عام على صدور قانون العمل الجديد.. لماذا عجزت "هدية الرئيس" عن حماية العمال؟
لم تمر سوى أيام قليلة على دخول قانون العمل رقم 14 لسنة 2025 حيز التطبيق في الأول من سبتمبر/أيلول 2025، وكانت شركة لينين جروب على موعد مع مأساة إنسانية وعمالية غير مسبوقة. ماتت طفلة رضيعة على ذراع أمها العاملة. رفضت الإدارة منح دعاء محمد إجازةً أو إذنًا للذهاب بابنتها المريضة إلى المستشفى، فبقيت ثلاث ساعات داخل الشركة، وما إن سُمح لها بالانصراف حتى توقف قلب صغيرتها سيليا، وهي لم تغادر بعدُ محيط الشركة.
قبل الحادث بأربعة أشهر كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يتباهى بـ"نقلة نوعية في مسيرة الحقوق العمالية" وهو يعلن عن قانون العمل الجديد خلال احتفالية عيد العمال بشركة السويس للصلب في 3 مايو/أيار 2025. أطلقت الحكومة حملة إعلامية قادها وزير العمل السابق محمد جبران لـ"الترويج" لمزاياه، بل واعتبره "هدية الرئيس للعمال في عيدهم".
لم تكن واقعة لينين جروب مجرد نتاج لتعسف إداري بل انتهاك صريح للقانون الجديد
لا ينكر حتى منتقدو القانون احتواءه على نصوص جيدة، على رأسها الاعتراف بقطاعات عمالية هشة ظلت لعقود خارج مظلة الحماية القانونية، لكن هذا لم يمنع حملة الانتقادات الواسعة التي طالت القرارات الوزارية التنفيذية الصادرة بشأنه، ما وضع "هدية" الرئيس للعمال في اختبارات صعبة على الأرض، فهل استطاع بعد عامٍ من إقراره اجتيازها أم اصطدم بواقع علاقات العمل، وموازين القوى التي ظل العامل فيها الطرف الأضعف؟
معاقبة العاملات على أمومتهن
واقعة لينين جروب ليست مجرد نتاج لتعسف إداري، بل انتهاك صريح للقانون الجديد، فالأم التي اضطرت للذهاب إلى الشركة رغم مرض ابنتها خوفًا من حرمانها من "بدل غلاء المعيشة"، حُرمت من حقها في التغيب عن العمل لسبب عارض، وفقًا للمادة 128 من القانون، فيما خلت الشركة، حسب شهادات عمال لـ المنصة، من أي نسخ معلقة من نظام تشغيل النساء، كما تنص المادة 59.
هذه لم تكن الحالة الوحيدة التي كشفت تعنت أصحاب العمل ضد الأمهات العاملات. ففي يناير/كانون الثاني 2026، فصلت إدارة شركة أكاي للملابس الجاهزة في بورسعيد 9 عاملات تعسفيًا، وأبلغتهن، حسب شهادات لـ المنصة، بأن السبب هو أنهن "نساء غير قادرات على السهر بعد مواعيد العمل الرسمية".
وقالت إحدى العاملات المفصولات لـ المنصة إنها بعدما عادت من إجازة الوضع، شعرت أنها مضطهدة؛ وعانت من "تلاكيك من المدير على الصغيرة والكبيرة، حتى في وقت الحمل، كنت حاسة إنهم عايزين يطفشوني".
فيما تؤكد عاملة أخرى لـ المنصة، لا تزال تعمل بالشركة، أنهن يُجبرن بشكل شبه يومي على العمل لساعات إضافية، لنحو 12 ساعة متواصلة، رغم أن بعضهن حوامل وأخريات عائدات من إجازة الوضع.
تمثل هذه الممارسات انتهاكًا صريحًا لقانون العمل، سواء للمادة 54 التي تحظر إلزام الحوامل أو الأمهات خلال الأشهر الستة التالية للوضع بساعات إضافية، أو للمادة 117 التي تحدد الحد الأقصى لساعات العمل بثماني ساعات يوميًا و48 ساعة أسبوعيًا، كما تحمل في طياتها استغلالًا شديدًا للعمال.
ورغم أنه "أحيانًا ما يكون العمل الإضافي ميزة يستطيع العمال من خلالها تحسين دخولهم، لكن ما يحدث أنه يتحول إلى نمط دائم، لا طريقة تشغيل مؤقتة قد تقتضيها ضرورة العمل. فييُجبرون على العمل الإضافي لتوفير كلفة تعيين عمال جدد، على حساب صحتهم واستقرارهم الأسري، وغالبًا ما يتقاضى العمال أجورًا إضافية أقل من حقهم القانوني"، كما يقول الباحث العمالي حسن بربري لـ المنصة.
التسريح والإجبار على الاستقالة
في فبراير/شباط الماضي، أجبرت إدارة الشركة التركية المصرية لصناعة الملابس T&C عاملَيْن على تقديم استقالتيهما بسبب مشاركتهما في إضراب نهاية يناير، بعد تهديدهما بإبلاغ الأمن الوطني عنهما بتهمتي التخريب والتحريض على تعطيل العمل.
وتكرر الأمر في مارس/آذار الماضي، حين طالبت الإدارة 30 عاملًا وعاملةً بعقود سنوية، أمضى بعضهم خمس سنوات في الشركة، بتقديم استقالاتهم بدعوى التقصير. وتحت ضغط الحاجة، قَبِل بعضهم الاستقالة مقابل صرف راتب فبراير المتأخر والحصول على قيمة المدة المتبقية من العقد، من دون أي تعويض عن سنوات عملهم السابقة، حسبما قال أحد العمال بالشركة لـ المنصة.
يعتبر المنسق العام لدار الخدمات النقابية أن القانون نفسه أسهم في زيادة وتيرة التسريح
هكذا ظلت نصوص القانون عاجزة عن حماية العمال من الإجبار على الاستقالة، رغم أن إحدى مزاياه التي طالما تفاخرت بها الحكومة، كانت إلغاء "استمارة 6" التي اعتاد أصحاب العمل على إجبار العامل أو خداعه للتوقيع عليها عند التعاقد معه، حتى يسهل التخلص منه، وحرمانه من حقوقه القانونية، حيث اشترطت المادة 167 "اعتماد الجهة الإدارية المختصة" للاستقالة.
لكن القرار الوزاري رقم 187 لسنة 2025 "فرّغ المادة من مضمونها وأسقط فعليًا الحماية التي ضمنها القانون"، حسب ما جاء في عريضة موقعة من قوى سياسية ونقابية تقدمت بها دار الخدمات النقابية والعمالية، فبراير الماضي، إلى رئيس الوزاراء للمطالبة بإلغاء القرار.
وأجاز القرار 187 إنهاء علاقة العمل "بالاتفاق والتراضي" بين العامل وصاحب العمل، دون التقيد بالضوابط المنصوص عليها للاستقالة في المادة 167، ما اعتبرته العريضة "ثغرة خطيرة تعيد إنتاج ممارسات اشتكى منها العمال لسنوات، وتفتح الباب لتبرير الفصل والحرمان من المستحقات".
هذا ما يؤكد عليه المنسق العام لدار الخدمات النقابية كمال عباس، ويوضح لـ المنصة النصوص ستظل عاجزة عن حماية العمال من الإجبار على الاستقالة ما دامت التهديدات الأمنية ووقف الرواتب أداتين في يد أصحاب العمل لابتزازهم.
بل ويعتبر عباس أن القانون نفسه أسهم في زيادة وتيرة التسريح، إذ منحت المادة 156 صاحب العمل والعامل الحق نفسه في إنهاء عقد العمل غير محدد المدة، متجاهلةً أن العامل هو الطرف الأضعف، كما أتاحت المادة 87 إبرام عقود محددة المدة بلا ضوابط، ليصبح هذا النوع من العقود هو القاعدة لا الاستثناء.
واستمرارًا لانتهاك نصوص القانون، تكررت وقائع الفصل والتسريح الجماعي للعمال، خلال الأشهر الماضية، ففي ديسمبر/كانون الأول الماضي فصلت إدارة "النساجون الشرقيون" 70 عاملًا بعد تحقيقات "صورية" لاشتراكهم في جروب على فيسبوك يتناقشون فيه حول أوضاعهم داخل الشركة، كما سرحت شركة مصر للألومنيوم بنجع حمادي في مارس الماضي أكثر من 500 عامل بعقود مؤقتة عقب مشاركتهم في اعتصام وإضراب للمطالبة بالتعيين وتطبيق الحد الأدنى للأجور، بعد فض الاعتصام بالقوة.
معركة الحد الأدنى
رغم تغليظ قانون العمل الجديد غرامة عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور، لتتراوح بين حد أدنى ألف جنيه وأقصى 20 ألفًا، ظل مطلب تطبيق الحد الأدنى محورًا لأغلب الاحتجاجات العمالية، في القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية، إضافة إلى احتجاجات عمال النادي الأهلي، وصحفيي الوفد والبوابة نيوز.
وبينما نجحت بعض الاحتجاجات في الحصول على الحد الأدنى، اضطر عمال غالبية الشركات إلى إنهاء احتجاجاتهم، إما بعد وعود لم تُنفذ، أو تحت ضغط التهديد بالفصل والحبس.
وتشير النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لشهر مارس 2026، أن 15 قطاعًا اقتصاديًا من بين 20 قطاعًا ذكرته النشرة، يتراوح الأجر اليومي فيها في الربع الرابع من عام 2025، بين 175.9 و269.3 جنيه، أي أن معظمهم يتقاضى ما يقل عن الحد الأدنى للأجور، البالغ 7000 جنيه.
ويشدد حسن بربري على أن المنشآت الاقتصادية، خاصة شركات القطاع الخاص، لن تطبق الحد الأدنى، طالما ظلت آليات إلزام أصحاب العمل غائبة، واستمرت الدولة ومؤسساتها في الانحياز لأصحاب العمل.
"رغم البيانات العديدة لوزارة العمل عن تفتيشها على آلاف المنشآت وتحرير محاضر ضد المخالف منها لقرار الحد الأدنى، فإننا لم نرَ دعوى قضائية واحدة تم تحريكها من قبل الوزارة ضد أصحاب تلك المنشآت، والدعاوى النادرة التي يتم رفعها تكون بناء على شكاوى يتقدم بها العمال كما في أزمة صحفيي البوابة نيوز"، يقول بربري.
وقضت محكمة الجنح العمالية بشمال الجيزة، في 20 أبريل/نيسان الماضي، بتغريم رئيس مجلس إدارة جريدة البوابة نيوز عبد الرحيم علي، 13 ألف جنيه عن كل فرد من 257 صحفيًا وعاملًا بالمؤسسة، بإجمالي 3 ملايين و341 ألف جنيه، للامتناع عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، بعد شكوى تقدم بها 257 من العاملين في الجريدة إلى مكتب العمل بالدقي، والذي أحالها إلى المحكمة.
لا يعتقد بربري أن ما حدث من صحفيي البوابة متاحٌ لباقي العمال خاصةً داخل القطاع الخاص، فـ"تقديم العمال شكاوى ضد صاحب العمل معناه أن يتم التنكيل بهم، وإرغامهم على التنازل عنها وقد يواجهون الفصل إذا رفضوا ذلك، هذا الدور منوط بوزارة العمل، ويبدو أنها ليست لديها الإرادة لفعل ذلك إرضاءً لرجال الأعمال".
ويلفت الباحث العمالي إلى ما يصفه بـ"تخاذل الحكومة" عن تشكيل المجلس القومي للأجور، بالمخالفة للمادة 102 من القانون، ما يعرقل إصدار قرار بالحد الأدنى لعمال القطاع الخاص، قبل بدء تطبيقه على عمال الحكومة في يوليو/تموز المقبل.
أنماط العمل الجديدة
تضمن قانون العمل الجديد نصوصًا جيدة تخص العمالة غير المنتظمة، إذ وسّع فئاتها، وأنشأ لها صندوقًا خاصًا، واعترف بأشكال عمل جديدة مثل العمل عن بُعد وعمال المنصات الرقمية. لكن تلك النصوص ظلت في رأي عباس شكلية، تفتقد لآليات التطبيق، حيث لم تصدر حتى الآن أي قرارات تنفيذية تنظم وضع العمالة، وتضمن عدم تهرب أصحاب المنصات من مسؤولياتهم تجاه العمال.
القانون اعترف بعمال المنصات دون ضمانات فعلية لحمايتهم
ويؤكد بربري على أن قدرة وزارة العمل على التفتيش على المنصات أو إلزامها بتحرير عقود للعاملين بها، معدومة، و"لا تمتلك مديريات العمل أدوات ولا قدرات بشرية لفعل ذلك، بدليل أنه حتى الآن لم نرَ وسط بيانات وزارة العمل المتعددة، أي نبأ عن التفتيش على المنصات، أو مراجعة عقود العاملين بها أو مدى التزامها بتطبيق الحد الأدنى".
كذلك تبقى أوضاع العاملين في الزراعة، التي تمثل 18.7 من إجمالي المشتغلين في مصر وفقًا لبحث القوى العاملة عام 2024، كأحد أكثر القطاعات استيعابًا للعمالة غير المنتظمة، هي الأسوأ، حيث استغلال مضاعف خاصةً للنساء والأطفال، الذين يدفعهم العوز للعمل لأكثر من 15 ساعة، بحساب ما تستغرقه الطريق في رحلتي الذهاب والعودة إلى منازلهم، مكدسين في وسائل نقل متهالكة، مقابل عشرات الجنيهات.
يتساءل عباس "هل تعلم الحكومة شيئًا عنهم أو عن أجورهم الزهيدة أو أوضاع عملهم، أو تلقي بالًا لعشرات الشهداء الذين تزهق أرواحهم على الطرق؟ وهل وضعت القرارات التنفيذية للقانون آليات عملية تستطيع حمايتهم؟".
يتفق عباس مع بربري في أن القانون الجديد لم يترك أي أثر إيجابي يذكر على أوضاع العمال رغم ما يحتويه من نصوص جيدة، مرجعين السبب إلى جانب ما ذكراه عن افتقاد الآليات، إلى ضعف التنظيمات النقابية أو غيابها خاصة داخل القطاع الخاص، نتيجة لخنق الحريات النقابية، والمحاولات المتعمدة لـ"تخريب" النقابات المستقلة، والتدخلات الأمنية في الانتخابات النقابية.
يستشهد عباس بما حدث في الدورة الانتخابية العمالية (2022-2026) حيث استبعد جهاز الأمن الوطني عشرات المرشحين، وما حدث بعد ذلك من عرقلة عمل نقابة العاملين بأندية قناة السويس المستقلة، وإقبال إدارة شركة يونيفرسال على فصل جميع أعضاء اللجنة النقابية المستقلة بالشركة.
ليحلَّ عيد العمال وسنة مرت على تصديق الرئيس على قانون كان يُفترض أن ينصف العمال، لكنهم ما زالوا يخوضون معارك شاقة من أجل أبسط حقوقهم، بينما يكافح ضحايا التسريح والفصل التعسفي في الحصول على عمل بديل، دون جدوى.


