ضد 11 سبتمبر من أجل لحظة كلحظة السويس
في مساء الثلاثاء 11 سبتمبر/أيلول 2001، كنت في عزاء جدّي. الطفل الذي كنتُه وقتها أتم العاشرة لتوِّه. لم يكن واعيًا تمامًا بالحزن، خاصة وأن عمر جدي وظروف حياتنا لم تسمح بتشكّل رابطة خاصة بيني وبينه.
في العزاء، جلس والدي وأخوالي وعدد من الأقارب والأحبَّة ممَّن دفعتهم أواصر الصلة للبقاء بعد انتهاء العزاء الرسمي، يتحدثون عن شيء غامض جرى في الولايات المتحدة. لم يكن اسمها بالنسبة لي "الولايات المتحدة"، وإنما "أمريكا". وكل ما أعرفه عن أمريكا هذه أنها البلد الذي يحاصر العراق ويقصفه.
ما زلت أذكر رغم أنني كنت ما زلت في السابعة من عمري أخبار عملية ثعلب الصحراء عام 1998، لكنني لم أفهم منها سوى ذلك؛ أن الولايات المتحدة -عفوًا، أمريكا- تقصف العراق، ولكنني لم أفهم لماذا. علمت لاحقًا أن خصوم بيل كلينتون اتهموه بأن العملية جاءت للتغطية على إجراءات عزله بعد فضيحة مونيكا لوينسكي. وعندما عرفت ذلك لاحقًا لم يتراجع السخط الطفولي أمام التفهم الناضج، بل ربما تعمق.
تقول بعض التقديرات إن ما يقارب 62 جنديًا عراقيًا قتلوا، وجُرِح ضعفا هذا العدد، بالإضافة إلى 82 قتيلًا مدنيًا. أي أن عشرات الأرواح البريئة أزهقت في غضون ساعات لأن رجلًا أمريكيًا كذب بشأن ملامسته جسد امرأة أمريكية في ليلةٍ ما لا يعرف العراقيون عنها شيئًا.
ولأن أختي كانت من جمهور كاظم الساهر، أُضيفت إلى أخبارِ ثعلب الصحراء أخبارُ حصار العراق الذي غنَّى له على مسرح دار الأوبرا في القاهرة عام 1998 "تذكَّر كلما صلَّيتَ ليلًا ، ملايين تلوك الصخر خبزًا".
أما المُكوِّن الثاني في وعيي الطفولي الساذج؛ فتمثَّل في انتفاضة الأقصى التي اندلعت في سبتمبر 2000، أي قبل سنةٍ من هجوم سبتمبر. وأمام مفارقة أخرى عن عالم صامت عن حق واضح كالشمس، وأطفال يقتلهم جنود مدججون أمام الكاميرات، كانت هناك إجابة من كلمة واحدة تكفي لشرح الجريمة الإسرائيلية المستمرة: الولايات المتحدة.
ما يفعله تراكم الغضب
جعل كلُّ ذلكَ رد الفعل الأوَّلي بين الكبار في عزاء الجد، والصغار من أمثالي في أول يوم دراسي بعد الضربة، هو الاحتفال بالحدث الذي لم نفهم أبعاده تمامًا، ولم ندرك فجيعة ضحاياه.
عندما أخذ يتكشف حجم ضحايا المأساة في الأيام التالية غرقنا جميعا في فصام عجائبي، بين الاحتفاء ببطولة الشيخ أسامة بن لادن الذي لقّن الأمريكان درسًا، والحديث عن مؤامرة يهودية هدفها جر الولايات المتحدة إلى الصراع مع المسلمين. وعلى مدى السنوات القليلة التالية، نضج الشعور الإنساني بمآسي الضحايا، ونضج معه السخط السياسي من تلك الإمبراطورية التي تقتلنا بلا سبب.
عبّر ذلك الفصام العاطفي عن تحولٍ في الوعي الثقافي تجاه ما يُسمى بـ"الغرب". كان الغرب في خطاب التحرر الوطني العربي بعد الحرب العالمية الثانية اسمًا جغرافيًا لقوى تصادف أن تجتمع في الشمال الغربي من العالم كما يبدو على الخريطة، أي دول أوروبا الغربية التي مثلت قوى الاستعمار التقليدي. أما الولايات المتحدة نفسها فقد ظلت خلال الخمسينيات اسمًا لعالم جديد؛ ليس العالم الاستعماري لكنه أيضًا ليس عالم التحرر الاشتراكي. ولم تندرج الولايات المتحدة بوضوح بين القوى الاستعمارية سوى جزئيًا بعد أزمة 1958 في لبنان، ثم بوضوح في الستينيات بعد أزمة خليج الخنازير واندلاع حرب فيتنام وتشكّل التحالف الحديدي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
كان 11 سبتمبر الذروة التي بلغتها التطرفات الثقافية على الجانبين الإسلامي وفي الغرب
في كل ذلك، لم يكن العداء مع هذا الغرب عداءً حضاريًا أو ثقافيًا مع كتلة نفترض لها هويةً واضحةً مناقضةً لهويتنا، أو قيمًا معادية لنا، وإنما عداء سياسي مع قوى إمبريالية تحاول الاستيلاء على ثرواتنا ولا تستخدم الهويات الثقافية والشعارات الدينية والحضارية إلا غطاءً لسياساتها الاستعمارية، تمامًا كما كان الصليب بالنسبة للصليبيين بحسب ما قدمهم يوسف شاهين في رائعته الناصر صلاح الدين سنة 1963.
صحيح أنَّ تجاذبًا وقع في ذلك الوقت بين القوميين والشيوعيين حول وصف التناقض العالمي، حيث رأى القوميون أن جذور العداء تعود إلى الصراع القومي بين العرب وغيرهم من القوميين في العالم الثالث، والحكومات الإمبريالية في أوروبا، ولا مانع لذلك نظريًا من أن يصير الاتحاد السوفيتي نفسه إمبريالية جديدة، كما لم يكن هناك مانع في الخمسينيات من مصافحة اليد الأمريكية الممدودة.
أما الشيوعيون فقد رأوا الصراع صراعًا عابرًا للقوميات (أمميٌّ بتعبير ذلك الزمن) بين طبقات تستغل طبقات، ولم يسعوا إلى التحرر الوطني من منطلق قومي، وإنما باعتباره شرطًا لكسر الرابطة الكولونيالية مع الرأسمالية.
غير أنَّ تلك الخصومة نفسها انحلت بعد هزيمة يونيو 1967، عندما وجد القوميون أنفسهم مضطرين إلى التحالف مع الاتحاد السوفيتي، وفي خصومة مباشرة مع الولايات المتحدة، ووجد الشيوعيون أنفسهم في مواجهة واقعة كئيبة من إسرائيل إلى الجزائر، هي تحالف العمال والرأسمالية في المركز الإمبريالي ضد الشعوب الخاضعة للاستعمار.
عصر التطرف
منذ نهاية السبعينيات، أخذ هذا الغرب يتغير، فأصبح كتلة ثقافية حضارية دينية، تدور هويتها حول المسيحية المطعّمة بأفكار صهيونية، يواجهنا نحن الشرق الذي أصبح بدوره كتلة ثقافية حضارية دينية، تدور هويتها حول الإسلام مُطعّمًا بأفكارٍ قوميةٍ عربيةٍ وبنقدٍ للرأسماليةِ الغربيةِ مقتطعٍ من سياقه الشيوعي. ولم تكن المواجهة في أولها صراعًا، بل جاءت على شكل تحالف بلغ ذروته في أفغانستان، حين رحب مفكرون مسلمون بتحالف المسلمين والمسيحيين ضد الشيوعيين الملحدين.
لم يكن هذا التحول مجرد انحراف ثقافي أصاب الوعي العربي والإسلامي بفعل قوى الصحوة الإسلامية الممولة خليجيًا. لعبت تلك القوى دورًا ثقافيًا سلبيًا بالتأكيد منذ هزيمة يونيو، لكنها لم تكن سوى الوجه الآخر من تحول عالمي جرت فعالياته بالتوازي في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها مع صعود حركة الأغلبية الأخلاقية بقيادة المبشر الإنجيلي جيري فولويل، ولم تكن مصادفةً أنها تأسست عام 1979، حيث اندلعت الثورة الإيرانية واشتدَّ عود حركات الصحوة الإسلامية.
عاشت اليهودية والهندوسية صحوات شبيهة في نفس الوقت تقريبًا، فظهرت الكاهانية اليهودية التي بلتنا اليوم بمجرمي الحرب الإسرائيليين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وجرى إحياء الصهيونية التصحيحية بعد الفوز الانتخابي لحيروت (الليكود لاحقًا) بقيادة مناحم بيجين في 1977، وانتعشت حركة RSS الهندوسية المتشددة بعد سنوات الطوارئ 1975-1977.
ليس هنا المجال المناسب لتحليل جذور هذه التحولات، ولا ينبغي الاستسلام للتعسف اليساري في وصفها جميعًا كصدى للرأسمالية، لكن ما يهمنا هنا هو أن 11 سبتمبر كان الذروة التي بلغتها تلك التطرفات الثقافية على الجانبين. لقد جرت شيطنة الغرب وتعميم الاتهامات ضده واعتباره عدوًا وجوديًا يجري تعريف الذات الثقافية العربية والإسلامية بمناقضته، واستخدم آية الله الخميني التعبير حرفيًا واصفًا الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، حتى أصبح الحزن الإنساني على دماء آلاف الأبرياء بمن فيهم الأطفال والعجائز في نيويورك نوعًا من الخضوع للغرب ونسيانًا لضحايانا.
وعلى الضفة الأخرى، أحسن اليمين الأمريكي والأوروبي استغلال الحدث، وجرى تصوير المسلمين المهاجرين كحصان طروادة يهدد الحضارة الغربية التي عليها أن تستعيد جوهرها المسيحي، وإن كان هؤلاء الذين يستعيدونه ملحدين، وأصبحت كلمة عربي مرادفة لكلمة إرهابي، وجرى تبرير الجرائم الإسرائيلية بوصفها ضرورة طليعية لحماية غرب متخيل، بعد أن استنفد التحالف الأمريكي الإسرائيلي الاستراتيجي أهدافه السياسية الفعلية بنهاية الحرب الباردة وربما قبل نهايتها بسنوات، تحديدًا منذ تفاهمات كامب ديفيد ثم اتفاقية السلام المصرية مع إسرائيل.
واليوم، ندفع في ذكرى 11 سبتمبر من دمائنا ضريبة التطرف الثقافي في شكل إدارة أمريكية وحكومة إسرائيلية تضم مهاويس دينيًا، ومن ورائهم ملحدون يحسنون تحريك الخيوط للتلاعب بالبورصة في الولايات المتحدة أو للحفاظ على كرسي الحكم في إسرائيل.
لكننا أيضا نعيش اللحظة التي يخرج فيها آلاف وربما ملايين الأوروبيين والأمريكيين، وعلى رأسهم آلاف من الفنانين والمثقفين اليهود، رافضين أن تُجرى تلك الجرائم باسمهم، وهو الأمل الذي علينا أن نتمسك به، وأن نستعيد وعيًا ثقافيًا يتجاوز التطرفات الثقافية ويرى فيها إمكانًا للثراء الإنساني لا للهويات المتناحرة.
وكما أن للتطرف الثقافي ذكرى 11 من سبتمبر، فإن للطموح الإنساني نحو الحرية ذكرى لحظة السويس، وسقوط الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ومظاهرات الطلاب في كولومبيا ضد الإبادة في غزة.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.

