ومستوى ذكاء نملة، وطبعًا معرفة شبه منعدمة بالذوقيات المدينية.

طبعًا لم يكن الريفيون وحدهم من حُصروا في منطقة الكليشيه، لكنَّ ظروفًا محددةً وخاصةً تخلق وضعًا غير مريح بالنسبة للريف وسكانه.

ثنائية اللؤم والحصانة

بمناسبة عيد ميلاده الثاني والستين، أجرت الإعلامية الراحلة همت مصطفى مقابلة مع الرئيس السادات قال فيها إن "العنصر الراقي أو الأرستقراطي في مصر هو الفلاح".

مثل هذا التنظير لما عُرف بـ"أخلاق الفلاحين" حظي بفترة زخمه في الحقبة الساداتية، بل وسُمح بتقدم نماذج ريفية إلى صدارة المشهد، على رأسها الشيخ الشعراوي. ففي مواجهة الحداثة الزاحفة على المدينة على وقع انفتاح لم يكن تجاريًا فحسب، وإنما ثقافيٌّ أيضًا؛ طُلب من الجماهير أن تتمسك بأخلاقيات ساكني الشمال والجنوب.

مثير للاهتمام أن تعلو نداءات الاحتفاء بأصالة الريف في نفس الفترة التي ساءت فيها أحوال ناسه، لدرجة أنهم اضطروا لهجرة مسقط رؤوسهم وتغيير أنماط حياتهم عن اضطرار لا قناعة. لكن ما هو أكثر إثارة للاهتمام أن مصطلح "لؤم الفلاحين"، في الفترة ذاتها، بدأ يواجه "أخلاق الفلاحين" كقطبي قوة.

إذا كانت "أخلاق الفلاحين" تشير إلى الأصالة والتمسك بالتقاليد ومظاهر الدين، فـ"لؤم الفلاحين" بمعناه السلبي -وإن لم يكن الوحيد- خُلق من الفضاء المديني الذي طُلب منه الاقتداء بهذا الريف، وهو مصطلح نسمعه اليوم كتعليق ساخر على أنماط الجرائم المقبولة في الريف، مثل نهب ميراث النساء وضربهن وتزويجهن طفلات.

قد يرى البعض أن أزمة التقاليد التي تختلط فيها الأصالة بالرجعية لا تقتصر حصرًا على الريف، كما أن الوصم لا يشكل بأي طريقة حلًا اجتماعيًا. غير أن الإصرار الساداتي على تمجيد هذه الأخلاقيات وحث البقية على اتباعها أثار العديد من الأسئلة. ومع استمرار التمجيد دون وجود خطة إصلاح موضوعية، تطورت الأسئلة إلى استهجان غاضب.

هذا الجدل قادنا مع الوقت إلى ما يبدو وكأنه حالة عامة من الهستيريا، فالريف أصبح "آخر" شيطانيًا أو ملائكيًا، لا وسط بينهما. والمديني المرتبط بمواقع الإعلام صار هو من يصدر الأحكام.

لكنَّ ذهاب المدينيين إلى القرية وإصدار الأحكام، أو خروج الريفيين للمدينة هربًا من سوء أحوالهم، نمطٌ سردي سائد لم يقتصر على أفلام ما بعد 1970، وقد ذكرتُ في هذا المقال أفلامًا اتّبعت هذا النمط مثل "العتبة الخضراء". فما الفرق بين أفلام العهدين؟

للحديث بقية...