مصر الطيبة في شوارع إنجلترا
وألعن أبوها بعشق زي الداء
أدرس حاليًا الماجستير في إنجلترا، التي لم تكن يومًا على قائمة الدول التي أحلم بالعيش فيها، ولا حتى كانت جزءًا من خططي المستقبلية. لكنها ظهرت في لحظة كان عليّ فيها الاختيار بين حياة لم أكن أريدها في مصر، وفرصة أخرى لم أكن أعرف إلى أين ستأخذني.
بدت إنجلترا في اللحظة الفارقة خيارًا أفضل. أدرس شيئًا يشبهني، وأعيش مع أشخاص يشبهونني، وأجد الكثير من الأفكار والقيم والمساحات التي كنت أبحث عنها. وخلال وجودي هنا، زرت مدنًا وبلدانًا مختلفة. ذهبت إلى أكسفورد، التي تضم واحدة من أشهر وأعرق جامعات العالم، ولم تبهرني. توقعت أن يمسني السحر الذي لطالما تخيلته عن المدن الأوروبية القديمة، لكن أكسفورد لم تدهشني. ليس تقليلًا من عراقتها وجمالها، بل لأنني اكتشفت أنني قادمة من بلد تُعجن فيه الحياة اليومية بالتاريخ.
في مصر، توجد أحياء كاملة في مختلف مدنها ومحافظاتها أقدم من أكسفورد بكثير. هناك لا تحتاج إلى السفر لمدينة تاريخية كي تشعر بالزمن؛ يكفي أن تمشي في شوارع القاهرة لتتعثر في طبقات متراكمة من الحضارات وحكايات العصور المتعاقبة. لا أقصد التقليل من التاريخ الإنجليزي أو من جمال المدن الأوروبية، على العكس، أستطيع أن أقدّر ما أراه هنا، لكنني لم أعد أراه باعتباره شيئًا ينقص مصر. اكتشفت أن مصر لديها الكثير مما يمكن أن تمنحه للإنسان: التاريخ والطبيعة والبحر والنيل والشمس والطعام والموسيقى والحكايات. والمفارقة أنني احتجت الخروج منها حتى أرى ذلك.
ابنة الصدفة
ولدت مصرية مصادفة. لم أختر مصر، كما لم أختر عائلتي أو مدينتي أو اللغة التي أتحدث بها أو المجتمع الذي كبرت فيه. كلها أشياء موجودة قبلي، وكنت أعيش داخلها قبل أن أمتلك القدرة على الاختيار. وربما لهذا احتجت إلى الغربة كي أفهم علاقتي بها؛ لأنني وأنا داخلها كنت أتعامل معها باعتبارها قدرًا أحاول الهرب منه، بينما أصبحت من الخارج أراها جزءًا من هويتي، أستطيع أن أقترب منه أو أبتعد عنه بإرادتي.
والغربة لم تجعلني أكتشف تاريخ مصر فقط، وإنما جعلتني أعيد التفكير في هويتي نفسها. للمرة الأولى بدأت أسأل نفسي: أين أنا على الخريطة؟ ليس جغرافيًا فقط، وإنما معنويًا أيضًا.
في مصر، كنت أتعامل مع هويتي باعتبارها شيئًا مسلمًا به، لكن وجودي وسط جنسيات وثقافات مختلفة جعلني أعود خطوة إلى الوراء وأسأل: ماذا يعني أن أكون مصرية أصلًا؟
اكتشفت أنني إفريقية أكثر مما كنت أتصور. ليس لأنني أريد التنصل من انتمائي العربي أو استبداله بانتماءٍ آخر، وإنما لأنني بدأت أرى مصر من موقعها الجغرافي والتاريخي، وليس فقط من الهوية التي تربيت عليها.
بدأت أقرأ تاريخها من جديد، وأفكر في كل المراحل التي مرت بها: الحضارات القديمة، والتأثيرات الإفريقية والمتوسطية والعربية، والاحتلالات المتعاقبة، وأثرها في اللغة والثقافة والهوية المصرية.
اكتشفت أن علاقتنا بالعالم العربي ليست تاريخًا بسيطًا ومستقيمًا، وأن جزءًا من هذا التاريخ مرّ أيضًا عبر الغزو والاحتلال والسيطرة، كما حدث مع مصر في فترات مختلفة. فلم يعد بإمكاني التعامل مع الهوية باعتبارها شيئًا ثابتًا ونقيًا؛ أدركت أنها طبقات فوق بعضها، بعضها اخترناه وبعضها فُرض علينا، وبعضها تحول مع الوقت إلى جزء حقيقي منَّا حتى لو لم نختر بدايته.
ربما لهذا كان اكتشاف هويتي في الغربة مختلفًا عن كل ما تعلمته في المدرسة: لم أعد أسأل فقط "إلى من أنتمي؟"، وإنما بدأت أسأل: ماذا يعني أن أكون مصرية؟
مصر يا أول نور في الدنيا
أفكر أنه ربما لا توجد هوية مصرية واحدة يمكن وضعها في تعريف قصير. عليَّ قبل أن أتبنى هوية جاهزة، أن أعرف أين أقف، وأين تقف بلدي، وماذا قدمت هذه الأرض للعالم. لأنني، في النهاية، لم أخرج من مصر لأجد هوية أخرى. خرجت منها لأرى هويتي المصرية للمرة الأولى بوضوح.
في مصر؛ قضيتي الأولى والوحيدة كانت متى سأرحل؟ وكيف سأترك هذا البلد؟ كنت أشعر أني لا أحب مصر. في إنجلترا شعرت بالفخر حين لعبت مصر في كأس العالم. اشتريت العلم المصري لأول مرة ومشيت به في شوارع المدينة، وشعرت بالسعادة حين كنت أخبر من ألقاهم أنني مصرية، وأن منتخب بلدي فاز بالأمس، وكان هذا شعورًا أختبره للمرة الأولى.
زاد اندهاشي مع شعوري بالغيرة حين دخلت متحفًا كبيرًا في بريطانيا؛ وقفت تحت إضاءة باردة أمام عدد هائل من الآثار المصرية، وشعرت بالغضب المكتوم وأنا أرى الزوار يتأملون تماثيلنا كقطع ديكور تاريخية عابرة. هم يرون تمثالًا خلف زجاج، بينما أرى أنا فيه ملامح تراثي وتاريخي. غضبت من فكرة أن أشياءَ تخصنا، وتحكي قصصنا، تقف باردة ومغتربة خلف زجاج في بلد آخر.
اكتشفت أنني أؤمن بمصر التي حدثوني عنها في المدرسة؛ مهد الحضارة وبداية العالم. كنت سابقًا أستقبل عبارات الفخر الوطني باعتبارها مبالغات شوفينية تستخدمها الأنظمة الحاكمة في الدول لزرع الانتماء الوطني في نفوس مواطنيها ولا يجب التعاطي معها بجدية، ثم خرجت من مصر ورأيت العالم واكتشفت أنها حقيقة وليست مبالغة. أحببت أن أكون المصرية الوحيدة وسط كل هذه الجنسيات التي ألتقيها في برنامج دراستي. أحببت لهجتي والأشياء الصغيرة التي لم أكن أفكر فيها باعتبارها جزءًا من هويتي. أحببت أن أطبخ أكلات مصرية لأصدقائي من مختلف دول العالم، وأن أرقص أمامهم رقصًا مصريًا.
ريحة الحبايب
خلال فترة وجودي في إنجلترا، اجتهدت في البحث عن خبز يشبه الذي اعتدت عليه؛ خبز لا يشبه المعجنات الأوروبية الخفيفة، بل خبز مشبعًا. لذلك، كان وصول كيس صغير من "العيش المصري"، يحمل رائحة المخابز البعيدة وملمس الدفء الذي أفتقده، قادرًا على إسعادي بطريقة لا يتوقعها أحد.
أحببت أن أحمل معي شيئًا من مصر؛ هدية من خان الخليلي لصديقة إندونيسية، أو قصة عن القاهرة لصديق كولومبي، أو أغنية مصرية، أو رقصة، أو حتى مجرد طريقة مختلفة في الكلام.
مع الوقت، أدركت ما أفتقده؛ الطعام، وبعض الناس، وبعض الضحكات، والتفاصيل الصغيرة التي لا يمكن نقلها بالكامل إلى مكان آخر. لكنني لا أفتقد الحياة التي كنت أعيشها هناك. أتابع أخبار مصر وأعرف ما يحدث فيها، أتحدث مع أهلي وأصدقائي، أسمع الأغاني المصرية، وأستطيع أن أطبخ أكلها وأحيط نفسي بأشخاص من بلدان مختلفة. الأشياء التي أفتقدها يمكنني بدرجات مختلفة أن أعوضها. أما الأشياء التي خرجت من أجلها فلم أجد لها بديلًا في مصر.
أعادت الغربة تشكيل علاقتي بمصر. لأنني وجدت خارجها ما كنت أبحث عنه داخلها ولم أجده. امتلكت حريتي، فلم يعد يملك الجميع رأيًا في كل تفاصيل حياتي. وجدت أمانًا لم أدرك من قبل كم كنت أحتاجه. وجدت مساحة للاختلاف، وراحة أن أقول رأيي دون أن أشعر أنني أهدد النظام الاجتماعي. والأهم أنني وجدت فرصة لأكون أنا، لا النسخة التي يعتقد الآخرون أنني يجب أن أكونها.
أمٌّ للغريب
هنا تعرفت إلى سوريين ويمنيين وفلسطينيين وغيرهم من الأشخاص الذين اضطروا أو اختاروا أن يبدأوا حياتهم في مكان جديد. استمعت إلى حكاياتهم عن أوطانهم، وعن المدن التي تركوها، وعن الأشياء التي يشتاقون إليها، وعن تفاصيل صغيرة لا يفهمها إلا من عاش في بلدهم. والغريب أنني كنت أسمع كثيرًا منهم يتحدثون عن مصر باعتبارها مكانًا احتواهم في لحظة احتاجوا فيها إلى الاحتواء. مصر التي استطاعت أن تستقبل أناسًا من أماكن مختلفة، وأن تمنح كثيرين منهم مساحة ليعيشوا ويندمجوا ويبنوا حياتهم بعيدًا عن أوطانهم.
لم أشعر بالغضب من المفارقة، ولا أعتقد أن احتواء مصر لغير المصريين مشكلة على الإطلاق. بالعكس، أفتخر بهذه القدرة على أن يجد هارب في مصر الأمان، ولكن شعرت بالألم؛ أن أعرف أن بلدي قادرة على الاحتواء، وأن لديها كل هذا الدفء وهذه المساحة، لكنها لم تستطع منحي أيًا منها.
كنت أحتاج أن تكون مصر أمًا قادرة على تقبل اختلاف أبنائها، أن تقول لي إن اختلافك لا يعني أنك مخطئة، وإن أحلامك ليست أكبر من اللازم، وإن رغبتك في العيش بطريقتك لا تعني خيانتك العادات أو الأسرة أو المجتمع. كنت أحتاج مساحة لا تعاقبني فيها بلدي لأني امرأة ترفض القوالب الجاهزة وتسعى لشق طريقها الخاص دون وصاية. لكن هذا لم يحدث؛ ما جعل خروجي فعلًا للنجاة، لا مجرد سفر.
خرجت لأحب مصر أكثر. استطعت أن أراها كاملة: تاريخها وجمالها، بحرها ونيلها، أكلها ولهجاتها، أناسها ودفئها، وفي الوقت نفسه كل الأشياء التي دفعتني إلى البحث عن حياة أخرى.
الخوف من الآتي
أحب مصر جدًا كفكرة، وأكرهها أحيانًا كوطن. أحبها من المسافة التي تسمح لي بأن أفتخر بها دون أن أضطر إلى العودة إليها. وربما لهذا أشعر بحزن حقيقي كلما اقتربت نهاية دراستي هنا. لأنني لا أغادر فقط مكانًا أحببته، وإنما أغادر مساحة عرفت فيها للمرة الأولى شكل الحياة التي كنت أبحث عنها. ومع انتهاء الدراسة، يقترب سؤال العودة، وأنا لا أملك له إجابة. لا أعرف كيف سأكمل حياتي، ولا أعرف أين سيكون بيتي، ولا أعرف إن كنت سأعود إلى مصر أم سأبحث عن مكان آخر أستطيع أن أبني فيه مستقبلًا يشبهني.
ربما أحن إلى الطعمية والكشري، إلى خبز أمي، إلى مياه النيل، إلى بعض الناس وبعض الضحكات. لكني لا أحن إلى مستقبلي الضائع، ولا إلى الأحلام التي لم تجد مكانًا لها، ولا إلى الحياة التي كنت أعيشها وأنا أفكر طوال الوقت في كيفية الخروج منها.
أنا لا أكره مصر. وأعتقد أنني، للمفارقة، لم أحبها يومًا كما أحبها الآن. لكن الحب وحده لا يكفي دائمًا للعودة. أريد أن أعود عندما تصبح مصر بلدًا يشبهني، عندما أستطيع العيش فيها دون أن أتنازل عن نفسي، وعندما لا يكون عليّ أن أختار بين الانتماء والأمان، وبين أن أكون ابنتها وأن أكون أنا. ربما يومًا ما سأعود، لكنني لا أريد أن أعود إلى مصر التي تركتها. أريد، إن عدت، أن أعود إلى مصر التي انتظرتها طويلًا ولم أعرفها بعد.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.