هل تنجح الحكومة في تحدي 2028 للطاقة المتجددة؟
في مايو/أيار الماضي، أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن حكومته قررت رفع نصيب الطاقة المتجددة من إجمالي مزيج الطاقة الكهربائية إلى 45% بحلول عام 2028، بدلًا من نسبة الـ42% التي استهدفت استراتيجية الحكومة السابقة تحقيقها بحلول 2030
اللافت في هذا التعديل هو توقيت الإعلان عنه، بعد شهرين من الحرب الأمريكية على إيران التي دفعت العديد من الحكومات نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة، بعدما أظهرت أزمة مضيق هرمز حجم المخاطر المحتملة من انقطاع تدفق الطاقة التقليدية.
فإذا كانت الشمس والرياح لازمتين لتأمين الطاقة في عالم ما بعد غلق مضيق هرمز؛ هل أهداف 2028 قابلة للتحقق في مصر؟
ضرورة في ظل المخاطر
يُقدر مصدر مطلع بوزارة الكهرباء الإسهامَ الفعليَّ لمحطات الطاقة المتجددة في الإنتاج بنسب تتراوح بين 12% و15% بحسب الظروف التشغيلية ومعدلات السطوع الشمسي وسرعات الرياح، ما يعني أن النسبة المستهدفة لنصيب الطاقة المتجددة في المزيج المنتج للكهرباء ستصبح ضعفي المعدلات الحالية.
ويدعو مصدر ثانٍ بهيئة الطاقة المتجددة لأن نأخذ في الاعتبار عند قياس حجم الطاقات المطلوب إضافتها للوصول لنسبة 45%، أن الطلب على الكهرباء يزداد في مصر سنويًا، ما يعني تصاعد التحديات بشكل مستمر مع ارتفاع الطلب.
ويتوقع مصدر هيئة الطاقة المتجددة، الذي تحدث لـ المنصة طالبًا عدم نشر اسمه، أن ترتفع "قدرات الشبكة القومية للكهرباء التي تتجاوز حاليًا 65 جيجاوات إلى ما بين 75 و80 جيجاوات بحلول 2028 مع نمو الأحمال السكانية والصناعية".
ويؤكد على أنه حال الاعتماد على طاقتي الشمس والرياح للوصول للنسبة المستهدفة، فإن ذلك يتطلب إضافة قدرات ضخمة تتراوح بين 28 و35 جيجاوات، فوق القدرات الموجودة حاليًا.
يراهن المسؤولون الحكوميون على المشروعات الكبرى للاقتراب من أهداف 2028
بدوره يشدد مصدر ثالث في الشركة القابضة للغازات لـ المنصة أن رفع نصيب الطاقة المتجددة بات ضرورةً بعد مخاطر تأمين الطاقة التقليدية التي كشفتها حرب إيران، بالإضافة لإسهامه في تخفيف العبء المالي الكبير لاستيراد الغاز.
ويؤكد المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه أن "الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة إلى 45% من مزيج الكهرباء بحلول عام 2028 سيخفض استهلاك محطات الكهرباء من الغاز الطبيعي بنحو 6 مليارات متر مكعب سنويًّا مقارنة بمستويات الاستهلاك الحالية".
الرهان على المشروعات الكبرى
يضع المسؤولون الحكوميون ثقتهم في المشروعات الكبرى التي وقعتها الحكومة مؤخرًا مع شركات دولية في الاقتراب من أهداف 2028، فخلال الفترة من 2023 إلى العام الحالي، أُعلن عن إقامة أكثر من محطة عملاقة في مجال الطاقة المتجددة بالتعاون مع شركات دولية، آخرها كان مشروعًا لطاقة الشمس والرياح بقدرة 10 جيجاوات مع شركة أبنجوا الإسبانية في ديسمبر/كانون الأول 2025.
المشروعات الضخمة تستغرق وقتًا طويلًا للإنشاء، ما يثير الشكوك حول قدرتها على اللحاق بأهداف 2028
سبق ذلك الإعلانُ عن مشروعات في مجال الطاقة الشمسية والرياح بقدرة 10 جيجاوات لكل مشروع، مع كل من الشركة الصينية لمعدات وتكنولوجيا الطاقة الكهربائية وشركة مصدر الإماراتية وشركة أكوا باور السعودية.
لكن المشروعات الضخمة تستغرق وقتًا طويلًا للإنشاء، ما يثير شكوكًا حول قدرتها على اللحاق بأهداف 2028، إذ لم يعلن بعد متى سيبدأ مشروع أكوا باور في العمل بالرغم من تسليم الأرض الخاصة به منذ 2023، الأمر نفسه في مشروع الشركة الصينية، بينما تعهد المسؤول عن مشروع "مصدر" الإماراتية بأن تبدأ المحطة في العمل في 2027 دون أن يحدد حجم الطاقة التي ستولدها في بداية التشغيل.
من الأمثلة البارزة على طول مدة التنفيذ مشروعُ توليد الطاقة النووية في "الضبعة"، الذي بدأ في 2015، ولا يزال بعد أكثر من عقدٍ خارج مزيج الطاقة في الوقت الراهن، ومن المتوقع أن تتسلم الحكومة أول مفاعل فيه نهاية 2028 وتقتصر قدراته على 1.2 جيجاوات.
ورغم أن حجم المشروعات الجاري تطويرها حاليًا يقارب المستهدف المطلوب على الورق، فإن التحدي الحقيقي بالنسبة للخبير في مجال الطاقة، مدحت يوسف، يتمثل في سرعة التنفيذ الفعلي وربط المشروعات بالشبكة الكهربائية خلال الإطار الزمني المحدد.
أيضًا يشير المصدر بالكهرباء إلى أن هذه المشروعات قد تتعرض لعقبات تؤخر تنفيذها، أو "تقلبات على مستوى الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد وكذلك تدبير قروض المشروعات".
مبادرات لمحاصرة الطاقة التقليدية
إلى جانب المشروعات الكبرى، أطلقت الحكومة عددًا من المبادرات بهدف تحفيز المنتجين الصناعيين ومقدمي الخدمات على استخدام الطاقة المتجددة، ما يعزز من فرص الاعتماد على أشكال الإنتاج الذاتي للطاقة المتجددة أو الاعتماد على إنشاء محطات خاصة للطاقة الشمسية.
من ضمن هذه المبادرات، ربط رخصة تشغيل المصانع بتوفير 25% من طاقة المصنع عبر الطاقة الشمسية، وإلزام الشركات العاملة في القطاع المالي بالإفصاح عن نسبة الانبعاثات الكربونية الصادرة منها وتعويض 20% من هذه الانبعاثات عبر شراء شهادات خفض الانبعاثات الكربونية.
كما صدر قرار من وزير الاستثمار هذا العام يلزم شركات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والأسمنت والحديد بتوفير تقارير عن الانبعاثات الكربونية الصادرة منها، ما يتيح إخضاع تلك الشركات لشروط تفرضها الدول المستوردة مثل الاتحاد الأوروبي بوضع حد للانبعاثات الصادرة خلال عملية التصنيع، ما يؤدي فيما بعد لإلزام تلك الشركات بتقليل اعتمادها على الغاز وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة.
هل تساعدنا البنية الاساسية؟
الجهود السابقة على قدر أهميتها قد تقف في طريقها مشكلات على رأسها قصور البنية الأساسية، ما يحد من فرص زيادة نصيب الطاقة المتجددة، حسب تقدير الباحث في مجال الطاقة محمد يونس.
يؤكد يونس لـ المنصة، على عدم قدرة شبكة توزيع الكهرباء الحالية على استيعاب الطاقات الجديدة الجاري إنشاؤها في مجالي الطاقة الشمسية والرياح، ويضرب مثالًا بمشروع مجمع بنبان الذي أسسته الدولة في أسوان ليكون تجمعًا للشركات المحلية يحفزها على العمل في إنتاج الطاقة الشمسية؛ إذ تعرض المجمع الشمسي لأول اختبار حقيقي لدمج قدرات كبيرة نسبيًا من الطاقة المتجددة في شبكة الكهرباء القومية، وبالفعل تأخر ربطه المجمع بها حتى بنيت أربع محطات محولات مخصصة للموقع أواخر 2019.
استيعاب عشرات الجيجاوات الجديدة من الطاقة المتجددة يتطلب توسعات إضافية ضخمة في خطوط النقل والمحطات
يشير يونس هنا إلى أن مصر أبرمت اتفاق قرض هذا العام مع الاتحاد الأوروبي لتحديث الشبكة الرئيسية للكهرباء، لكن هذه الجهود تظل أقل بكثير من التحديثات المطلوبة.
بدوره، يشير المصدر بالكهرباء لتحدياتٍ مشابهةٍ لما يطرحه يونس، فرغم التطوير الكبير الذي شهدته الشبكة خلال السنوات الماضية، فإن استيعاب عشرات الجيجاوات الجديدة من الطاقة المتجددة يتطلب توسعات إضافية ضخمة في خطوط النقل والمحطات.
أيضًا يؤكد مصدر مسؤول في إحدى الشركات المحلية لتصنيع مستلزمات الطاقة الشمسية، على أن الحكومة لا تزال عاجزة عن خفض تكاليف إنتاج الطاقة المتجددة في مصر، ما يحد من فرص التوسع في الاعتماد عليها.
"تكلفة إنتاج الطاقة الشمسية في مصر حوالي 0.03 – 0.06 دولار/كيلو وات ساعة، بينما في بعض دول الجوار تدور في مستوى 0.01 – 0.02 دولار/كيلو وات ساعة، بسبب الضرائب والجمارك على بعض مكونات المحطات القادمة من الخارج لصالح شركات القطاع الخاص"؛ يقول المصدر الذي طلب عدم نشر اسمه لـ المنصة.
إجمالًا، خطط الحكومة لتعظيم دور الطاقة الشمسية قد تكون أنسب الحلول لمواجهة مخاطر تأمين الطاقة في عالم ما بعد الحرب الإيرانية، لكن إمكانية تحقيق هذه الخطط يظل محاطًا بالشكوك.

