تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
محمد صلاح ونادين لبكي

تضحيات محمد صلاح ومقاومة نادين لبكي

منشور الأربعاء 17 حزيران/يونيو 2026

بمناسبة نهاية مشواره مع نادي ليفربول، قال محمد صلاح في لقاءٍ إعلانيٍّ مُصوَّر "الموضوع صعب قوي.. إن أنت بتضحي بلحظات شبابك، وبتضحي بحاجات كتيرة عشان خاطر تفضل تدي بشكل كويس. وتتمرن تلات مرات في اليوم. أحب أقول لهم (الجمهور) إن أنا.. الحمد لله إن أنا كنت قدرت أعيشكو حاجة كويسة وقصة خيالية. الناس.. ممكن ماكانتش تفكر إن هي تبقى موجودة. ولا أنا شخصيًا فكرت إنها ممكن تكون موجودة في وقت من الأوقات. وعشناها بأحسن حاجة ممكن تتعاش. وأنا فخور جدًا بحاجة زي كده. وإن شاء الله يكون في المستقبل فيه ناس تقدر تعمل اللي أنا عملته وأحسن".

قبل بث كلمات صلاح بأيام قليلة، خاطبت السينمائية اللبنانية نادين لبكي جمهور حفل ختام مهرجان كان. دارت كلمتها حول مأساة شعبها، مُصورةً إياها وكأنها الوحيدة في منطقتنا، وبأنها قدر لبنان منذ نشأته، دون أن تحدد المتسبب/المتسببين في هذه "المأساة القدرية"، فيما تواصل إسرائيل تدمير لبنان وتحتل جنوبه.

هذا الجانب من كلمة نادين لبكي حول المأساة القدرية موجه لجمهور أوروبي لا يعرف، وغالبًا لا يريد أن يعرف حقيقةً، عن مآسي شعوب الشرق مع الاحتلال. لكنها خاطبتنا ضمنيًا، في محاولة لأن نشعر بالفخر لحضورها ونجاحها، حين قالت إن لبنان "رغم صغره وجراحه، يُواصل الإبداع والغناء وصناعة الأفلام كفعل مقاومة". وأن الفن "وسيلة للتعبير عن الصمود والاستمرار"، وتعبير عن إصرار لبنان على الحياة.

قبل صلاح ولبكي بأكثر من عقدين، في أحد مشاهد فيلم يوسف شاهين إسكندرية نيويورك (2004)، يقول يحيى شكري مراد/محمود حميدة، المفترض أنه المعادل الدرامي للمخرج، لزوجته "السعادة يا جين.. إنك تحسي إنك ملك ناس تانيين.. ناس غلابة.. فقرا.. يمكن حد فيهم يشوفني وأنا بستلم جايزة.. يفرح.. يقول ده من بلدنا.. دي عندي بالدنيا كلها.. تديني قوة تخليني أتحدى أكتر".

استبدالية الذوات

محمد صلاح مع قائد ليفربول السابق ستيفن جيرارد عام 2018.

يدعونا الخيال أن نتصور كلمات محمد صلاح ونادين لبكي وكأنها مستوحاة مما قاله قبلهما يوسف شاهين. لكنني لا أعتقد في جموح هذا الخيال، رغم تقاطع أحاديث الثلاثة. وإن كان شاهين أكثر تعقيدًا فيما يطرحه إن وضعنا كلمات يحيى تلك في ضوء ما طرحه المخرج في أفلامه السابقة، ومواقفه السياسية وانحيازاته، المناقضة لما يقوله يحيى لزوجته.

رغم أن لبكي لا تتحدث عن نجاحاتها بمباشرة، مثلما يفعل محمد صلاح مصورًا إياها بأنها "قصة خيالية عشناها بأفضل شكل"، أو كما يفعل يحيى بإشارته للجوائز؛ فإنها بخطابها ذاك تقف على نفس الأرضية؛ أن النجاح الفردي للمبدع، للرياضي، للمشهور، للمتفوق، يتحول تلقائيًا لنجاح وتحقق لجمهوره. وكأن ذات الفرد تلتقي في منطقة متخيلة بذات الجمهور ككتلة، وليس كأفراد، لتسعدها، بعد أن ضحى الفرد من أجل جمهوره.

يتحدث محمد صلاح عن تضحية، ويشترك مع يحيى في الحديث عن إنجاز لإسعاد الجمهور، الفقير في حالة يحيى، الذي سيرى في حصوله على جائزة مدعاة للفخر. لكن نادين لبكي تستعين بكلمة تبدو أسمى من كل هذه الكلمات، وهي كلمة "مقاومة"، "مقاومة لبنان بالفن".

يصعب تجاهل التوقيت، وتزامن حديثها في مهرجان كان مع عدوان دموي على شعبها، يقاومه طرف وحيد نعرفه كلنا، قبلناه أو رفضناه، وهو مقاتلو حزب الله في الجنوب. وإن تجاهلنا أن هناك فعلًا مقاومة مسلحة لبنانية، سيتبقى لنا أن الفن، صناعة فيلم، هو فعل مقاومة بدوره. وكأن الشعب اللبناني هو من يصنع هذا الفن، ويرفعه، ويضعه في مصاف المقاومة، ويحمله أحيانًا للمهرجانات الأوروبية الأنيقة.

الفن ليس مقاومة. إنه فعل فردي. ربما تكون ممارسته مقاومة فردية ضد الاكتئاب على سبيل المثال، أو الوحدة. صحيح أن المنتج الفني يعبر بالضرورة عن الموقف السياسي لصانعه، وانحيازاته "الشخصية"، تجاه القضايا أو المسائل التي يتناولها عمله أو يتجاهلها. لكن المقاومة بالفن، كفعل مجتمعي، جماعي، مثل الذي تتحدث عنه نادين لبكي لتمنحه قدسية، فنادرًا ما يحدث.

هناك درجة من النرجسية تدفع صلاح لاعتبار مساره تضحية من أجل آخرين

تتحقق المقاومة بالفن في لحظات نادرة في التاريخ، حين تنتشر الممارسة الفنية بين الجموع في لحظة حراكها الاجتماعي والسياسي، لدرجة أن نلاحظ حضور الفن كفعل مجتمعي يمارسه الكثيرون. ولتوضيح هذا المعنى، ربما يكون المثال الأقرب لهذه الحالة فن الجرافيتي في شوارع الثورة المصرية 2012/2011. ربما نستطيع القول هنا إن الفن كان نوعًا من المقاومة والثورة والتحدي السياسي، جماعي في إبداعه وتنفيذه وحمايته.

النجاح الفردي لنادين لبكي كفنانة منفصل إنتاجيًا وثقافيًا عن جموع اللبنانيين. إنه نجاحها هي، وليس مقاومة الشعب اللبناني. مثلما لم يُضحِّ صلاح بشبابه، في أية لحظة، من أجل جماهيره الواسعة، المصرية أو العربية أو الإنجليزية. بل ضحى من أجل رحلة نجاحه المهنية الشخصية، أن يتحقق كلاعب من بين الأفضل في العالم، وأن يحقق مع هذا النجاح الشخصي الشهرة والثروة.

قلت قبل سطور إن حالة يوسف شاهين أكثر تركيبًا وتعقيدًا إن رأيناها في ضوء ما قاله في أفلام سبقت "إسكندرية نيويورك"، وبمباشرة أحيانًا، عن دور الفن والسينما، ودور المثقف والفنان، في حياة شعبه. بأصالة، لا تقارن بجملة يحيى لزوجته، كان الفن عند شاهين أداة لإيقاظ الناس، لفتح عيونهم، لتحريضهم على رفض الاستغلال والقمع، وأن يروا واقعهم بصدق أكبر. وليس من أجل أن يفخروا به إن نال جائزة. 

هناك في تقديري درجة من النرجسية تدفع محمد صلاح لتصوير مساره كتضحية من أجل آخرين في نهاية مشواره مع ليفربول، وقبل المشاركة المصرية في كأس العالم. إنها النرجسية ذاتها التي تجعل نادين لبكي تتحدث باسم شعب، مجهلة المتسبب في معاناته، واضعة الفن، وضمنيًا فنها، في مكانة سامية باعتباره مقاومة هذا الشعب، مستبدلة ذات الفنان بذات الشعب. وكلمات المخرج يحيى تنبع غالبًا من هذا الشعور بالعظمة والأهمية. حيث يتحول المشهور/الناجح/المبدع لبديل عن ذوات الجماهير كأفراد. يصنع من هذه الجماهير ذاتًا موحدةً ككتلة، تراه هو، وترتفع ذاته لمرتبة أن تصبح على قدر الجماهير ومستواها، وكأن الذات الفردية وصلت لحالة أسطورية من التفوق والسمو.

الجوع للمجد والخلود

المزج بين ذات الفرد وذوات الجموع بعد توحيدها، الاستبدادي إن رأيناه في حقل السياسة حين يتحد الزعيم بالوطن وتغيب الفروق بينهما، يبدو أحيانًا تواضعًا من جانب الفنان أو الرياضي. لكنه تواضع كاذب، يحاول من خلاله أن ينال التصفيق الأخير الأكثر دويًا؛ "لقد فعلتها، نجحت من أجلكم. صفقوا لي بضوضاء أعلى من كل ما سبق".

علينا التصفيق ساعتها، وأن ننسى تمامًا أنه فعلَ ذلك من أجل ذاته وذوات أفراد عائلته والمقربين منه بالدرجة الأولى، وهذا حقه. وإن كان الفنان والفنانة والرياضي قدموا لنا لحظات سعادة صافية، فهي حقيقة أيضًا، لكنهم أخذوا مقابلها نجاحًا وشهرةً وجوائزَ وأموالًا.

يظهر المزج الاستبدالي في لحظات النجاح الكبير والتحول؛ لاعب كرة القدم العربي الأكثر عالمية يُنهي مساره المبهر مع نادٍ أوروبيٍّ كبير. السينمائية اللبنانية تقف على منصة مهرجان كان من جديد. السينمائي يحيى يختتم مشواره بعد أكثر من نصف قرن قدم خلالها عددًا من أهم الأفلام في تاريخ السينما المصرية والعربية. فتأتي هذه العبارات ليس فقط لاستدعاء المزيد من التصفيق، بل أيضًا لوضع جوهرة في ختام المسيرة، أو في أحد محطاتها الفارقة، لا تسمح بالحوار الجاد والنقدي حول هذه المسيرة.

يخيل لي أن هناك ما هو أبعد من ذلك، فربما يعبر هذا النوع من التصريحات عن أزمة حقيقية يعيشها الشخص الناجح، لا يصرح بها، وهي افتقاده للتقدير والاعتراف ممن ينتظر منهم ذلك، أكثر من أي طرف آخر، لكنه لا يأتي. فيحاول أن يجعل من الفرجة الجماعية، فرجة الجمهور عليه كشخص ناجح يصنع مجدًا فرديًا، التحامًا بينه وبين الجمهور.

في حالة صلاح؛ ينتظر تقديرًا من جمهوره المصري والعربي المنقسم حول أدائه الكروي مع المنتخب المصري خلال السنوات الأخيرة. وعلى مستوى آخر، انتظر منه مواقفَ شجاعةً في بعض اللحظات، وبخل بها من أجل مساره الفردي. وفي حالة لبكي فهي ترجو اعتراف القطاع الثقافي، غير التجاري، اللبناني والعربي بها كفنانة سينمائية كبيرة، بعيدًا عن التحقق الأوروبي الذي تعلم هي جيدًا خضوعه لكثير من الحسابات، ومرتبط  بالمضمون والجو الاستشراقي الذين تداعب أوروبا بهما. 

أما في حالة يوسف شاهين، فربما تكون عبارة يحيى تعبيرًا جديدًا عن أزمة قديمة اعترف بها بصدق في أفلام سابقة، من بينها حدوتة مصرية (1982)، وإسكندرية كمان وكمان (1989)، وهي اهتمامه الشديد بالجوائز والمهرجانات. فيأتي في ختام المسيرة، في سن الشيخوخة، ليذكرنا بأنه فاز سابقًا بجوائز كبرى، ومنحنا السعادة حين نالها، في وقت تجاهلت المهرجانات مرحلته الأخيرة، بعد فيلم المصير (1997). فيعبر عن أزمته القديمة نفسها وإن كان بطريقة عكسية.

ولأن شاهين قدم الكثير فعلًا لهذا الجمهور، أكثر من لحظات الفرحة العابرة حين يحصل "فنان بلدنا" على جائزة، كان تعبيره الأكثر عفوية في تقديري. فهو لا يدعي أن الفن مقاومة مثل لبكي، ولا يدّعي مثل محمد صلاح أنه ضحى بشبابه من أجل جمهور لم يتحدث معه أو بلسانه في زمن الإبادة، وحين فعل، تحدث بميوعة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.