سمير رضوان.. بوصلة للعدالة تعثرت في عالم نيوليبرالي
طرفٌ من أخبار وزير مالية يناير وسنوات الحزب الوطني وغلبة بطرس غالي
في الحكومة التي تشكّلت في الأيام التالية على جمعة الغضب، آخر يناير/كانون الثاني 2011، أتى الاقتصادي الكينزي سمير رضوان وزيرًا للمالية خلفًا للاقتصادي النيوليبرالي يوسف بطرس غالي، وفي اختلافهما الذي يشبه الليل والنار رمزيةٌ دالةٌ.
ينتمي الوزيران إلى عالمين مختلفين؛ يحمل الأول خبرات منظمة العمل الدولية المعنية بتحسين أحوال العمل وحماية العاملين، ويؤمن بأهمية دور الدولة في صنع السياسات الخالقة للعمل اللائق. أما الثاني فمُحمَّل بأفكار صندوق النقد الدولي، التي تنادي بتسليع التعليم والصحة وخفض الأجور، وبتنا نعرف آثارها علينا كمصريين منذ عقد مضى، وحتى الآن نتذكرها كلما ارتفع سعر سلعة أو خدمة.
لعل فورة "الميدان" لم تترك لأهله الطامحين إلى تغييرات جذرية فرصةَ إدراك الفارق الكبير، لأن كلا الرجلين جاء من الحزب الذي ثار ضده المصريون، الحزب الوطني الديمقراطي.
ولكن سنوات ما بعد يناير علمتنا أن ندرك أن للرمادي ألفَ ظلٍّ وظلٍّ، وها هو رحيل الاقتصادي البارز سمير رضوان يفرض علينا واجب إعادة النظر.
ليس الأعلى صوتًا
عاد خبير منظمة العمل الدولية سمير رضوان إلى مصر في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، بعد أن خاض تجارب تنموية دولية، ليساهم في إثراء النقاش العام مع انتخابه مديرًا لمنتدى البحوث الاقتصادية، أحد أبرز مراكز الأبحاث الإقليمية. وقتها، كان قد أنهى للتو مشاركته في تقرير نقدي صدر عن منظمة العمل الدولية بعنوان "عولمة عادلة: من أجل فرص للجميع".
وقبل ثورة يناير، كتب أهم دراسة تكشف تناقص نصيب الأجور من الدخل القومي، ليضع أساسًا علميًا لمطالب رُفعت وقتها بفرض حدٍّ أدنى للأجور. كما كتب دراسة أخرى أقل شهرة عن الإنتاجية، تدحض خطاب رجال الأعمال السائد وقتها في أروقة الحزب، بأن انخفاض الأجور سببه انخفاض إنتاجية العمال.
كما قاد في نفس الفترة فريقًا بحثيًا أنجز دراسة ثالثة عن تنافسية الاقتصاد المصري، انتقدت سياسات تشجيع الاستثمار القائمة على الإعفاءات الضريبية، دافعًا بأنها ليست الطريق السليم لزيادة النمو المحفز للتشغيل، إذ تؤدي إلى دعم شراء الآلات على حساب خلق الوظائف، موضحًا أن تراكم الآلات المستوردة في المصانع ترك طاقة إنتاجية عاطلة، بدلًا من توظيف العمال لتشغيلها.
هكذا بخطوات صغيرة، وضع سمير رضوان أهميةَ سياسات التشغيل والأجور على مائدة الحوار، في لحظة استثنائية انفتح فيها الحزب الوطني على جذب مفكرين وسياسيين يؤمنون بالتغيير من الداخل، وهو ما أسهم في فتح نقاشات داخل الحزب الحاكم حول مستقبل التنمية في مصر.
تنبع أهمية النقاشات التي فتحها رضوان في أنها خلقت خطابًا مضادًا لخطاب الحكومة والحزب، الذي لا يهتم سوى بتشجيع الخصخصة والقطاع الخاص، وأحقية (بعض) رجال الأعمال والشركات في الدعم والإعفاءات الضريبية، دون النظر إلى إدارة السياسات المالية والنقدية إلا عبر عدسات التقشف وسد عجز الموازنة.
لكن محاولات سمير رضوان على أهميتها لم تكن الأعلى صوتًا في مواجهة يوسف بطرس وفريقه.
لندن.. سنوات التقدمية
مَن رأى رضوان عن قرب يعرف طريقته في إدارة المعارك بدبلوماسية وتواضع وابتسامة ساحرة وساخرة، ويدرك بسهولة كيف يبدو مستمتعًا بالشغب الذي يحمله منذ سنوات الدراسات العليا في جامعة لندن خلال السبعينيات، حين كان عضوًا في اتحاد الطلبة SOAS المعروف بتوجهاته التقدمية.
ساهم رضوان في تأسيس رابطة للطلاب العرب، وكان مناصرًا مفوهًا للقضية الفلسطينية في بريطانيا معقل الاحتلال. وكان بيته مفتوحًا لكل طالب مغترب يحتاجه، وفق شهادات متعددة لمن عاصروه في تلك الفترة.
رغم قصر فترة توليه للوزارة، استطاع رضوان كشف تفاصيل مذهلة عن الفساد
يتذكر تلك السنوات بسعادة كبيرة، ويستعيد ذكريات تجوله بالساعات في أروقة لندن التي يحفظها عن ظهر قلب، وفيها تعرف على طالب مصري آخر لا يقل عبقرية وخفة ظل، هو الاقتصادي وخبير الطاقة من جامعة أوكسفورد روبرت مابرو، ربيب الإسكندرية عاصمة التنوع، الذي لا يحمل أي معلم "خواجاتي" باستثناء اسمه وعيونه الزرقاء، وعدا ذلك هو مصري حتى النخاع، مؤمن بحق الشعوب العربية في التنمية العادلة المستقلة.
كتب الباحثان معًا دراستهما الشهيرة "التصنيف في مصر 1939-1973: السياسة والأداء"، ثم ألَّفا كتابًا عن الموضوع نفسه صدر عن أكسفورد بعنوان "التصنيع في مصر بين السياسات والتنفيذ خلال الفترة 1939-1973"، ثم التحق رضوان بمنظمة العمل الدولية ليتابع البحث متخصصًا في سياسات التنمية الريفية، ويساعد في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية لعدد كبير من الدول.
يُمثِّل رضوان إذًا نوعًا من الاقتصاديين الذين يتخذون من هدف التنمية بوصلةً، ومن العمل البشري اللائق وسيلةً للوصول إلى الهدف الأسمى. ويؤمنون بالعمل. وبهذه الروح تسلم حقيبة المالية في عام 2011، وواجه -كما حكي لي- لومًا من أسرته على قبول المنصب بينما كان الثوار لا يزالون في الميدان.
لكن من جانبه، رأى أن وجوده في الوزارة يخدم أهداف التغيير. شاهدته يوم تحدث بين الطمأنة والتهديد في المركز المصري للدراسات الاقتصادية، عقب رحيل مبارك. وقف إلى جانب وزير من نفس الحكومة المولودة من رحم الحزب الوطني، أحمد البرعي، ليقول قولته الشهيرة "المرة دي ربنا ستر"، داعيًا كبار رجال المال والأعمال لقبول إصلاحات ضرورية لصالح إعادة توزيع الدخل.
ثم سرعان ما انقلب عليه النظام الحاكم آنذاك، حتى استقال من منصبه بعد نحو سبعة أشهر، شأن الكثيرين من المسؤولين الأقرب إلى أهداف الميدان، ممن تولوا مناصب حكومية خلال تلك الفترة شديدة التقلب.
بطرس غالي في زمن السوق
رغم قصر فترة توليه للوزارة، استطاع رضوان كشف تفاصيل مذهلة عن الفساد، وحكى لي عن حالةٍ سلَّمَ ملفها بتفاصيله إلى الجهات الرقابية، تخص قريبةَ أحد كبار المسؤولين السابقين، ومقربة من الوزير السابق يوسف بطرس غالي.
حصل غالي، سليل العائلة السياسية العريقة منذ سنوات الملكية والاحتلال البريطاني، على الدكتوراه من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، إحدى جامعات النخبة الأمريكية، حيث ولدت جماعة شيكاغو الاقتصادية. انتمى فكريًا إلى تلك المدرسة التي عملت بين الدول على نشر الأفكار النيوليبرالية في توافق واشنطن الذي سقط بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008، بعد أن كان يروّج لانسحاب الدولة من الاقتصاد والتصالح مع زيادة اللامساواة والأرباح المليارية للشركات الكبرى المتجنبة للضرائب، ويدافع عن تغول عالم المال وتسلط النخب المالية في البنوك والبورصات على صناعة القرار الاقتصادي حول العالم.
معتقدات غالي وتفوقه الدراسي أهلتاه للالتحاق بصندوق النقد الدولي لفترة، عاد بعدها إلى مصر ليشارك في حكومات عصر مبارك بمناصب متعددة آخرها وزير المالية، لتظهر ملامح النيوليبرالية بوضوح في كل سياساته، بالأخص خفض الضرائب على الأغنياء وخفض الرسوم الجمركية على الاستيراد. لكنه ومن ناحية أخرى سعى لزيادة شفافية الموازنة، وهو ما ساعد على زيادة الرقابة الشعبية على المال العام، ونجح أيضًا في فرض ضريبة على الثروة العقارية، وهي ضريبة عادلة لكن شابتها الكثير من الاستثناءات جعلتها والعدم سواء من حيث العدالة وكذلك الحصيلة.
جمع غالي بين منصبه الوزاري وحصانة العضوية البرلمانية لفترة طويلة، حتى ترك البلاد إبان الثورة والتحق بمنصب كبير بصندوق النقد الدولي، وما لبث أن اتُّهم في أكثر من قضية فساد بينما هو مقيم في لندن حيث لا اتفاقية لتسليم متهمين.
خلال الأعوام التالية، ثبت اتهامه غيابيًّا في أحكام نهائية، لكن مع إعادة محاكمته في تلك القضايا صدرت أحكام جديدة ببراءته، ليعود إلى مصر، ويعاود الظهور في المجال العام، ويشير في أحاديث صحفية إلى أن صناع القرار كانوا يستشيرونه طوال العقد الماضي.
كانت تلك هي حصيلة المسيرة الطويلة ليوسف بطرس في المالية، فكيف كانت رحلة سمير رضوان القصيرة في هذه الوزارة؟
في زمن "المجلس العسكري"
التقى رضوان بقادة المجلس العسكري الحاكم للفترة الانتقالية قبل عقد أول انتخابات رئاسية بعد الثورة، ويحكي أن المشير طنطاوي طلب منه طلبًا واحدًا "مهمتك الأساسية ألا ينقطع العيش ولا البوتاجاز عن البلاد"، ليبدأ شهور حكمه القليلة بالتصريح الشهير "أنا خُمس وزير مالية فقط"، في إشارة إلى صعوبة إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي، الذي لا مساحة فيه للحركة سوى من خلال الاستثمارات الحكومية.
إلا أنه لم يستسلم لهذا القدر، وكان أول وأهم ما فعله هو أن مدَّ يده داخل صندوق بانادورا؛ باب الأجور، وهو أحد أبواب الإنفاق الحكومي الذي تظهر فيه أجور كل الموظفين في الدولة، صغارهم وكبارهم، ليكشف عن عدد من المشكلات.
كان رضوان الوحيد الذي تحدث عن اختلال هيكل الأجور داخل الحكومة نفسها، عبر مكافآت بعضها مرصود من خلال الموازنة وبعضها خارج الموازنة، كاشفًا أن الفارق بين أصغر مرتب وأكبر مرتب في الحكومة بلغ ألف ضعف، وراح يعقد مقارنات دولية، ليوضح أن هذا الفارق غير مسبوق، ويقترح معالجة هذا الخلل عبر الضرائب التصاعدية. لكنه لم يبقَ بما يكفي ليستكمل هذا الملف الذي لم تنجح حتى الآن مجهودات إصلاحه.
كما كان يملك خطةً للتعيين في الحكومة عبر الاختبارات على غرار وزارة الخارجية التي تجذب أفضل نخب متعلمة شابة، ضاربًا المثال بالحكومة الهندية التي تحظى بنخبة متميزة من الموظفين العموميين، وذلك بدلًا من أن يتسيد التوريث والمحاباة عمليات التعيين في أجهزة الدولة المختلفة.
حكى لي رضوان آنذاك أنه كان يرجع بحماس كبير إلى كنز أعاد اكتشافه، وهو مذكرات جون مينارد كينز حين كان رئيسًا لوزراء بريطانيا، وأنقذ إنجلترا والعالم من الكساد الكبير من خلال تطبيق نظريته المعاكسة لنظرية الاقتصاد الكلاسيكي؛ التي تسمى النظرية العامة في الفائدة والتشغيل والنقود.
مرت السنينُ، وابتعد رضوان عن دوائر صناعة السياسات في مصر، ليس فقط كفاعل، بل حتى كمستشار
على خطى كينز، صمم سمير رضوان الموازنة الأولى "للثورة"، بحيث تضم حدًا أدنى للأجر، وخطة توظيف طموحة. وإجمالًا أقنع صندوق النقد الدولي -الذي كان مستميتًا لأن توقع مصر معه اتفاقًا- بموازنة يزيد العجز فيها من أجل زيادة التشغيل والإنفاق الاجتماعي. ونشر الاتفاق قبل توقيعه كي يكون علنيًا في سابقة للشفافية لم تتكرر قبله أو بعده. كما وضع على مائدة النقاش العام مشكلة البطالة وأهمية تصميم سياسة لبدل البطالة، بحيث لا تقع أي أسرة تعرض عائلها لفقد وظيفته تحت الفقر.
بالطبع لم تخلُ أشهر رضوان المعدودات من اضطرابات، فقد أثار إعلانه عن تلقي خطابات الباحثين عن وظائف الآلاف من الشباب، الذين تجمعوا حول مبنى الوزارة وكأنها مرقد السيدة زينب أم العواجز. ثم ترك الحكومة لاحقًا ليحل محله تلميذ آخر من تلاميذ صندوق النقد الدولي، هو الاقتصادي حازم الببلاوي.
بوصول الراحل محمد مرسي إلى رئاسة الجمهورية، عارض رضوان، المحب للثقافة والفنون وذو الأفكار التقدمية، حكم الإخوان، وأيد رحيلهم. ثم حذّر بعد الإطاحة بهم رجالَ الأعمال من تجاهل التفاوض مع العمال، وإلا لاقوا نفس مصير الإخوان.
ومرت السنينُ، وتغيرت السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وتولى أبناء مدرستي الصندوق والبنك الدوليين زمام الأمور من جديد، بينما ابتعد رضوان عن دوائر صناعة السياسات في مصر، ليس فقط كفاعل، بل حتى كمستشار. وحين دعت الرئاسة إلى حوار وطني ليرسم خارطة طريق لإصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية لم يُدعَ، بما عزز الانطباع لدى البعض بأن هذا التباعد مقصود.
حين رحل الاقتصادي المصري النابه، تجمعت أطراف الصورة المركبة، ونعته كل أطياف النخبة المصرية؛ من وزارة المالية، إلى زياد بهاء الدين ومحمود محي الدين، إلى زملائه السابقين حين كان طالبًا في لندن. كما نعاه عدد من الاقتصاديين حول العالم من المؤمنين بالعدالة الاجتماعية؛ ذلك الهدف ذو الطريق الصعبة التي خطا فيها سمير رضوان بتعرجاتها وانحناءاتها، وما زالت بحاجة لمزيدٍ من السالكين.


