وراء شهادات الناجيات.. نساء يحملن ثقل الحكايات
في صيف عام 2023، تحمست المعالجة النفسية ندى مجدي للانضمام إلى واحدة من رحلات "الونس" بمدينة نويبع، التي اعتاد بيت فاطم تنظيمها لتعزيز التواصل الإنساني بين أعضائه، لكن ما بدا أنه فرصة للمساهمة في التعافي من آثار الماضي خيب آمالها في العثور على الونس المنشود.
لاحظت ندى في هذا المعسكر الصيفي ما وصفته بالعلاقات غير المريحة بين الكاتب محمد طاهر مؤسس بيت فاطم والفتيات الناجيات من العنف اللاتي خصص لهن هذه المساحة دون غيرهن "لمساته ومحاولات التقرب من الفتيات والإصرار على سرد أدق التفاصيل الشخصية، كلها سلوكيات تخليني متأكدة إنه كان بيستغلهم مش بيقدم دعم".
كان لندى نصيب من هذه المحاولات إذ تكرر عرضه غير مرة لاصطحابها إلى غرفته لأسباب مختلفة، انتهت باعتذار ومقاطعة لأنشطة بيت فاطم، لكن بعد سنوات قليلة من هذا التجمع الصيفي وجدت نفسها تطلق وتقود هاشتاج "هل فضحت متحرش اليوم؟" لتسليط الضوء على ما يحدث داخل المؤسسة الثقافية وتستمع لضحايا الونس، وتكون كذلك واحدة من شهود الإثبات في القضية التي انتهت بإدانته بالتعدي الجنسي على 4 فتيات واستغلال قاصرات والإتجار بالبشر.
قوة السوشيال ميديا
هاشتاج "هل فضحت متحرش اليوم؟" الذي دشنته المعالجة النفسية كان بمثابة وعاء تجمعت فيه جميع الخيوط حول الوجه الآخر لبيت الونس، وكتب الفصل الأخير لبيت فاطم ومؤسسه محمد طاهر، وبحسب أوراق التحقيقات التي تضمنت 4 مبلغات و11 شاهدًا، دأب طاهر على استغلال الفتيات اللواتي عانين من مشكلات أسرية واضطرابات واحتياجات نفسية بهدف التقرب إليهن من خلال إظهار الدعم قبل الاستدراج لارتكاب الاعتداءات الجنسية.
لندى مجدي تاريخ أطول في التعامل مع الناجيات من العنف، إلا أنها كانت المرة الأولى التي تمارس فيها دور "جامع الشهادات" بقضية بيت فاطم، تحكي عن تجربتها "هدفي كان إثبات الحقيقة وفضح انتهاكات رصدتها بنفسي استنادًا لخبرتي في العلاج النفسي وده يرسي قاعدة تصديق الناجيات وتشجيعهم على البوح من غير خوف مع التأكد من صدق الشهادات بأدلة مادية واضحة مثل الرسائل النصية أو الصوتية".
عاشت ندى أسابيع من القلق والتوتر بعد انتشار هاشتاج "هل فضحت متحرش اليوم ؟" موضحة أنها تلقت تحذيرات من الدوائر المقربة منها خشية تعرضها للأذى بعد إعلان محمد طاهر مؤسس بيت فاطم تحركه قضائيًا ضدها وتحرير بلاغات بدعوى التشهير بشخصه ونشر أخبار كاذبة، استنادًا إلى دورها في حشد شهادات كشفت -بحسب تعبيرها- احتياله على الفتيات اللواتي لُذن به طوال السنوات الماضية التي أعقبت إطلاق بيت فاطم والفعاليات المرتبطة به.
الخوف من الوصم الاجتماعي والإفلات من العقاب كانا أكبر الهواجس التي حاولت ندى تبديدها حين بدأت الاستماع لشهادات الناجيات من العنف، فالمهمة الأكبر التي كانت تقع على عاتقها هي إقناع الضحية بكسر صمتها ومواجهة ماضٍ حاولت الهروب منه سنوات طويلة خشية الوصم، وجمع القرائن المادية لإثبات وقوع الاعتداء الجنسي.
تقول "فيه ناجيات خضعوا للعلاج النفسي لمحو آثار التجربة السيئة من ذاكرتهم، وأنا كنت بشجعهم يحتفظوا بالرسايل مع الجاني لأنها أدلة تدعم موقفهم القانوني".
مرآة كاشفة
الاستماع إلى ضحايا الاعتداءات الجنسية لم يكن أمرًا هينًا، كان له وقعه النفسي على الناشطة آية عبدالحميد، التي شاركت للمرة الأولى في تلقي وجمع شهادات في قضية بيت فاطم. تقول إنها عاشت أيامًا عصيبة بسبب تشتتها بين تقديم الدعم النفسي للناجيات من جانب، واستجلاء الحقيقة والتدقيق والتقصي فيما يصلها من شهادات لضمان جديتها وصدقها، ومقاومة الضغوط المجتمعية التي رافقت هذه القضية من جانب آخر.
لا يقتصر دور مجمع الشهادات على تصديق الناجيات فحسب بل حمايتهن وتوجيهن إلى الدعم المناسب
"هاتفي مكانش بيبطل رن، والإنبوكس عندي كان مليان رسايل"، رغم ذلك كانت حريصة على التأكد من دقة وصدق كل شهادة على حدة حتى لا تتورط في اتهام شخص بريء بتهم خطيرة، مضيفة "وصتلني شهادات كتير كان فيها حاجات لا ترقى إلى الاتهام وحاجات تانية كانت مفبركة هدفها تشتيتي وضرب مفك في القضية".
لا يقتصر دور جامع الشهادات على تصديق الناجيات فحسب بل حمايتهن وتوجيهن إلى طرق تلقي الدعم المناسب "كنت بشجع الناجيات وأطمنهم وأقولهم إن الجاني هو اللي هيتوصم وبالفعل اتشجعوا بعد ما لمسنا جدية النيابة العامة في فتح التحقيقات وكشف الحقيقة".
واجهت آية جملة من الضغوط بعضها من الناجيات أنفسهن اللاتي يستعجلن نشر شهاداتهن، وأخرى من أنصار ومؤيدي المتهم الذين انبروا للدفاع عنه لإسكات الأصوات النسوية المطالبة بمحاكمته، وكذلك الضغوط التي مارستها زميلاتها بدوائر المجتمع المدني لتسريع إجراءات التقاضي.
تحت وقع الهجوم الذي طالها بسبب جمع ونشر الشهادات الذي بلغ حد اتهامها بالمشاركة في الهاشتاج كيدًا لتصفية حسابات قديمة، اضطرت آية عبد الحميد إلى إغلاق حساباتها على السوشيال ميديا لفترة، بعد أن تسلمت النيابة العامة ملف القضية، مشيرةً إلى أنها كانت تريد الحصول على راحة لالتقاط الأنفاس والتخلص من الضغوط النفسية التي رافقت جمع الشهادات وفحصها ونشرها، إضافة إلى تلقيها رسائل تهديد من نوعية "أسكتي أحسنلك" من حسابات وصفتها بالذكورية، وهي ممارسة ممنهجة وفق تقرير صادر عن الأمم المتحدة بهدف إقصاء النساء من الفضاء الرقمي أو دفعهن إلى الانسحاب من الحياة العامة.
المسار القانوني أم الحقوقي؟
بينما كانت الشهادات تتدفق عن ممارسات بيت فاطم، بادر الكاتب محمد طاهر إلى الاقتراح باللجوء إلى التحقيق القضائي عبر النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية بناءً على أدلة واضحة، أما المسار الثاني الذي اقترحه إجراء تحقيق حقوقي من خلال لجنة مستقلة تابعة لمؤسسة حقوقية تستمع إلى الشهادات بشكل مباشر ومعلن وبدون وساطة، وهو ما اعتبره حقوقيون محاولة منه للإفلات من العقوبة الجنائية التي تنتظره حال ثبوت الاتهامات المنسوبة إليه.
دافعت آية عبد الحميد وندى مجدي عن الالتزام بالمسار القانوني ورفضتا دعوات تشكيل لجان تحقيق مستقلة للفصل في الشكاوى، إذ رآها الثنائي بمثابة مخرج لطاهر أو غيره، لتجميد المسار القضائي والخروج بأقل الخسائر.
ورغم إيمان آية بدور المجتمع المدني في تطهير نفسه ولفظ المتورطين في سلوكيات مشينة، رفضت مقترحات بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في قضية بيت فاطم، مشيرة إلى أن المؤسسة نفسها شكلت لجنة صغيرة قبل عام من انتشار الشهادات على السوشيال ميدياوانتهت بدون إدانة المؤسس، وهو ما أعطاها مؤشرا على أنه ليس الإجراء المناسب لحجم الجرائم المرتكبة.
الضغط يولد الانسحاب
شهدت السنوات الماضية تشكيل لجان تحقيق مستقلة في عدد من وقائع العنف الجنسي داخل المجتمع المدني، انتهت بعضها إلى إدانة المشكو في حقهم وأخرى إلى حفظ الشكاوى.
لا يقتصر الضغط النفسي المرتبط بقضايا العنف الجنسي على من يجمعن شهادات الناجيات، بل يمتد أيضًا إلى من يشاركن تطوعًا في لجان التحقيق المستقلة، بحسب المحامية بالمبادرة المصرية عزيزة الطويل، التي انسحبت من عضوية إحدى هذه اللجان بعد شعورها بعدم جدية الأطراف في التعامل مع الشكاوى.
أعضاء لجنة التحقيق هم الخاسر الأكبر؛ يتعرضون للتشويه رغم أن عملهم طوعي
وتضيف عزيزة لـ المنصة "هو دور طوعي لكنه يجلب المتاعب لصاحبه"، ويتوجب على من يضطلع به أن يكون قادرًا على إدارة الضغوط النفسية جيدًا وأن يستمع بحرص شديد لكل الأطراف للخروج بنتائج دقيقة في قضايا شديدة الحساسية.
وتؤكد ندى نشأت المحامية في مؤسسة قضايا المرأة المصرية وعضوة فريق محاميي المبلغات والشهود في قضية بيت فاطم، أن لجان التحقيق لا تحصل على اعتراف كامل كمسار رسمي بديل عن التقاضي، وهي بالنسبة للبعض أداة انتقام أكثر من كونها مسارًا آخر للعدالة.
وتضيف لـ المنصة "يتعرض أعضاء لجان التحقيق أنفسهم للتشويه بسبب النتائج التي يتم التوصل إليها بعد فترة من الاستماع لشهادات الشاكيات ومبررات المشكو في حقهم". وليست واقعة دار صفصافة منا ببعيد.
وبينما ترى المعالجة النفسية ندى مجدي أنه يمكن الاستغناء عن هذه الآلية إذ أن لجان التحقيق لا توفر الحماية للمبلغات والشهود معًا، مقارنة بما يمكن أن تقدمه النيابة العامة، تشير المحامية ندى نشأت إلى أن لجان التحقيق السرية غير المعروف أعضاؤها تساعد بشكل أكبر في حماية الناجيات "لجان التحقيق تصدق الناجيات أي لا تستهتر بشهاداتهن وتستمع بحرص شديد مع فحص الأدلة والقرائن التي تثبت حدوث الوقائع".
أما انتصار السعيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، فترى أن اللجان المستقلة انحرفت عن مسارها في السنوات الأخيرة، ودائمًا ما ترفض الشاكية أو المشكو في حقه نتائجها، ما يستدعى إعادة النظر في هذه الأداة كمسار موازٍ للعدالة القضائية.
المسار الحقوقي وإن كان غير رادع للجريمة، إلا أن الناشطة آية عبدالحميد لم يفتر حماسها تجاهه، وتراه أحد وجوه العدالة، مشيرة إلى تلقيها دعوة للاشتراك في تشكيل لجنة للبت في اشتباه واقعة تحرش جديدة في دوائر المجتمع المدني، عقب تولى النيابة العامة ملف الانتهاكات الجنسية في بيت فاطم، إلا أنها اعتذرت لحاجتها لـ"هدنة مؤقتة" لتجاوز التداعيات النفسية نتيجة عملها المكثف في قضية بيت فاطم.
الضغوط النفسية التي خلفتها تجربة جمع الشهادات في قضية بيت فاطم أجبرت ندى مجدي على التراجع خطوة للوراء في قبول هذا الدور مجددًا، بينما تؤكد آية عبد الحميد أن حماية النساء هدف نبيل تدافع عنه وتشارك في تحقيقه بكل السبل والأدوات سواء كانت طرقًا رسمية أو عرفية.

