البيت الأبيض، فيسبوك
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في الكنيست، 13 أكتوبر 2025

خطر على حدودنا الشرقية.. تهجير من غزة وقاعدة أمريكية في النقب

منشور الاثنين 7 أيلول/سبتمبر 2026

في أقل من 24 ساعة، تحدث ثلاثة مسؤولين إسرائيليين بما يكشف بوضوح نوايا دولة الاحتلال وراعيها الأمريكي تجاه قطاع غزة، الذي أثبتت الأحداث أنه لم يعد شوكة في خاصرة الدولة العبرية فحسب، لكن خطرًا يهدد وجودها. ومن ثم، لا وسيلة لاستئصال هذا التهديد سوى "الكي". والكي هنا هو تهجير أهل القطاع، إن لم يكن قسرًا، فبفتح الباب أمام ما يُطلق عليه "الهجرة الطوعية".

يوم الأربعاء الماضي، وبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفقد قواته في غزة، ويشدد على أن الدولة العبرية لن تنسحب من القطاع الفلسطيني؛ كان وزير دفاعه يسرائيل كاتس يكشف عن خطط إسرائيلية جاهزة لإخراج الفلسطينيين من غزة.

نتنياهو قال من داخل "الخطر الأصفر" الفاصل بين الأنحاء التي تنتشر فيها قوات إسرائيلية وتلك الواقعة تحت إدارة حماس "نحن نسيطر على المنطقة، لن نتراجع، سنبقى على هذا الخط".

أما وزير دفاعه، وخلال كلمته في مؤتمر استضافته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، فقال "لا يوجد في نهاية المطاف حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة"، مضيفًا أن الحكومة الإسرائيلية "منظمة ومستعدة لإخراجهم عن طريق البحر والجو، وبكل وسيلة ممكنة"، لكنها تنتظر الدعم الأمريكي والدول المستعدة لاستقبالهم.

وفي اليوم التالي، طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة تستهدف إخراج نحو 1.86 مليون فلسطيني من القطاع خلال سبع سنوات.

ووفق "يديعوت أحرونوت"، سيطرح بن غفير سيطرح خطة تحمل اسم "فك الارتباط 710"، تقوم على ما يسميه "الهجرة الطوعية" من غزة، مستهدفًا مغادرة 250 ألف فلسطيني من غزة في السنة الأولى، و1.11 مليون خلال 3 سنوات، وصولًا إلى نحو 1.86 مليون خلال 7 سنوات.

ويعتزم الوزير المتطرف جعلَ الخطة جزءًا أساسيًا من حملته الانتخابية، بعد عمله عليها لأشهر، كما سيجعل حزبه "القوة اليهودية" يتبناها مطلبًا رئيسيًا في أي مفاوضات للانضمام إلى الحكومة الإسرائيلية المقبلة.

وتتضمن خطة التهجير، توفير دولة وجهة لكل فرد أو عائلة تغادر غزة، إلى جانب وضع قانوني ووثائق وتأشيرات وتمويل للسفر وسكن أولي؛ كما تشمل تدريبًا مهنيًا ومساعدة في التوظيف ودعمًا لمدة تصل إلى 24 شهرًا، وفق الصحيفة.

التهجير مجددًا

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفقة وزير شؤون الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وعدد من قادة جيش الاحتلال، 13 يونيو 2024

التصريحات الثلاثة تختصر مسار المشروع الذي حاول البعض إقناعنا بأنه تحطم على صخرة الرفض العربي والمصري. مشروع يقوم على ثلاث ركائز رئيسية؛ الضغط على المقاومة وإجبارها على تسليم سلاحها، واحتلال أكبر مساحة ممكنة من أراضي القطاع، وأخيرًا إفراغ غزة من سكانها. وهكذا يدخل القطاع ضمن المجال الحيوي الأمني الإسرائيلي، وتعود المستوطنات إلى قلبه، وتتخلص الدولة العبرية من صداعه.

عودة "التهجير" إلى الواجهة، وطرحه ضمن تصريحات وخطط كشف عنها قادة الكيان مؤخرًا، لا تفضح فقط حقيقة المشروع الذي تحاول واشنطن تسويقه تحت عناوين "السلام" و"إعادة الإعمار"، لكن تكشف أيضًا مدى عجز وقصر نظر الدول العربية والإسلامية التي قبلت طوعًا الوقوع في الفخ الذي نصبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عمد إلى إنقاذ إسرائيل من عزلتها وتخفيف الضغوط الدولية عليها، بعد أن صارت دولة منبوذة قادتها ملاحقين بتهم جرائم حرب وإبادة جماعية.

فما يطلق عليه "خطة السلام" التي فرضها ترامب لم تكن خطة لإنهاء الحرب، لكن محاولة لإعادة صياغة المشروع الإسرائيلي في صورة أكثر قبولًا وأقل فجاجة، بعد أن أصبح تسويق التهجير المباشر والسيطرة العسكرية الكاملة أكثر صعوبة. وللأسف، التقطها شركاء وحلفاء واشنطن في الإقليم، وضغطوا على المقاومة لقبولها وتسليم ما لديها من أوراق تفاوض.

في بداية ولايته الثانية، أثار ترامب ضجة واسعة حين دعا إلى مغادرة نحو مليوني فلسطيني قطاع غزة، الذي تحول إلى أنقاض، كما طرح فكرة تطوير القطاع الساحلي المدمر وجعله منتجعًا فاخرًا أو ريفيرا الشرق الأوسط.

مجلس النواب يناقش القضية الفلسطينية ويرفض دعوات التهجير، 27 يناير 2025

الفكرة قوبلت بمعارضة، خاصة من مصر، الدولة الوحيدة التي تشترك بحدود مع قطاع غزة إلى جانب إسرائيل، وهو ما دفعه إلى تنحيتها جانبًا والبحث عن بديل أخف وقعًا يمكن أن يمر وتقبله الدول العربية تدريجيًا.

ثم طرح الرئيس الأمريكي، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، خطة من 20 نقطة بشأن غزة تضمنت عدم التهجير القسري، لكن وزير الحرب الإسرائيلي قال إن "ترامب لم يلغ الفكرة، وإنما جمدها بينما يبحث عن دول تستقبل الفلسطينيين"، مشيرًا إلى أن مصر ليست خيارًا.

حلف التهجير اليميني

الأمر، إذًا، يبدو منسقًا خطوة بخطوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فتهجير الشعب الفلسطيني من قطاع غزة هدف مشترك لحكومة اليمين الصهيوني في تل أبيب والإدارة اليمينية الصهيونية في واشنطن.

ففي أغسطس/آب من العام الماضي، وقبل خروج ترامب بخطته، كانت هناك بالفعل خطتان يجري بحثهما للسيطرة على غزة، إحداهما إسرائيلية والأخرى أمريكية.

الخطة الإسرائيلية التي أقرها المجلس الوزاري المصغر "الكابينت" في أغسطس 2025 قامت على فرض السيطرة الأمنية الإسرائيلية على غزة، والقضاء على حماس ونزع سلاح القطاع، ثم إنشاء إدارة مدنية بديلة لا تخضع للحركة ولا للسلطة الفلسطينية. وكانت السيطرة العسكرية على مدينة غزة ونقل سكانها إلى جنوب القطاع جزءًا أساسيًا من التصور الإسرائيلي.

الولايات المتحدة تعتزم إنشاء قاعدة عسكرية في صحراء النقب بديلة لقواعدها الخليجية التي تقصفها إيران

في المقابل، كشف تقرير لواشنطن بوست في الفترة نفسها عن تصور أمريكي لإدارة غزة لنحو عشر سنوات، يتضمن إعادة إعمار القطاع وتحويله إلى مركز صناعي وسياحي، وإنشاء مدن ذكية، وإعادة ترتيب ملكية الأراضي من خلال "رموز رقمية" يمكن لأصحابها استخدامها في تمويل حياة جديدة خارج القطاع، أو استبدال وحدات سكنية في المدن الجديدة بها لاحقًا. 

لم يكن التصور أمريكيًا خالصًا؛ فقد شارك إسرائيليون في إعداده، وارتبط بمؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. أي أن الفارق بين المشروعين كان فقط في طريقة وآليات التنفيذ.

إسرائيل أرادت فرضه بقوة السلاح والحصار والتجويع، بينما قدم التصور الأمريكي النسخة الأكثر نعومة وقابلية للتسويق؛ تشمل إعادة إعمار واستثمارات ومدنًا حديثة وتعويضات وإدارة انتقالية ومساعدات.

بعد الكشف عن الخطتين، جاء الدور على ترامب ليقدم نسخة ثالثة تحت عنوان أكثر بريقًا: السلام.

في سبتمبر/أيلول 2025، طُرحت خطة ترامب ذات البنود العشرين باعتبارها الطريق إلى إنهاء الحرب. تضمنت وقف إطلاق النار، والإفراج عن الأسرى، وإدخال المساعدات، وانسحابًا إسرائيليًا، وترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، وإنشاء مجلس السلام للإشراف على المرحلة التالية. ووضعت بنود نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية وإنهاء دورها في حكم غزة في قلب الترتيبات الأمنية والسياسية.

أما الدولة الفلسطينية فلم تُذكر إلا لذر الرماد في العيون، إذ تحدثت الخطة عن مسار مشروط بإعادة ترتيب السلطة الفلسطينية وإجراء إصلاحات سياسية وأمنية، بعد استيفاء سلسلة طويلة من الشروط.

وهكذا بدا أن خطة ترامب لا تهدم المشروعين السابقين، وإنما تعيد صياغتهما في وثيقة يمكن أن تحظى بقبول عربي ودولي.

خداع مستمر

كان المستهدف من الخطة إقناع العرب والفلسطينيين أنها تمثل نهاية للحرب ولمعاناة الشعب الفلسطيني في القطاع، فيما جوهرها منح الدولة العبرية ما فشلت في الحصول عليه بالحرب، فبعد أن تحصل على أسراها وجثامين قتلاها، ينتهي أي دور سياسي وعسكري وأمني لحماس في القطاع، وتجبر الحركة ومعها باقي فصائل المقاومة على تسليم سلاحها، تمهيدًا لتهجير الفلسطينيين من أراضيهم بأي صيغة.

قبلت حماس وفصائل المقاومة، تحت وطأة المأساة الإنسانية في القطاع وضغوط عربية وإقليمية مكثفة، المسار الذي قُدم باعتباره طريقًا إلى وقف الحرب. وسَلَّمت أهم أوراق الضغط التي تملكها، بما في ذلك الأسرى والجثامين. لكن بمجرد أن أدى الفلسطينيون ما عليهم من التزامات، بدأت إسرائيل في المراوغة، ورفضت تنفيذ ما يخصها من التزامات.

تعثرت المرحلة التالية، واستمرت إسرائيل التي لا تزال قواتها تحتل نحو 60% من القطاع، في عرقلة مسارها، وفي الوقت ذاته صَعَّدت من عمليات القتل والتدمير والخطف، في ظل صمت أمريكي فُسِّر بأنه ضوء أخضر يتيح لدولة الاحتلال تنفيذ المخطط دون ضجيج وبما لا يضعها مجددًا في خانة الدول المنبوذة دوليًا.

تنفيذ مخطط التهجير، بالصيغة التي يجرى تسويقها إسرائيليًا وأمريكيًا، وهو ما يطلق عليه "الهجرة الطوعية"، يجعل واشنطن وتل أبيب تضربان عصفورين بحجر واحد، فالأمر لم يعد يتعلق بتفريغ القطاع من سكانه الذين تعتبرهم إسرائيل قنابل موقوتة تهدد أمنها وحسب، لكن بإزالة أي تهديد قد يعترض القاعدة العسكرية الأمريكية التي تعتزم واشنطن إقامتها في صحراء النقب، بعدما ثبت أن قواعدها في الخليج ستبقى في مرمى خطر الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.

وبحسب ما أفادت به وول ستريت جورنال، فإن القيادة المركزية الأمريكية تدرس نقل الأنظمة التشغيلية لقواعدها العسكرية في البحرين والكويت والسعودية إلى إسرائيل، ومن بين الخيارات المطروحة إنشاء قاعدة أمريكية جديدة في منطقة النقب تستوعب القوات الأمريكية، وذلك في أعقاب الأضرار التي لحقت بمنشآت أمريكية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.

الأمر لم يعد إذًا تفريغ قطاع غزة الذي يعد خط الدفاع الأول للأمن القومي المصري من سكانه فحسب، لكن يشمل أيضًا زرع قاعدة عسكرية أمريكية على مرمى البصر من الحدود المصرية، بما يمثله ذلك من تهديد لمصر التي لا تزال تتعامل مع إسرائيل باعتبارها عدوًا استراتيجيًا، وتوقن أن المواجهة معها مسألة وقت.. فماذا نحن فاعلون؟

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.