تصميم سيف الدين أحمد، المنصة
عبدول السيد وفي الخلفية هايلي ستيفنز وبنيامين نتنياهو

"قبلة الموت" التي تنتظر إسرائيل في الولايات المتحدة

منشور الاثنين 10 آب/أغسطس 2026

لم يكن فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية ميشيجان الأمريكية مجرد انتصار لمرشح تقدمي على منافسته المدعومة من المؤسسة الديمقراطية التقليدية، ولا مجرد هزيمة لمرشحة أنفقت جماعات الضغط الصهيونية ملايين الدولارات لدعمها.

الأمر في جانب منه استفتاءٌ على سؤال: هل لا يزال الانحياز غير المشروط لإسرائيل ميزة انتخابية للسياسي الأمريكي.. أم أنه بدأ يتحول إلى عبء؟

النتيجة التي حملتها انتخابات ميشيجان كانت كاشفة؛ المرشح التقدمي المصري الأصل، الذي خاض السباق مستندًا إلى قاعدة شعبية وشبكة من الناشطين الشباب، هزم النائبة هايلي ستيفنز، الداعمة لإسرائيل، التي حظيت بدعم واسع من قادة الحزب الديمقراطي، وبإنفاق ضخم من إيباك، بينما جعل السيد من نفوذ المال السياسي وعلاقة منافسته بجماعات الضغط الصهيونية ودعمها لإسرائيل جزءًا أساسيًّا من معركته.

وما إن حُسمت النتيجة، حتى أعلنت إيباك أنها ستعمل على إسقاط السيد في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، بما يكشف أن المنظمة استشعرت الخطر من النموذج الذي يمثله الرجل الذي قرر مواجهة جماعة ضغط ظلت لسنوات طويلة قادرة على صناعة نخبة الحكم الأمريكية.

دراما التحول

يبدو أن إيباك لا تدرك أنها لم تعد تعمل في البيئة السياسية نفسها التي اعتادت العمل فيها.. لعقود طويلة، كان حصول المرشح الأمريكي على دعم جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ورقة انتخابية رابحة. أما الآن، فالمنظمة التي كانت حليفًا مهمًا للسياسيين صارت عبئًا عليهم، وأصبح يُنظر إلى دعمها باعتباره "قبلة موت"، حسب تعبير "فايننشال تايمز" في تقرير نشر مؤخرًا.

انتخابات ميشيجان تكشف هذه المفارقة؛ إذ لم تمنع ملايين الدولارات مرشحًا استهدفته المنظمة من الفوز، بل أصبح إنفاقها نفسه مادة انتخابية يستخدمها خصوم المرشحين الذين تدعمهم.

عبدول السيد في مؤتمر يتحدث مع الناخبين أثناء حملته

تتجسد المشكلة الحقيقية لإيباك في تغيُّر رؤية الناخب الأمريكي الأصغر سنًا للعلاقة بين المال السياسي وإسرائيل، وتحوُّل جماعات الضغط المؤيدة لها إلى رمز لتأثير جماعات المصالح في السياسة الخارجية؛ ما يجعل أزمتها أعمق من مجرد خسارة معركة واحدة.

ثم جاءت حرب غزة لتدفع هذا التحول سنوات إلى الأمام، ففي يوليو/تموز الماضي، صوّت مجلس النواب الأمريكي على تعديل قدمه النائب الجمهوري توماس ماسي لوقف تمويل مخصص لإسرائيل.

رُفض التعديل بأغلبية 314 صوتًا، لكن اللافت أن 103 من الديمقراطيين ونائبًا جمهوريًا صوتوا لصالحه، أي أن ما يقرب من نصف الكتلة الديمقراطية بالمجلس اختار للمرة الأولى الوقوف في صف وقف المساعدات.

قبل سنوات قليلة كان الحديث عن وقف مساعدات عسكرية لإسرائيل داخل الكونجرس أمرًا أقرب إلى الانتحار السياسي، أما اليوم، فصوّت أكثر من مائة نائب علنًا لصالحه.

ستة من كل عشرة أمريكيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية

وراء هذا التحول تغيّر آخر، أكثر أهمية لأنه يتعلق بالناخب نفسه، فقد أظهر استطلاع حديث أجراه مركز أسوشييتد برس-نورك أن 58% من الديمقراطيين يرون أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا أكبر من اللازم لإسرائيل، مقابل 45% في يناير/كانون الثاني 2024.

وقال 52% من الديمقراطيين إن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين خلال الحرب على غزة، كما أظهر الاستطلاع أن الديمقراطيين الأصغر سنًا أكثر ميلًا إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تقدم للفلسطينيين ما يكفي من الدعم.

أما استطلاع مركز بيو فيقدم صورةً أكثر إزعاجًا لإسرائيل، لأن ما يظهر فيه ليس مجرد تحول حزبي، إنما تحول جيلي؛ فستة من كل عشرة أمريكيين باتوا ينظرون إلى إسرائيل بصورة سلبية، وبلغت النسبة 80% بين الديمقراطيين. وحتى داخل الحزب الجمهوري، بلغت النظرة السلبية 57% بين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و49 عامًا.

وفي استطلاع آخر لـ"بيو"، أجري في مايو/أيار، ظهرت الفجوة بين الأجيال بصورة أكثر وضوحًا، إذ كشف أن 58% من الأمريكيين دون الثلاثين لديهم نظرة إيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32% فقط لديهم نظرة إيجابية إلى الإسرائيليين. وبين الديمقراطيين الشباب اتسعت الهوة أكثر، إذ بلغت النظرة الإيجابية إلى الفلسطينيين 72% مقابل 26% فقط إلى الإسرائيليين.

هذه الأرقام تكشف حجم التغير في مزاج القاعدة الاجتماعية الأمريكية؛ وينبئ أيضًا بأن الأجيال التي ستتولى مواقع التأثير وصنع القرار خلال السنوات والعقود المقبلة لا تنظر إلى إسرائيل بالعين التي نظر بها آباؤها وأجدادها.

عبدول البداية

منذ تأسيس إيباك في خمسينيات القرن الماضي، كان التعاطف الأمريكي مع إسرائيل، خصوصًا بين الليبراليين، يستند بدرجة كبيرة إلى صورة الدولة الصغيرة التي قامت بعد الهولوكوست وتحتاج إلى الحماية والأمان. لكن هذه الصورة تآكلت مع تحول الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نحو اليمين، واستمرار الاحتلال والاستيطان، والمجازر المتكررة بحق الشعب الفلسطيني الأعزل.

وتعمق الشرخ خلال عهد بنيامين نتنياهو، خصوصًا بعد معركته ضد الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمه باراك أوباما، قبل أن تأتي حرب غزة وتضع المأساة الفلسطينية أمام ملايين الأمريكيين بصورة يومية، عبر مشاهد الدمار والقتل والحصار والتهجير.

لن تستطيع محو الصور التي شاهدها جيل كامل من حرب الإبادة على غزة

الدلالة الأهم أن هذه الحالة لم تعد محصورة في الجامعات أو الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، بل وصلت إلى أعلى السلم السياسي. فنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس الذي هاجم عبدول بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، اتهم عناصر داخل الحكومة الإسرائيلية بمحاولة التلاعب بالرأي العام الأمريكي لإبقاء الحرب على إيران مستمرة إلى أجل غير مسمى، وقال لهؤلاء "اذهبوا إلى الجحيم".

أهمية كلام فانس ليس فقط كونه نائب رئيس الولايات المتحدة أو أحد أبرز وجوه حركة ماجا، بل لأنه قد يكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة المقبلة.

على الجانب الآخر من الخريطة السياسية، كان رام إيمانويل، الديمقراطي المخضرم ورئيس بلدية شيكاغو السابق وكبير موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما، يلقي في تل أبيب خطابًا لا يقل أهمية.

إيمانويل، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد الأسماء المحتملة لخوض سباق الرئاسة الديمقراطي في 2028، قال إن التحالف الأمريكي الإسرائيلي وصل إلى مفترق طرق، وإنه لا يمكن أن يستمر أو يبقى على حاله، داعيًا إلى تغيير جوهري في العلاقة. الأهم أنه طالب بإنهاء الدعم العسكري الأمريكي الخاص لإسرائيل، وقال إن عليها شراء السلاح الأمريكي بالشروط نفسها التي تطبق على الحلفاء الآخرين.

السياسية والأكاديمية الأمريكية جيل ستاين خلال مشاركتها في فعالية ضد الإبادة الإسرائيلية في غزة، شيكاغو، أغسطس 2024

هكذا فإن فانس وإيمانويل اللذين ينتميان إلى حزبين مختلفين، ولهما دوافع وأفكار مختلفة في قضايا كثيرة، التقيا عند نقطة واحدة، فالدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد شيكًا على بياض.

لم تعد المسألة إذًا قاصرة على عدد من السياسيين التقدميين، أو مجرد همهمات تطرح في الغرف المغلقة، بل قضية يتحدث فيها الساسة علنًا لجذب القاعدة الانتخابية.

وهذا هو التحول الأخطر؛ فإيباك تستطيع إنفاق ملايين الدولارات لهزيمة مرشح في انتخابات تمهيدية، لكنها لا تستطيع محو الصور التي شاهدها جيل كامل من حرب الإبادة على غزة، ولا منع الأسئلة التي بدأت الأجيال الأصغر في طرحها حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

الجولة الأخيرة

قد تنجح إيباك في إسقاط عبدول، وقد تنجح في دعم عشرات المرشحين الآخرين؛ وقد تظل قادرة لسنوات على صناعة أغلبية مؤيدة لإسرائيل داخل الكونجرس؛ لكنها لن تستطيع إيقاف هذا التحول.

وإذا كان هذا هو حال السياسة الأمريكية الآن، فكيف ستكون بعد عشرة أعوام؟.. فبعد عقد أو عقدين، سيكون الجيل الذي تظاهر في الجامعات ضد حرب غزة، وشاهد صور الأطفال الفلسطينيين تحت الأنقاض،

مظاهرة لطلبة في مخيم الاعتصام المتضامن مع فلسطين في جامعة جورج واشنطن، واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية. 26 أبريل 2024.

ورفض فكرة أن يكون الدعم الأمريكي لإسرائيل غير مشروط، هو نفسه الموجود داخل الكونجرس، ومؤسسات الدولة.

هؤلاء لا يحملون في ذاكرتهم الصورة القديمة لإسرائيل باعتبارها "الدولة الصغيرة المحاصرة" التي تحتاج إلى حماية أمريكية دائمة، بل الكيان العسكري الذي يحتل أراضي الفلسطينيين، ويرتكب جرائم الإبادة والفصل العنصري، ويحصل في الوقت نفسه على السلاح والمال والحماية من الولايات المتحدة.

معركة دولة الاحتلال وجماعات الضغط الداعمة لها في الولايات المتحدة، ليست مع عبدول أو رفاقه؛ إنها مع المستقبل، ومع جيل جديد بدأ يعيد النظر في واحدة من أقدم بديهيات السياسة الخارجية الأمريكية، ألا وهي أن إسرائيل هي القاعدة العسكرية المتقدمة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ودعمها بكل الطرق فرض عين على كل إدارة أيا كان توجهها أو انتماءها.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل ليس هزيمة مرشح مؤيد لها في انتخابات، ولا صعود مرشح معارض لها، وإنما تحول الدعم الأمريكي لها من بديهية سياسية إلى موضوع مطروح للنقاش، ثم من موضوع قابل للنقاش إلى عبء انتخابي، ثم من عبء انتخابي إلى تغيير شامل في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.

عندها فقط ستكتشف إسرائيل أن "قبلة الموت" لم تكن في خسارة مرشحة مدعومة من إيباك في ميشيجان، بل في اللحظة التي أصبح فيها دعم إيباك نفسه عبئًا على من تدعمهم، وأصبح الانحياز لإسرائيل وصمًا يسعى أي سياسي إلى التخلص منه.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.