تصميم سيف الدين أحمد، المنصة 2026
خوان خويتيسولو

الخيانة على نهج خوان جويتيسولو

منشور السبت 20 حزيران/يونيو 2026

كان الصحفي والمفكر والروائي الإسباني خوان جويتيسولو (1931-2017) منجذبًا لكل ما يخص حضور الثقافة العربية، خاصة بلاد المغرب العربي، في الثقافة الإسبانية، سواء في اللغة أو العمارة، وأيضًا في التشابه النفسي بين الثقافتين، وكان على قناعة أنه لا يمكن فهم الأدب الإسباني من دون فهم التاريخ والأدب العربيين.

عندما اندلعت الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) كان جويتيسولو في الخامسة. ومع بلوغه العشرين عام 1956، أثناء حكم الجنرال فرانكو، فرَّ إلى باريس التي اختارها منفىً اختياريًا. وهناك التقى بشريكة حياته الكاتبة الفرنسية مونيك لانج، ولم يعد إلى بلده إلا بعد زوال هذا الحكم الديكتاتوري.

عُرف بمناصرته لقضايا العرب والمسلمين خاصة القضيتين الجزائرية والفلسطينية. أثناء إقامته في باريس كان يُخفي في بيته المناضلين الجزائريين الفارين، بل ويدير أحد صناديق المال الخاصة بمنظمة التحرير الوطني الجزائرية.

كان الترحال نحو عواصم الشرق أحد نزوعات حياته، وفي النهاية اختار العيش في مراكش ودفن هناك في مقبرة العرايش بجوار صديقه الكاتب الفرنسي جان جينيه.

في انطولوجيته عن أدب أمريكا اللاتينية، يرى الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس أن جويتيسولو يعتبر الكاتب الإسباني الذي ارتبط أكثر بالمعالجات الأمريكية-اللاتينية للغة والعمل والأدبي.

الخائن/البطل دون خوليان

الكاتبة الفرنسية مونيك لانج زوجة جوسيليو (1926-1996)                                          

سمح له العيش أغلب حياته خارج وطنه، بمسافة حرة للتفكير في ثوابت ثقافته الإسبانية. في إحدى جولاته في طنجة كان يشاهد الساحل الإسباني من الجهة الأخرى. هذه النظرة من الخارج سمحت له بنقد جذري للتاريخ الإسباني، وبدأ يتبلور الدور الذي سيلعبه أحد أبطال روايته الشهيرة مطالبات دون خوليان 1970.

خطرت على باله خلال تجواله، فكرة جريئة، أن يمنح البطولة لـ"دون خوليان"، تلك الشخصية الرمزية التي تعتبر مزيجًا بين الحقيقة والأسطورة، والتي تتعامل معه المخيلة الإسبانية التقليدية كخائن كونه سَهَّل احتلال العرب لإسبانيا في القرن الثامن، ليس هذا فقط، بل حوله إلى بطل رمزي.

أعاد جويتيسولو كتابة تاريخ إسبانيا من جديد من وجهة نظر هذا البطل/الخائن الذي اتخذه قناعًا لراوٍ مجهول الاسم يعيش في طنجة عبر يوم واحد في حياته ساردًا تسكعاته وتجديفاته، وذكرياته.

قلب جويتيسولو في روايته الصورة النمطية لهذا البطل الرمز في مخيلة الإسبان، وجعله بطلًا أسطوريًا للتمرد والخيانة العظمى، ينقد الأفكار والأساطير التي قامت عليها الهوية الإسبانية القومية. فهذا الراوي المنفي كان يرفض كل ما تمثله إسبانيا التقليدية، سواء لغتها المقدسة، أو تاريخها الرسمي، بجانب فكرة "نقاء الدم"، والهوية القومية المغلقة.

يصبح دون خوليان رمزًا لـ "الخيانة الخلّاقة" (كما يسميها جوجل) وهو مصطلح له جذور أيضًا في حقل الترجمة، ويخص ضرورة خيانة النص الأصلي لصالح الوصول للمعنى الحقيقي له. وهو المفهوم الذي تبلور عبر هذه الرواية، أي خيانة/نقد للموروث الثقافي للراوي، يتم من أجل تحرير ذاته من كل الأساطير الكاذبة. فهذه الخيانة المتعمدة التي يقوم بها الراوي وقناعه تجعله يرى أهمية الجانب العربي داخل هذا الموروث، الذي حاولت السلطة استبعاده. ومُنعت هذه الرواية من النشر في إسبانيا في عهد فرانكو بسبب هذا الحس النقدي المناهض للقومية والكاثوليكية الرسمية.

سلسلة خيانات خلاقة

كانت حياة خوان جويتيسولو سلسلة من "الخيانات الخلاقة"، الذي يبحث فيه عن حق الآخر المستضعف، سواء داخله أو خارجه، بل يقوم بكسر أي إيهام للتطابق مع القوة/السلطة أيًا كان موقعها.

في حفل تكريمه من ملك إسبانيا بمناسبة حصوله على جائزة ثيربانتس 2014، يقفز على البروتوكول، ويخون القواعد البرجوازية، يعلق ساخرًا بأنه لن يلبس الملابس الرسمية لأنه لن يذهب إلى حفل تنكري! ارتدى الملابس العادية اليومية، مع إضافة ربطة العنق الوحيدة التي يمتلكها ولم يستخدمها منذ كان في الخامسة والثلاثين. في الخطاب الذي ألقاه يخون أيضًا الملك، فلم يبدأ خطابه بتحيته، لكنه وجه التحية لأهل مراكش الذين يعيش وسطهم.

الصحفي والمفكر والروائي الإسباني خوان جويتيسولو (1931-2017)

في رحلته للأراضي المحتلة لإنجاز فيلم تسجيلي لصالح التليفزيون الإسباني عن انتفاضة الحجارة الأولى 1987، كتب له السيناريو وأشرف على تصويره؛ خان أيضًا خطاب الاحتلال، وكشف عن حبه للفلسطينيين ومدى الظلم الذي يقع عليهم.

ولكنه كان يخشى، أثناء زيارته كما ذكر، أن تأتي الخيانة من إحدى هذه الأحجار، من هذا الجانب الذي ينتمي له نفسيًا. وقد أصيب بالفعل بعض أفراد طاقمه، بسبب شك الأطفال وأهاليهم في كونهم مراسلين مزعومين أرسلهم جهاز "الشين بيت" للتجسس عليهم. 

يخون جويتيسولو حاجته للمال ويرفض جائزة القذافي عام 2009، وقيمتها 200 ألف دولار، لارتباطها باسم ديكتاتور. ولكن ظروف الحياة فرضت عليه قبول جائزتين إسبانيتين في سنواته الأخيرة: الجائزة الوطنية للآداب الإسبانية 2008، وجائزة ثيربانتيس للآداب 2014، لكنه لم يكن راضيًا في قرارة نفسه عن هذه التنازلات الاضطرارية التي أشعرته بخيبة عميقة وعانى من حالة اكتئاب رافقته حتى آخر حياته.

ربما لأنه أصبح يرى خيانته غير خلاقة، تسير في اتجاه واحد. كان يرى صورته بوصفه المتمرد الجذري الذي يزهد في أي احتواء رسمي أو غير رسمي، سواء من مؤسسة أو دولة.

كان لهذا التنازل أسبابه في حياته، من أجل أن يؤمن العائد المادي ليكمل رحلة تبنيه لثلاثة أبناء مغاربة لأخوين، وأرملة أحدهما، والإنفاق على دراساتهم العليا. قبل حصوله على هذه الجوائز، ولكي يوفر المال اللازم، كتب وصية يطلب فيها الموت الرحيم حتى لا يبدد نقوده على المرض فلا يتبقى شيء لهؤلاء الأبناء. فقد أخذت مدخراته وعائدات كتبه تقل مع تراجعه في قائمة إصدارات دور النشر، وفي الوقت نفسه لم يرد أن يكرر نفسه في الكتابة.

لكن هذه الوصية لم تنفذ بسبب رفض العائلة المغربية، أو "القبيلة" كما كان يسميها، والذي اشترى لها عام 1997 إحدى الرياضات (منزل مغربي تقليدي) في مراكش ليعيش معهم فيها. 

في كل خطوة من حياته، كان خوفه يزداد من أن يخون حياته نفسها، التي لا تقبل الازدواج، فقد كان يعاملها بدون تورية وباستقامة صارمة. وقد أفصح عن فلسفته هذه في كتابه رحلات إلى الشرق حين كتب "الحياة عندما تعاش بأصالة ويُضطلع بها كمغامرة، تأتي في الغالب لنجدة الأدب ولتجذيره".

ساحل الموت المصري

مقابر النصر في القاهرة

في زيارته للقاهرة عام 1986، قصد مدينة الموتى، القرافة التاريخية أسفل جبل المقطم. لم ينس جويتيسولو هذا النوع من الخيانة الخلاقة التي لازمته في تفاصيل حياته. رغم كراهيته للزحام والفوضى والكيتش الذي فرض سيطرته على المدينة؛ فإنه عثر على الحياة وسط كل هذا في زيارته لوسط المدينة التي وصفها بأنها "تضع المسافر في احتكاك مباشر مع جذور الحياة... ففي داخل هذه المدينة هناك شيء يحدث دائمًا"، وبالطبع بعكس شوارع أوروبا الساكنة، كانت الخيانة المتعمدة للثقافة والحياة الأوروبية.

يصف القاهرة كسبيكة تجمع الحياة والموت معًا "تبدو القاهرة  كما لو اكتشفت سر حلقة غير منقطعة من التجديد تمتزج فيها الحياة والموت حتى ليشكلا كلًّا واحدًا".

داخل الموت اكتشف منابع الحياة. عند زيارته لمدينة الموتى، وجد مظاهر الحياة، كما يقول، شديدة القوة.

داخل مقبرة الخليفة لا يجد فرقًا بين الأحياء الذين يسكنون المقابر والأموات الراقدين أسفلها، فالمسافة بينهما "مسألة وقت"، هذا التماهي بين النقيضين الحياة والموت، كما بين الخائن والمتمرد، وقلبه الخيانة إلى فضيلة تكشف الجوانب المخفية، فالموت هنا يعري الحياة، وكما عرى دون خوليان تاريخ إسبانيا من ساحل طنجة، كان جويتيسولو يقرأ الحياة في القاهرة من مقابرها.

يقضي ليلة في أحد المدافن بجانب حارسها "الليل المظلم كان أكثر إشعاعًا من سطوع الظهيرة"، ربما هي الحقيقة، في هذه الليلة نعم جويتيسولو بلحظات سعيدة من السلام النفسي، عالجت قلقه المزمن المتراكم بسبب التسلل الدائم لتاتانوس إله الموت عند الإغريق.

انسحبت من نفسه كل المنغصات والمخاوف من السرطان والشيخوخة ولم يعد لها كثافة "لتزن داخل المدفن مثقال ذرة". أصبح الموت له رمزية بطله "دون خوليان"، المتمرد الخائن، الذي يعري به، من ساحل الموت المصري، في نفسه كل منغصات الحياة ومخاوفها وسرطانها، وشيخوختها.