تصوير صفاء عصام الدين، المنصة
مقر مجلس النواب بالعاصمة الإدارية تغطيه عاصفة ترابية، 12 يناير 2026

هل يعرف النواب قيمة ما أقسموا عليه؟

منشور السبت 17 كانون الثاني/يناير 2026

رغم كل ما قيل عن خروقات وانتهاكات شابت أطول انتخابات برلمانية في تاريخ مصر، اكتملت صفوف مجلس النواب وبدأ فصل تشريعي جديد بأداء النواب القسم الدستوري، سواء كانوا معينين من رئيس الجمهورية، أو من في حُكم التعيين عبر القائمة المطلقة المغلقة التي أصرت السلطة عليها، وكذلك المنتخبين فرديًا، وفق قاعدة "التوقف والتبين السياسي".

رأينا وسمعنا من ينادي على الأعضاء فردًا فردًا فينهض أحدهم ويمد ورقة تسلمها ليقرأ القسَم، بنطق سليم تمامًا عند القلة، وفيه بعض الاعوجاج في التشكيل واستقامة اللفظ والصوت عند الأغلبية الكاسحة، بينما تعتعت قلة أخرى في النطق، ولولا الخوف من تكرار ما جرى مع عضوة بمجلس الشيوخ صارت محور تندُّر جمهور السوشيال ميديا لطُلب من هؤلاء إعادة القسَم مرات.

بين القول والفعل

بعيدًا عما يعتبره هؤلاء النواب وبعض أنصارهم وإعلام السلطة السياسية مسألة شكلية، فإن هذا القَسَم في حد ذاته لو عمل به ناطقوه حق العمل، والتزموا به حق الالتزام، لتغيرت أشياء كثيرة.

لكن الأداء على مدار الفصول التشريعية المصرية المتواصلة، يطرح سؤالًا مهمًا في هذا الشأن، هل يُلتزم بهذا القسَم فعلًا، سواء كان ذلك في التجارب البرلمانية السابقة، أو ما هو متوقع ممن بلغوا الفصل التشريعي الراهن؟

ابتداء أقول، لو نَطق كل عضو في مجلس النواب اليوم القسَم بقلبه وضميره وعقله، وظلت جوارحه ومشاعره يقظة طوال الفصل التشريعي كله، لتبدل حال مصر تمامًا. لكن ما عسانا نفعل مع كل من يتحدث من طرف لسانه، وأين نخفي مع البعض الحكمة السابغة والمعادلة المستقرة التي تقول "فاقد الشيء لا يعطيه".

هذا قسَم لو جاء من إخلاص وتفان لاهتزت له الجبال، وانشقت الأرض لتخرج كل ما تخفيه من عطاء، أليس هذا نصه "أقسم بالله العظيم، أن أحافظ مخلصًا على النظام الجمهوري، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه".

يا له من قسَم لو تعلمون عظيم، نطق به كل نواب الفصول التشريعية السابقة، لكن أين تطابق القول مع الفعل، في كل عبارة، وكل فاصلة وواصلة، وكل عاصمة وقاصمة؟! وهل ينسى النواب القسَم بمرور الوقت، أم يؤدونه باعتباره شكلًا أشبه بـ"استيفاء الإجراءات" المعتادة، التي تفقد معناها من كثرة تكرارها، أو التعامل معها باعتبارها مسألة لفظية لا بد من الاستجابة لها لأن القانون ينص عليها، ولا شيء أكثر من ذلك؟

اليمين الجامع

يفرض الالتزام بهذا القسم أمورًا عدة، يعرفها كل نائب، وإن لم يكن فعليه أن يعرف ويهتم، منها أداء اليمين بعبارة "أقسم بالله العظيم"، ليدرك النائب أنه قسَم غليظ، موصول بالسماء، وأن النائب طالما كان يؤمن بوجود الله، وقيام الساعة، ومجيئه فردًا يوم القيامة ليُسأل عما قال وفعل، فعليه أن يراعي كل هذا، ويلتزم بما ورد لاحقًا في القسم، كاملًا غير منقوص، في السر والعلانية، لأن السلطة التنفيذية ومختلف أجهزتها لن تكون معه أمام الله، في يوم "يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه"، وفق النص القرآني.

يتطلب الحفاظ على النظام الجمهوري أن يكون هناك حرص على نظام سياسي يحقق هذا التوصيف والتصنيف، فلا يكون مَلكية سافرة أو مستترة تورث فيها السلطة والثروة العامة، ولا تتبدد فيها وتغيب فرص تداول السلطة والتعددية السياسية المفتوحة، مع ضمان تمثيل أفراد السلطة العليا بحق لأدوارهم الطبيعية كموظفين كبار يديرون البلاد، وليس أي شيء آخر.

احترام الدستور لا يكون أبدًا بترديد عبارة تقول هذا، إنما هو تدبير وتصرف يؤكد قيام النص الدستوري إطارًا لكل شيء في الدولة، وأن يكون حاضرًا لا يغيب، وساهرًا لا ينام، وأن يأتي القانون ممتثلًا له، معبرًا عنه، يحقق أهدافه كاملة، ويراعيه شكلًا ومضمونًا، وليس وسيلة لتفريغ النصوص الحاكمة من مضمونها عبر تفاصيل كثيرة تسكنها كل الشياطين التي تريد تحويلها إلى كلام يُقرأ، بينما يتعطل التطبيق.

تتطلب "رعاية مصالح الشعب" ضرورة مراعاة النواب المصلحة العامة أو على الأقل مصالح الأغلبية الكاسحة من الناس في كل ما يسنونه من تشريعات وقوانين، على أن يكون القانون محتفظًا بخصائصه كقواعد عامة مجردة، وليس "قانون ملاكي" وفق التعبير دارج الاستعمال، والمتداول على ألسنة كثير من الناس ينطقون بها إن صدر قانون لصالح فئة أو مجموعة أو شريحة أو أصحاب اتجاه، أو لصالح السلطة التنفيذية.

يفرض القسم كذلك الحفاظ على استقلال الوطن، ووحدة وسلامة أراضيه، أن يضع كل نائب مسألة السيادة نصب عينيه، فلا يقبل أي مساس بأموال الشعب أو "أصول الدولة"، ولا يساهم في فتح الباب لديون ثقيلة تجعل القرار السياسي والاقتصادي الوطني تابعًا، أو خاضعًا، ولا يكون نافذة لأي تفريط في التراب الوطني، وأن يمثل الأمة جمعاء، بما يخدم التماسك والترابط الجغرافي لمصر، ولا يصبح مجرد نائب لدائرة أو جهة محلية.

من وضع القسَم على هذا النحو جعله جامعًا في اللفظ والمقصود، ليكون بمثابة عهد من كل نائب لأبناء الشعب بأنه سيمثلهم، أي يحقق صالحهم ويحافظ على مجتمعهم، ولذا يؤدى علنيًا ليشهد الشعب عليه، ولا يُسمح بتخلف أحد عنه، ولا التعديل والتبديل فيه، ولا نطق جزء منه وإهمال البقية.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.