الجهادي الرومانسي.. شكري أحمد مصطفى
أتذكر زميلي في المدرسة الإعدادية، أحد عناصر فريق الكرة الذي يبدأ اللعب بعد انتهاء اليوم الدراسي. خجول بابتسامة مرحبة، يحيطه هدوء أكبر من عمره، مشوبٌ بغضب مكبوت يتسرب أثناء اللعب والتحاماته. بمجرد أن تنتهي المباراة الحبيّة، يعود إلى طبيعته الأولى، ويصفو وجهه، ويسير كل منا في طريق.
قادتنا الصدفة لأن نتشارك مرة أخرى الكلية نفسها، لكن في قسمين مختلفين. ظل محافظًا على نزاهة شخصيته وابتسامته السمحاء، أما غضبه فكان له مكان آخر، فقد أصبح عضوًا فاعلًا في الجماعة الإسلامية بالكلية. وخلال سنوات الدراسة تضاعف اهتمامه بالجماعة، وأمورها، وأحلامها المستقبلية. ربَى لحية خفيفة لم تكن العلامة الحاسمة الوحيدة في اختياره، إذ ظل وجهه خجولًا كما كان بدون لحية.
أثناء فترات يأسي الجامعية كنت أترك لحيتي، كطرف يخرج مني، لتمنحني شيئًا من المواساة. لا يمر أسبوع أو أكثر، إلا وأحلقها، خوفًا من أن أغوص في نفسية هذا الشخص الملتحي، التي كانت اللحية هي العضو الطافي من فكرته عن الحياة والمستقبل.
مجتمع يسير في اتجاه واحد
أصبح زميلي يبيت في مسجد الكلية، الذي أصبح بدوره الجزء المحرَّر من مشروع أكبر لتحرير المجتمع كله من جاهليته. صيام واعتكاف واعتصام ومذاكرة وصدام مع إدارة الكلية والأمن.
حياة كاملة تُدار داخل المسجد مع أقرانه الذين اتخذوه أميرًا لهم. أخيرًا أصبح لغضبه مشروع. لُغّمت سبعينيات القرن الماضي بالجماعات الجهادية، التي أتاح لها نظام السادات هذه المساحة المحسوبة من الحرية، لتقضي على التنظيمات والكوادر اليسارية التي أوجدها نظام حكم عبد الناصر.
أتتبع خطاه الواثقة من بعيد؛ داخل جلبابه الأبيض أو بنطاله المخطط. لو تصادفنا في ممرات الكلية لا نفتقد حرارة اللقاء بين زميلين سابقين في فريق واحد. كنت حريصًا، أكثر منه، على صون صداقته، خارجيًّا وداخليًّا، لأنه كان يدفع ثمن اختياره مقدمًا، بدون خوف، وبثبات على مبدأه وتضحية من أجله. هذا الاتساق الذي حققه مبكرًا، وفي طريقه قفز عدة قفزات هائلة. كان المجتمع، في السبعينيات وما بعدها، يولّد انتحاريين يائسين أو جهاديين، ليس في طريق الدين فقط. ربما صغرتْ، في عينيه، صداقتي له بعد أن عثر على صداقات أصحاب المشاريع الكبيرة.
توغل زميلي في طريقه الذي اختاره دون رجعة، لم تكن هناك فرصة لأي تراجع، أو مراجعة، فالمجتمع يسير في اتجاه واحد. قرأت اسمه ضمن الأسماء التي قُبض عليها بعد اغتيال السادات. كان علاء، وهذا هو اسمه، لا يتفاوض في هذه السن الصغيرة على السير في طريق آخر غير طريق الحقيقة، كما يراها، وتهفو لها نفسه. وبعدها اختفى اسمه داخل دفاتر السجون، ونسيته ربما لأنني بدأت أجد مشروعًا آخر لغضبي.
السبعينيات والعنف المسلح
في السبعينيات ظهرت جماعات العنف السياسي المسلحة، سواء في مصر أو العالم. المشترك بينها لم يكن الفكر نفسه، بل الاعتقاد بأن العنف والعمل السري هما الطريق لتحقيق التغيير، في ظل سيطرة شعور عميق بالإحباط واليأس من التغيير.
سُجن شكري أحمد مصطفى بالخطأ وهو لا يزال طالبًا في كلية زراعة أسيوط باعتباره عضوًا في جماعة الإخوان
ظهرت في مصر جماعةُ التكفير والهجرة، التي أسسها شكري أحمد مصطفى، وتبنت فكرة تكفير المجتمع واعتزاله، وخطفت وقتلت الشيخ الذهبي عام 1977، وزير الأوقاف السابق، بعد رفض السلطات الإفراج عن معتقليها في السجون.
يرجع دكتور رفعت سيد أحمد في كتابه "النبي المسلح (1)" أسباب العنف الديني وجماعاته إلى عدة عوامل؛ أهمها أحزمة الفقر التي انتشرت حول مراكز المدن والعواصم الكبيرة، والتي أصبحت مصدرةً للتطرف، بجانب انعدام الحد الأدنى من المعيشة، بعد تخلي الدولة عن مسارها الاشتراكي إثر هزيمة 1967، ثم تفشي إحساس الاغتراب والاستغراق في تقليد الغرب، بعد تطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي بعد حرب 1973، وما تلاها من اتفاقية السلام مع إسرائيل. بجانب غياب القدوة السياسية الحزبية المؤثرة.
أغلب من انضموا لهذه الجماعات المتطرفة في السبعينيات كانوا يحملون ذاكرة سابقة لصدام مبكر حدث مع الأمن، خاصة عام 1965، في قضية سيد قطب، حين قبضت السلطة على أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وجرى اعتقالهم وتعذيبهم في السجون المصرية. وهو ما حدث مع شكري أحمد مصطفى الذي سجن بالخطأ، وهو لا يزال طالبًا في كلية الزراعة بجامعة أسيوط، باعتباره عضوًا في جماعة الإخوان، من 1965 حتى 1971. السنوات التي غيرت حياته، ومنحته مشروعًا واضحًا للتنفيس عن غضبه.
مناخ عالمي يائس
عالميًا كانت هناك جماعة الجيش الأحمر الياباني، التي سعت إلى إشعال ثورة عالمية ضد الرأسمالية والإمبريالية. وأبرز عملياتها هجوم مطار اللد في إسرائيل عام 1972 تأييدًا للقضية الفلسطينية. أيضًا جماعة الألوية الحمراء الإيطالية، التي اختطفت رئيس الوزراء الإيطالي آنذاك ألدو مورو لمدة 55 يومًا ثم قتلته.
كان المناخ السياسي العالمي يائسًا يسير أيضًا في اتجاه واحد ويؤجج مثل هذه الاختيارات الجذرية
وكذلك جماعة بادر - ماينهوف الألمانية، أو فصيل الجيش الأحمر، التي أسسها أندرياس بادر وأولريكه ماينهوف، وتبنت أفكارًا ماركسية، وبلغت ذروة نشاطها عام 1977 فيما عُرف بـ الخريف الألماني، حين اختطفت رجل الأعمال هانس مارتن شلاير، ثم اختطفت طائرة لوفتهانزا مع ثوار فلسطينيين للإفراج عن قادة منظمة التحرير.
استلهمت هذه الجماعات أفكارها من النظرية الماركسية التي كانت لا تزال متداولة وطازجة في أجواء الستينيات، بجانب الثورات والحروب وحركات التحرر التي كانت تعم العالم، ولم تتحول إلى ذكريات بعد. حرب فيتنام، وثورة 1968، واستلهام نموذج مثل الزعيم تشي جيفارا. كان المناخ السياسي العالمي يائسًا، يسير أيضًا في اتجاه واحد، ويؤجج مثل هذه الاختيارات الجذرية، بسبب انتشار البطالة، والأزمات الاقتصادية واستحالة التغيير السلمي داخل البنى الرأسمالية للدول الغربية.
الجهادي الرومانسي
إن غابت عني نهاية حكاية زميلي في المدرسة والكلية ولم أتتبع مآلها، فإن حكاية شكري أحمد مصطفى، متعددة الأوجه، ولّدت لدي شغفًا لمتابعتها بدايةً من ولادته حتى إعدامه. كانوا يلقبونه بـ"مهدي آخر الزمان"، كما يصف ماهر فرغلي في مقاله المنشور بموقع حفريات؛ "إذا رأى رؤيا، أو حلمًا، سرعان ما يتحقق، وهذا ما أغواه، أن يتصور أنه منصور من قبل الله، وأنه مهدي هذه الأمة". له مواقف تجمع بين الرومانسية والقسوة، بين حب الشعر والقراءة، وأيضًا التشدد في الأحكام. ربما كانت خلطة الإيمان لهذا العقد السبعيني لا تستقيم إلا في حضور هذين النقيضين.
نشرت لشكري صورة وهو وراء قضبان المحكمة كانت تشبه صور تشارلز مانسون زعيم الهيبز الذي كانت له قضية مشابهة قبلها بعدة سنوات، تتضمن القتل والهجر للمجتمع الرأسمالي.
عندما كنت أسمع كلمة هجرة تنفتح مسام نفسي وأشم عن قرب رائحة هذا المكان الآخر الذي يراه هؤلاء، وأحلم به ليكون بداية جديدة لحياتي، ودواء لغضبي، وأن كل مشاكلي ستذوب، بمجرد أن أصطدم بهذا الخلاء القوي المتمثل في الصحراء. كان أعضاء جماعة التكفير والهجرة يتدربون في كهوف البر الغربي في المنيا تعود لرهبان كانوا يتعبدون فيها أوقات اضطهاد المسيحية في مصر في عهد الرومان.
الغريب أن شكري لحظة إعدامه كان واثقًا من أن الله سينجيه، وستحدث معجزة كونية تعطل هذا الإعدام، حسب شهادة علي فراج، صديقه، وأمير الجماعة في محافظة الشرقية، الذي وصف هذه المعجزة التي كان ينتظرها شكري بأن تنشق السماء ويتدخل الله شخصيًّا وينقذه من حبل المشنقة، كان يثق أنه سيخرج من السجن، ومصر سيكون لها فاتحًا.
مسيرة متعثرة
ولد "مهدي آخر الزمان" عام 1942، في أسيوط. انفصل أبوه عن أمه وهو صغير، ثم توفي والده العمدة، أثناء سجنه، ثم لحقت به أمه. لم يزره في سنوات السجن سوى أخته الكبرى عزيزة. كان يهوى قراءة وكتابة الشعر، والاطلاع على الكتب، ومثّل دورًا في مسرحية بالسجن لعب فيها دور التلميذ العبيط كما يحكي أحمد رائف زميله الإخواني في السجن الحربي.
كان شخصية عصبية يقوم بتجريح محدثه إذا لمس فيه أدنى ذرة من الخلاف في الرأي وكان يعاقبه إما بالجلد أو العزل عن الجماعة لمدة 50 يومًا
خلال سنوات السجن الخطأ، تبلور داخل عقل شكري فكر الجماعة، الذي يعتمد على أفكار الخوارج. يصفه صلاح عيسى الذي عاصره في السجن لثلاث سنوات بسجن طرة، بأنه كان منعزلًا تمامًا، لا يكلم أحدًا من الإخوان المسجونين معه، ونذر نفسه للتعمق في أفكار الجماعة، بجانب، وهنا المفارقة، تربيته لمجموعة من الأرانب في فناء عنبر السجن، كان يعتني بها وأحيانًا يلعب معها، ويجري وراءها.
يحلل عيسى شخصية شكري، كأنه يحلل شخصية أجيال متعاقبة، من خلال أقواله التي أدلى بها في محضر تحقيقات النيابة العامة في نوفمبر/تشرين الثاني 1965 "شاب عادي تمامًا، مهموم على نحو ما بشيء خارج نفسه، مفعم بالشوق، لكي يعطيه لهدف ما". جميعنا في فترات مختلفة كنا مهمومين بشي ما خارجنا، ومفعمين بالشوق، ومستعدين لأن نمنح نفوسنا لهدف ما.
يروي عبد الرحمن أبو الخير، زميل شكري، ومستشاره السياسي فيما بعد، في كتابه عن صفات شكري المتناقضة بأنه كان شخصية عصبية يُجرِّح محدثه إذا لمس فيه أدنى ذرة من الخلاف في الرأي، وكان يعاقبه إما بالجلد أو العزل عن الجماعة لمدة 50 يومًا. ويؤكد مختار نوح، القيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، هذه الصفة في شكري بأنه يملك كاريزما القيادة، ويجمع بين العاطفة الشديدة والقسوة الشديدة، وكان يحمل شعور المضطهد، فانعكست هذه المشاعر إلى رغبة في التميز والتعالي على الآخرين.
النهاية
ظروف القبض على شكري كانت غريبة للغاية. بعد أن داهمت الشرطة الشقة التي كان يقيم بها في حدائق القبة، أثناء تنفيذ عملية قتل الشيخ الذهبي، لم يجد منفذًا إلا السير في شوارع القاهرة بلا هدف، فجأة بزغت في رأسه فكرة، أن يذهب لخلية من الجماعة كانت تعيش في بنها. ركب القطار الخطأ، وبدلًا من الذهاب لبنها ركب قطار المرج. عندما اكتشف هذا الخطأ، نزل مسرعًا في محطة عزبة النخل، قبل محطة المرج، لأنه تذكر أن له أتباعًا هناك.
سار في شوارع عزبة النخل الترابية بحثًا عن منزل أتباعه، لافتًا بمظهره الذي لم يغيره خلال رحلة هربه انتباه بعض نساء المنطقة. وهناك، تفاجأ بمخبر سابق يعرفه يلقي القبض عليه دون أن يبدي أي مقاومة.
بهذه السهولة استسلم شكري للمخبر، كما استسلم لاحقًا أمام المحكمة حين باح بكل شيء، ليكون ذلك بمثابة إحكامٍ للحبل حول رقبته، انطلاقًا من إيمانه بأنه صاحب رسالة وليس مجرمًا.
كان يواجه أي موقف ببراءة وصدق حقيقي وبشجاعة، وثقة مفرطة بأن الله سينجيه لأنه "مهدي آخر الزمان". قبيل إعدامه، الذي أصبح حقيقة، وبرهانًا على الطريق الذي اتخذه لمشروع حياته، ولغضبه: قال أن يبلغوا أتباعه أن طريقه كان خطأ، وعليهم أن يراجعوا ما هم عليه.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

