صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
كيف تستخدم المنصات تقييمات العملاء لضبط العمال ونقل كلفة الإشراف إليهم

المدير المختبئ خلف النجوم

ما يفعله التقييم في العامل

منشور الثلاثاء 15 أيلول/سبتمبر 2026

تنتهي الرحلة، يصل أوردر الطعام، تظهر على الشاشة دعوة قصيرة لاختيار عدد النجوم. لا يرى العميل في العادة ما يحدث بعد الضغط، ولا يعرف العامل كيف ستدخل الدرجة في حساب تقييمه أو فرصته في الحصول على مهمة أخرى.

بين الإصبع الذي يضغط، والقرار الذي يمس الدخل، ثمة بنيةٌ كاملةٌ من القواعد والحدود الدنيا وعمليات الفرز، يملكها الأبلكيشن وحده، لا يشارك العامل والعميل في وضعها. هذه اللحظة الصغيرة تكشف طريقةً مختلفةً لتنظيم العمل، فالتطبيق لا يحتاج إلى مشرف يرافق كل سائق أو كل عملية، لأن أجزاء الإشراف تتوزع بين أطراف متعددة؛ العميل الذي يسجل انطباعهاته، والنظام الذي يحولها إلى مؤشر، والشركة التي تربط المؤشر بامتيازات أو جزاءات على  العامل.

تصف دراسة عن سائقي أوبر علاقةَ التحكم التي تقوم على تفاوت المعلومات بين الأبليكشن والعامل، ففي حين ترى الشركة بيانات السوق وتحدد ما تعرضه للعامل وتغير قواعد الحوافز والتوزيع، فإن السائق يتخذ قراراته في ظل نقص مستمر في المعرفة، ليضيف تقييمُ العميل طبقةً أخرى إلى هذا التفاوت.

قد يعرف العامل رقمَه النهائي، لكنه لا يعرف الواقعة التي خفضته، أو وزنها، أو ما إذا كان الأبليكشن استبعد أثر ازدحام الطريق أو خطأ التطبيق أو تأخر المطعم. باختصار؛ تختفي المسؤولية عن القرارات التي تمس العامل، وعندما يعترض على تراجع فرصه، يمكن إحالة السبب إلى رضا العملاء. وعندما يسأل العميل عن أثر تقييمه، لا تظهر له قواعد تحويل النجوم إلى قرار. 

تبدو الخوارزمية في ثوب المنفذ المحايد، دون النظر إلى أن الشركة هي التي اختارت المدخلات، ووضعت الحدود، وقررت نوع الأثر. 

تحتاج كل شركة خدمية إلى مراقبة الجودة، وتدريب العاملين، والتحقيق في الأخطاء، ومعالجة الشكاوى، وتحديد المسؤولية عندما تتعطل الخدمة. وكل هذه وظائف لها تكلفتها من الأجور والوقت والتوثيق، بالتالي يأتي نظام التقييم فيخفض جزءًا من التكلفة عبر إسناد جزء من المراقبة اليومية إلى المستهلك، وأتمتة فرز العمال، وتحويل عدد كبير من الوقائع المتباينة إلى مؤشرات قابلة للمقارنة.

بالطبع لا تختفي الإدارة، في هذا السياق، إنما تنقل بعض مدخلاتها إلى خارج قوة العمل المأجورة، إذ يراقب العميل نظافة السيارة، وطريقة الحديث، ووقت الوصول، وسرعة الرد، ومدى مطابقة التسليم لتوقعاته، ويرسل تقييماته، ثم تنتج المنصة من هذه المادة سجلًا مهنيًا يلازم العامل. 

ولا يقتصر أثر هذا السجل على مراقبة الجودة؛ بحيث تدار أعداد كبيرة من العمال دون زيادة مماثلة في عدد المشرفين، لكن في اختزال الخدمة بمؤشر فردي ينقل تكلفة أخطاء النظام إلى العامل الموجود في نقطة الاتصال الأخيرة. 

من النجمة إلى الدخل

تختلف الصلة بين التقييم والدخل من أبليكشن لآخر، ولا يجوز افتراض أثر واحد في جميع القطاعات. مثلًا يوضح موقع أوبر في مصر أن تقييم السائق يُحسب من آخر خمسمائة تقييم، والدرجات مجهولة المصدر بالنسبة إليه. وتربط Lyft وهي شركة نقل ذكي عالمية انخفاض التقييم المتكرر بإمكان فقدان الوصول إلى الأبليكشن، مع تحذير السائق عندما يهبط متوسطه عن مستوى تحدده الشركة.

أما Dasher، وهو أبليكشن أمريكي لتوصيل الطلبات، فيشترط ألا ينخفض تقييم السائق من العملاء عن مستوى معين، مستخدمًا تقييم العميل ومؤشرات أخرى، مثل نسبة إكمال الطلبات وقبولها، لتحديد أهليته لبعض برامج المكافآت والمزايا داخل الأبليكشن.

في أبليكشنات العمل الحر هي الأخرى، يتحول التقييم إلى سجل سمعة غير قابل للنقل تحتكره البنية الرقمية. يوضح upwork، أحد أشهر  منصات العمل عن بعد، أن درجة نجاح العمل تُحسب من رضا العملاء ونتائج العقود والعلاقات الطويلة، وذلك يظهر في الملف ونتائج البحث، ما قد يجعل الحصول على مشروعات جديدة أصعب حين تنخفض. 

صحيح أن العميل لا يقرر وحده حرمان العامل من فرصة لاحقة، لكن تقييمه لا ينتهي بانتهاء المهمة، إذ تجمعه المنصة مع تقييمات أخرى، وتستخدم النتيجة في ترتيب العامل داخل نتائج البحث وتحديد فرص حصوله على مشروعات جديدة. كما أن هذه السمعة تظل محصورة داخل المنصة، فلا يستطيع العامل نقلها إلى منصة أخرى، ولا يشارك في تحديد طريقة حسابها أو الأثر الذي يترتب عليها.

الطاعة التي تسبق العقوبة

تبدو الدرجة المجمعة قياسًا دقيقًا لأنها رقم. لكن مدخلاتها، مع ذلك، قد تضم عناصر لا تنتمي كلها إلى أداء العامل بل يعود أغلبها بالسخط عليه. السعر مثلًا لا يحدده العامل إنما تحدده المنصة، والمسار يقترحه التطبيق، والمهلة قد تفرضها سياسة الحوافز، وجودة السلعة قد تقع على المطعم أو المتجر، وظروف الطريق والطقس خارج سيطرة الجميع.

وحتى مع التطبيقات التي تفصل بين تقييم المنتج وأداء العامل، قد يلجأ المستخدم للتقييم كأداة عقابية للتطبيق والعاملين فيه. 

لكن هذه العناصر تندمج كلها مع توقعات العميل الطبقية والثقافية، ومزاجه، وفهمه لواجهة التقييم، وربما تحيزه ضد لهجة أو جنس أو جنسية، وتصب بالأخير في تقييم العامل، بالتالي فإن الرقم لا يمحو العلاقات الاجتماعية التي أنتجته. إنما يحجبها داخل متوسط يبدو قابلًا للمقارنة.

من خلال تحليل أكثر من 12 ألف تعليق لعمال مستقلين رقميين، وصفّت دراسةٌ نشرتها مجلة Organization في يناير/كانون الثاني 2021 نمطًا لما يعرف بالامتثال الاستباقي أمام الإدارة الخوارزمية؛ أي الرضوح لممارسات لا تناسب وظائفهم لكي لا يتأثر مستقبلهم العملي، فقد قلَّل بعض العمال من قيمة عملهم، وحدوا من التواصل مع العملاء، وأداروا مشاعرهم حتى لا تتضرر مؤشراتهم. 

فيما توصل بحث آخر استنادًا إلى مقابلات ومسح شمل عمالًا في عدة دول إلى أن الاستقلال الزمني الذي تعد به المنصات يتعايش مع رقابة خوارزمية فعالة، وساعات غير منتظمة، وإفراط في العمل، وإرهاق وعزلة.

تشير هذه الدراسات إلى أن الخوف من التقييم المنخفض يدفع العامل إلى بذل جهد إضافي لا يُحتسب في الأجر أو زمن العمل. وبما أن الأبليكشن يملك التطبيق ويتحكم في الوصول إلى العملاء والدخل، فإن الخوف من انخفاض هذه المؤشرات يدفع العامل إلى تعديل سلوكه وتجنب ما قد يعرضه للعقوبة. بل قد يؤدي ذلك إلى المزيد من السرعة المفرطة في التعامل، أو قبول طلبات غير آمنة، أو تحمل سلوك مسيء من العميل، بما يضر بجودة الخدمة وسلامة العامل.

تحيز وتمييز

لا يحتاج الأبليكشن لكتابة قاعدة تمييزية من أجل أن ينتهي لنتائج متفاوتة. يكفي أن يجمع أحكامًا فرديةً متأثرةً بالتحيز ويراكمها داخل مؤشر يغيّر فرص العمل والدخل، دون أن يعبأ بأن سوق العمل نفسها تنقسم بين فئات متفاوتة في الأجر والحماية والقدرة على الاعتراض. فالنساء والمهاجرون والجنسيات المهمشة والعمال ذوو الإعاقة ومن يعملون في مناطق أصعب قد يتلقون درجات أدنى لأسباب لا ترتبط بجودة تنفيذ المهمة.

بل وقد تسمح وفرة العمال القابلين للاستبدال للأبليكشن بتحميل الفئات الأضعف تكلفة التحيز بدل معالجة أسبابه، فتتحول نتائجه إلى وسيلة لتجزئة قوة العمل وخفض قدرتها على التضامن، لا تقف عند كونها مجرد خطأ إحصائي داخل نظام التقييم.

لا ينتج الأبليكشن مثل هذه الممارسات التمييزية بسبب قواعده فقط، فقد يمنح عملاءٌ درجات أقل لعمال معينين بسبب جنسهم أو لهجتهم أو جنسيتهم أو إعاقتهم، لا بسبب جودة تنفيذ المهمة، وهذه التقييمات تؤثر بالطبع على فرص العمل والدخل. 

حللت دراسة منشورة في مجلة نيتشر عام 2025 نحو 70 ألف مهمة على أبليكشن للخدمات المنزلية، ووجدت أن العمال غير البيض حصلوا، في ظل نظام التقييم من خمس نجوم، على 91 سنتًا مقابل كل دولار حصل عليه العمال البيض لقاء العمل نفسه. وحين استبدلت المنصة هذا النظام إلى خيارين فقط: إعجاب أو عدم إعجاب، اختفت فجوة التقييم والدخل بين العمال الجدد. 

تثبت هذه النتيجة أن مقياس النجوم الخمس كان يسمح للفروق الصغيرة والمتكررة في تقييمات العملاء، بما فيها التقييمات المتأثرة بالتحيز، بأن تتراكم وتؤثر في دخل العامل.

أثر النجمة

لا يعني انتقاد نظام النجوم حرمان العملاء من حق الشكوى أو مطالبتهم بمنح أعلى درجة للجميع. بعض الشكاوى توثق ضررًا حقيقيًا، والمستهلك يحتاج إلى الحماية والتعويض عندما يتعرض لسلوك مؤذٍ أو خدمة سيئة. لكن المشكلة تنشأ عندما يستخدم الأبليكشن التقييم نفسه لتسجيل رأي العميل، وإثبات مسؤولية العامل، وفرض أثر يمس دخله أو استمراره في العمل. 

قد تمنح درجة منخفضة بسبب تأخر المطعم أو خلل في التطبيق، فتدخل مباشرة في متوسط العامل وتؤثر في فرص حصوله على الطلبات. عندئذ تتحول ملاحظة غير محققة إلى عقوبة من دون إخطار العامل بتفاصيل الشكوى أو منحه فرصة للرد، أو تحديد الجهة المسؤولة عن الخلل.

ليست المشكلة إذًا في أن يقيّم العميل خدمته، بل أن يتحول هذا التقييم تلقائيًا إلى خفض في دخل العامل أو فرص حصوله على طلبات جديدة. فإذا كان انخفاض التقييم ناتجًا عن تأخر المطعم، أو خلل في التطبيق، أو مسار اختاره الأبليكشن، لا ينبغي أن يتحمل العامل نتيجته.

حتى عندما تتعلق الشكوى بسلوك العامل نفسه، يجب ألا يؤدي انخفاض متوسط النجوم وحده إلى عقوبة؛ فأي قرار يمس دخله أو قدرته على العمل لا بد أن يستند إلى مراجعة للواقعة، وإبلاغه بسبب القرار، ومنحه فرصة للرد.

بالتالي ينبغي أن يميز نظام التقييم بين أداء العامل والعناصر الأخرى التي تشكل تجربة العميل، وأن يتمكن العميل من تحديد ما إذا كانت المشكلة في السعر، أو التطبيق، أو المتجر، أو المسار، أو زمن التجهيز، أو سلوك العامل. كما يجب إبلاغه بوضوح إذا كان تقييمه قد يؤثر في دخل العامل أو استمراره في العمل. 

لا تملك النجمة أثرًا بذاتها؛ الأبليكشن هو الذي يحدد وزنها، ويقرر كيف تدخل في تقييم العامل. لذلك لا يكفي تحسين واجهة التقييم أو إتاحة الاستئناف بعد وقوع الضرر.

الحل هو إخضاع معايير التقييم وآثارها للشفافية والمراجعة، وأن يشارك العمال وتنظيماتهم في تحديد ما يُقاس، والعوامل التي يجب استبعادها، والضمانات التي تسبق أي قرار يمس الدخل أو الحساب. عندها يبقى رأي العميل مصدرًا للمعلومات والشكوى، ولا يتحول تلقائيًا إلى أداة لمعاقبة العامل.