تصميم: أحمد بلال
تواجه السكك الحديدية ضغوطًا مالية بسبب فوائد الديون المحتسبة عليها.

"الإصلاح" أكلته الديون.. زيادات تذاكر السكة الحديد بدون مكابح

منشور الأحد 9 آب/أغسطس 2026

في السنوات الماضية، كان لكل زيادةٍ جديدةٍ في أسعار تذاكر القطارات ما يبررها بين الرغبة في انتشال هيئة السكك الحديدية من دائرة الخسائر، وعدم الإثقال على الموازنة العامة. بالفعل ولأول مرة منذ سنوات طويلة نجحت الهيئة في تحقيق فائض وصلت قيمته في العام المالي المنتهي في يوليو/تموز 2025 إلى 722.2 مليون جنيه، حسب مصادر بالهيئة تحدثت لـ المنصة.

لكن رغم هذا، وبعد عام تقريبًا من تحقيق هذا الفائض، عادت الهيئة لرفع أسعار التذاكر من جديد، هذه المرة الأسباب مختلفة، من بينها تراكم الديون إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، بينما يرى حقوقيون أن دعم تذاكر السكك الحديدية أولوية حتى ولو على حساب عجز الموازنة العامة.

 إصلاح خرج عن المسار 

قبل نحو ستة أعوام بدأت هيئة السكك الحديدية صفحةً جديدةً بتحويل سياسة الاستدانة للاعتماد على القروض البنكية، بعد أن كانت تعتمد بالأساس على السحب على المكشوف من جهات تابعة للدولة، أبرزها بنك الاستثمار القومي.

"كنا بنسحب كل احتياجاتنا لتوفير قطع الغيار، وسداد المرتبات، وتغطية تكاليف التشغيل، وتنفيذ المشروعات، لكن قبل نهاية العام المالي 2019-2020 قررت الحكومة وقف هذا النظام، وأصبحت الاحتياجات التمويلية تُوفر في صورة قروض من البنوك المحلية بضمانة وزارة المالية"، يقول عضو مجلس إدارة بالهيئة لـ المنصة.

الهدف من هذه الخطوة هو أن تكون سياسات الاستدانة أكثر رشدًا، كما يشرح المصدر المسؤول، الذي طلب عدم نشر اسمه، بالنظر إلى أن الاقتراض البنكي يتم على أساس دراسات للجدوى متأنية عكس السحب على المكشوف.

بدأت "السكك الحديدية" في فض علاقاتها المالية مع بنك الاستثمار القومي قبل سنوات، ضمن خطة أكبر لفض التشابكات المالية بين البنك الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي وباقي الجهات الحكومية المقترضة منه، وهو ما ساعد الهيئة في خفض مديونيتها القديمة بشكل كبير، حسب مصدر ثانٍ في مجلس إدارة الهيئة تحدث لـ المنصة.

يقدِّر المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن مديونية السكة الحديد لصالح بنك الاستثمار القومي وصلت لـ80 مليار جنيه، أسقطت 10 مليارات منها في 2016، وحصل البنك على أراضٍ من السكة الحديد بما يعادل 44 مليارًا في عام 2021، ثم أُسقطت 26 مليار جنيه في إطار خطة فض التشابكات المالية للجهات الحكومية".

إلى جانب ذلك، يشتمل التصور الجديد أن تتحمل الهيئة سداد فوائد القروض فقط على أن تسدد وزارة المالية أصل القرض كنوع من الدعم، وهي السياسة التي بدأ تطبيقها في 2021-2022، كما يؤكد المصدر  الأول.

هذه الإصلاحات المالية تزامنت مع زيادات متوالية في أسعار التذاكر لرفع إيرادات الهيئة، خلال أعوام 2020 و2023 و2024 و2025. لكن بمجرد تنظيف السجلات القديمة عادت لتمتلئ بالأعباء المالية من جديد، ففي سبيل تحقيق طموحات وزير النقل المستمر منذ تلك الفترة، كامل الوزير، لتنفيذ تحديثات بالبنية الأساسية لشبكة النقل بوتيرة متسارعة، أُبرمت تعاقدات بقروض كبيرة خلال فترة قصيرة، ما رفع من تكلفة خدمة الدين القائم على الهيئة.

"خلال الفترة من 2019-2020 وحتى نهاية العام المالي 2024-2025 تراوح متوسط قروض الهيئة سنويًّا بين 15 و25 مليار جنيه"، وفق تأكيد المصدر الثاني.

نماذج لاتفاقيات التمويل الكبيرة لهيئة السكك الحديدية
السنة قيمة التمويل العملة غرض التمويل جهة الإقراض
2020 1.16 مليار يورو شراء 1300 عربة سكة حديد  البنك المجري للتصدير والاستيراد وبنك الدولة الروسي المتخصص في التصدير والاستيراد
2020 602 مليون دولار توريد 110 جرارات وتطوير و81 جرارًا البنك الأوروبي لإعادة الإعمار
2021 466.1 مليون دولار توريد 50 جرارًا جديدًا وتحديث 50 جرارًا وعمرة لـ41 جرارًا بنك تنمية الصادرات الإنجليزي
2021 362.9 مليون يورو تطوير جودة خدمات السكك الحديدية البنك الدولي 
2023 400 مليون دولار تنفيذ مشروع تطوير خط لوجستيات التجارة بين القاهرة والإسكندرية البنك الدولي

وبالرغم من أن الهيئة لم تُكلف ضمن التصور الجديد إلا بسداد فوائد هذه الديون، فإن قيمة هذه الفوائد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما ساهم في إعادة الهيئة إلى مربع الخسائر من جديد، حسب البيانات التي جمعتها المنصة من مسؤولين في الهيئة.

الوقود مسؤول أيضًا 

حسب البيانات التي جمعتها المنصة من مسؤولي السكك الحديدية، فبعد تحقيق فائض في العام المالي المنتهي في يوليو/تموز 2025، مُنيت الهيئة بخسائر صافية في 2025-2026 بنحو 530 مليون جنيه.

ليست الديون المسؤول الوحيد عن هذه الخسارة، هناك أيضًا تكاليف التشغيل التي ارتفعت بوتيرة متسارعة في الفترة الأخيرة مع الزيادات المتتالية في تكاليف الوقود، وفق المصدر الأول بالهيئة؛ "كل زيادة بقيمة جنيه واحد في أسعار المحروقات ترفع مصروفات الهيئة بشكل إضافي بما يتراوح بين 900 مليون ومليار جنيه سنويًا".

وشهد عام 2025-2026 زيادتين في أسعار السولار، الوقود الرئيسي للسكك الحديدية، الأولى في أكتوبر/تشرين الأول 2025 والثانية في مارس/آذار 2026، ما رفع تكلفته في هذه الفترة بنسبة إجمالية تقترب من 30%.

يشير المصدر الأول إلى أن قرارات زيادة الوقود تنعكس بشكل غير مباشر في صورة تأثيرات تضخمية تؤدي إلى رفع تكاليف مثل أسعار الخامات وقطع الغيار، فضلًا عن زيادة قيمة التعويضات التي تحصل عليها شركات المقاولات المنفذة لمشروعات التجديد والتطوير بسبب ارتفاع تكاليف التنفيذ.

وحسب البيانات التي جمعتها المنصة من مسؤولي الهيئة، فإن تكلفة الخامات والوقود وسداد خدمة الدين بلغت في 2025-2026 نحو 6 مليارات جنيه، في مقابل نحو 7.5 مليار جنيه إيرادات من التذاكر.

 بدائل رفع الأسعار 

حسب المصدرين، فإن العوامل السابقة وراء زيادات أسعار التذاكر خلال النصف الأول من 2026؛ الأولى في أواخر مارس وشملت زيادة بنسبة 12.5% لرحلات الخطوط الطويلة و25% للخطوط القصيرة، وفي بداية يوليو/تموز الماضي، طبقت الوزارة الزيادة الثانية بالنسبة نفسها.

ولا يتوقع المصدر الأول خروج الهيئة من دائرة الخسائر هذا العام، بالرغم من المحاولات الحكومية للتخفيف من أعبائها المالية، إذ لا تزال وزارة المالية تقدم دعمًا سنويًا بنحو 5.5 مليار جنيه لدعم تذاكر قطارات الضواحي، بجانب مساهمة الوزارة بـ10.5 مليار جنيه في رأس مال الهيئة لخفض إجمالي قيمة قروضها بـ28 مليار جنيه.

في المقابل، ينتقد الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد رمضان، التعامل مع هيئة السكك الحديدية بمنطق الربح والخسارة، مع تجاهل الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأوسع الذي يوفره النقل العام منخفض التكلفة.

يشدد رمضان على أن استمرار رفع أسعار التذاكر يقلص واحدة من أهم مزايا السكك الحديدية، وهي إتاحة وسيلة نقل بأسعار مناسبة لملايين المواطنين، خصوصًا من أصحاب الدخول المنخفضة، الذين يعتمدون عليها في التنقل اليومي بين المحافظات. 

ويشير إلى أن الحفاظ على تكلفة نقل منخفضة يحقق للدولة عوائد غير مباشرة، من خلال دعم حركة العمالة وتقليل أعباء المعيشة وتعزيز النشاط الاقتصادي، وهي مكاسب تتجاوز ما يمكن تحصيله من زيادة أسعار التذاكر.

لم تخرج الهيئة إذًا من دائرة الخسائر، بالرغم من كل ما عاناه الملايين من زيادة أسعار خدماتها على مدار السنوات الماضية. وهو ليس بالخبر السيئ بالضرورة إذا ما تناولناه من زاوية مصلحة الملايين في توفير خدمة نقل أساسية، وليس من زاوية عجز الموازنة فقط.