هذا الطفل هو أنا.. هذا الفريق هو الأهلي
المكان: بيتنا في المنوفية
الزمان: عصر يوم جمعة عام 1992
الحدث: مباراة يخوضها الأهلي في ستاد القاهرة أمام أحد الأندية المتأخرة في جدول الدوري.
كنت في السابعة من عمري. جلست مع أبي نتابع المباراة بعدما أخبرته بإلغاء مجموعة التقوية المقررة عصر اليوم لتعرض المُدرس لظرف طارئ.
هذا لم يحدث بالطبع، زملائي الآن يجلسون أمام المدرس يشرح لهم الدرس، لكن موعد المجموعة لسوء الحظ يتزامن مع موعد المباراة ويجب عليّ التضحية بأحدهما. بالتأكيد لن أضحي بمشاهدة الأهلي.
أعرف أن المدرس أقرب أصدقاء أبي، وأنهما يلتقيان يوميًا في المساء، وأن أبي لم يصدق ما قلته، وسيسأل المدرس بمجرد لقائه ويكتشف أنني كنت أكذب، وأن عاقبة ذلك لن تكون جيدةً بالتأكيد. لكن لا يهم، نركز في المباراة ثم لكل حادث حديث.
في المساء عاد أبي إلى المنزل بعدما عرف كل شيء. ضربني وحرمني من الخروج إلى الشارع لمدة أسبوع.
بكيت بحرقة. يظن أبي أنني أبكي ألمًا من ضربه أو ندمًا على الحرمان من اللعب لأسبوع، لكن بكائي لسبب آخر؛ الأهلي تعادل بدون أهداف ولعب مباراة سيئة للغاية وواصل نتائجه السيئة وابتعد تمامًا عن المنافسة على درع الدوري.
لأجل هذا يكون البكاء.
في السراء والضراء
التحقت بالجامعة عام 2002. المناكفات بين المشجعين أصعب كثيرًا وأشرس من ذي قبل. وقتها كان الأهلي يمر بفترة كارثية، لا تختلف كثيرًا عما يسمونه عشرية الزمالك السوداء. لم يحصل الفريق على الدوري لأربع سنوات متتالية، وهو أمرٌ لو تعلمون عظيم.
في المقابل عاش الزمالك فترةً ذهبيةً أكل فيها الأخضر واليابس، وبينما ضم تشكيل الزمالك حازم إمام وعبد الحليم علي وجمال حمزة ومحمد صبري وتامر عبد الحميد وطارق السيد وحسام وإبراهيم حسن، كان رامي سعيد وروبرت أكوروي وسعيد عبد العزيز وأبو المجد مصطفى وأشرف أمين يرتدون الفانلة الحمراء.
تخيل يا عزيزي مقدار الضغط النفسي الذي يعانيه شاب جامعي أهلاوي وسط زملاء زملكاوية يحتفلون كل شهر ببطولة، ولا يطيب لهم الاحتفال إلا بالتحفيل عليك، بينما تعيش أنت على بطولة إفريقية حصلت عليها في 2001 وبطولة نخبة عربية وكأسي سوبر.
طوال هذه الفترة، لم أفوّت مباراة للأهلي. لم ينقص حبي له مثقال ذرة، لم أفقد الأمل في عودته. المضحك أنه عندما حدث وعاد، وصنع جيلًا ذهبيًا احتكر البطولات والمتعة لسنوات، قيل إن مشجعيه يلتفون حوله فقط لأنه يفوز!
العكس تمامًا هو الحاصل. قد لا يحضر جمهور الأهلي بكثافةٍ حين يكون الفريق على الطريق الصحيح، قد لا يحتفل ببطولاته بالقدر الذي تستحقه، لكنك ستجد حضوره أوضح وصوته أعلى كلما مرَّ الفريق بأزمة. هم لا يشجعونه لأنه لا يسقط، هو لا يسقط لأنهم مشجعوه.
ربما لذلك يصعب عليّ التعامل مع الأهلي باعتباره مجرد نادي كرة قدم.
هذا النادي بالنسبة لجمهوره ليس ملعبًا ولا غرفة ملابس ولا قائمة لاعبين تتغير كل عدة سنوات. الأهلي فكرة أكبر من كل ذلك. فكرة بدأت منذ 120 عامًا حين قرر مجموعة من المصريين بناء كيان خاص بهم مستقل عن نفوذ المحتل وإدارته، ثم تحول مع الزمن إلى مشروع متكامل لصناعة النجاح والتجارة في الفرحة.
نجاحه المسيطر على الجانب الأكبر من تاريخه وسيطرته على القارة وحضوره في المحافل الدولية جزءٌ من فخرنا الوطني
لا يمكن اختصار حكاية الأهلي في نتيجة مباراة أو بطولة ضاعت. البطولات جزءٌ من القصة وليست القصة كلها. القصة الحقيقية هي ذلك الإصرار الدائم على العودة، وذلك الاعتقاد الراسخ بأن المركز الأول ليس حلمًا بل نقطة البداية الطبيعية. أجيال متتالية مرت على النادي، بعضها صنع أمجادًا استثنائية وبعضها تعثر وسقط، لكن الفكرة نفسها بقيت ثابتة لا تتغير: أن تكون الأفضل ليس حدثًا مؤقتًا، بل قدر.
مشجع الأهلي لا يرث فريقًا يشجعه، بل يرث ذاكرة كاملة من الحكايات والانتصارات والانكسارات والدروس. يرث قناعة بأن النجاح لا يُمنح، بل يُنتزع بالعمل والتنظيم والصبر. لهذا أيضًا كلما تعرض الأهلي لأزمة لم يكن السؤال يومًا: هل سيعود؟ بل: متى سيعود؟
الإيمان بعودته جزءٌ من الإيمان بقدرة هذا الشعب على الفعل، نجاحه المسيطر على الجانب الأكبر من تاريخه وسيطرته على القارة وحضوره في المحافل الدولية جزءٌ من فخرنا الوطني. هذا النادي نبت هنا، تمامًا كما خرج محمد صلاح من هذه الأرض، وكما درس أحمد زويل في دمنهور، وكما حمل الأزهر لواء العِلم لألف عام، وكما حكَم بناة الأهرام العالم القديم.
عنقاء الكرة
قدَّم الأهلي موسمًا كارثيًا، لأن كل شيء بُني على باطل، لم يفعل أي عنصر في المنظومة شيئًا يقودنا إلى نتيجة مختلفة. أخطأ الجميع وفشل الجميع.
خرج الفريق بموسم صفري، خسر كل البطولات التي نافس عليها، خسر حتى فرصة اللعب في دوري الأبطال الذي كانت مشاركته فيه أمرًا مفروغًا منه وما دون فوزه باللقب فشل.
مع ذلك، انظر حولك. لو كان جمهور الأهلي يشجعه لأنه يفوز فقط لما بقي أحد اليوم. لو كانت العلاقة بين الطرفين قائمة على المكسب والخسارة وحدهما، لانفض السامر مع أول موسم صفري، ولما تحمَّل أحد سنوات الجفاف التي مرت على النادي في مراحل مختلفة من تاريخه.
لكن العلاقة أعمق من ذلك. جمهور الأهلي لا يؤمن بأن فريقه لا يتعثر، بل يؤمن بأنه قادر دائمًا على النهوض بعد التعثر. هذا الإيمان لم يولد من فراغ، بل من تاريخ طويل رأى فيه الناس هذا النادي يسقط ثم ينهض، ويخسر ثم ينتصر، ويمر بأزمات ظن البعض أنها النهاية قبل أن تتحول إلى بداية قصة أفضل من القصص السابقة.
ستجد الغضب، والنقد، والاعتراض، وربما القسوة أحيانًا، لكنك لن تجد التخلي. ستجد الجماهير التي تملأ المدرجات عندما يحصد الفريق البطولات، ما زالت هنا. تراقب، وتغضب، وتطالب بالمحاسبة، لكنها لا ترحل ولا تغيب.
بعد انتهاء مباريات اليوم الأخير وخسارة الأهلي كل شيء اتصل بي أبي، كان حزينًا وغاضبًا، حدثني عن أخطاء الخطيب وتقصير اللاعبين ودور الحكام، عن أمله الذي كان في أن تبتسم لنا الكرة في اليوم الأخير ونتأهل إلى دوري الأبطال كأضعف الإيمان، وعن خوفه من أن تمتد هذه الأزمة للموسم المقبل.
سمعت له حتى يخرج شحنة الغضب التي تملأ صدره، لكنني لم أنفعل، ولم أبك.
ليس لأن الطفل ذا السنوات السبع أصبح رجلًا تجاوز الأربعين، لكن لأن 34 عامًا عشتها مشجعًا للأهلي من وقتها علمتني أن تعثره وارد، لكن عودته أسرع من خيالاتنا.

