تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
نوستالجيا الثمانينيات

فتات النوستالجيا المتساقط من مائدة الذكاء الاصطناعي العامرة

منشور الأربعاء 16 أيلول/سبتمبر 2026

فيما يتفاعل المصريون والمصريات، أكثر من غيرهم، مع ترند إعادة صورهم للوراء، لزمن الثمانينيات، خرج على العالم أحد العاملين في شركة أنثروبيك للذكاء الاصطناعي ليعلن ندمه، الصادق أو الكاذب لمشاركته في تطوير هذه التقنيات، بعد اكتشافه احتماليةً تصل نسبتها إلى 10% أن ينهي الذكاء الاصطناعي وجود البشرية خلال الأعوام العشر المقبلة.

خلال الأسبوع نفسه، أعلنت شركة كبرى أنها أوقفت عملية إنتاج أسلحة بيولوجية باستخدام معادلاتها الرقمية، التي لا أفهم فيها أكثر من أنها تدخل في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما يُعرض في مهرجان فينيسيا فيلم Naza عن الإبادة في غزة، وكيف استخدمت إسرائيل تقنيات الذكاء الاصطناعي لقتل الفلسطينيين.

لكن المعلومة الأخيرة ليست مفاجأة، نعرفها منذ ما يقرب الأعوام الثلاثة، ولن تنال الاهتمام الذي يناله استخدام الذكاء الاصطناعي في مسائل لا أخلاقية، مثل إنجاز الدراسات الأكاديمية والمقالات والأبحاث، وخلق الصور والأفلام من لا شيء، وتعرية النساء عبر استخدام صورهن، وتحريك هذه الصور الجديدة ليشاركن في مشاهد إباحية مختلقة.

يرمي لنا أصحاب التقنيات الاستشرافية فتات الماضي لنحلم به، وليس إمكانيات الاستشراف نفسها، المفترض أنها مادتهم ومنتجهم. إنها مفارقة حارقة بدت في هذا الترند وغيره؛ أن يمنحونا أكثر تقنياتهم بدائية لنلعب بها في محاولة استعادة ماضٍ ما للحظات، فيما هم يطورون بسرعة فائقة عالمهم الرأسمالي المستقبلي، ودرجة استعبادهم واستغلالهم للجميع، مندفعين لهذا المستقبل المجهول بالتعاون مع اليمين المتطرف، مثل حيوانات مفترسة عيونها معصوبة، لا تعرف إلى أي دمار شامل تقودنا.

دعوة منى عبد الغني المستقبلية

"يا حبايب ياللا نغني للدنيا أحلى غناوي.. وقلوبنا لبعض تهني والحب فينا يداوي.. ترحل عنا الأحزان.. يضحك لينا الزمان.. ياللا ياللا.. ياللا ياللا... ياللا يا أصحاب".

غنَّت منى عبد الغني هذه الأغنية في 1987. كان عمري وقتها 14 عامًا. تذكرتها فيما أطالع صور ترند الثمانينيات، التي ذكرتني بهيئة المغنية الشابة وقتها، وعلاء عبد الخالق، وحميد الشاعري، وحنان وغيرهم. إنه ترند عابر، سبقه الكثير وسيأتي بعده الكثير، يعبرون عن حنين لزمن محدد، ويفرضون تساؤلات "مملة" حول طبيعة زمن الثمانينيات المرغوب.

أغنية ياللا يا أصحاب، كلمات حسن الصيد، ألحان حميد الشاعري، غناء منى عبد الغني (1987).


قبل سنة من بث الأغنية، التي تدعو لنسيان الماضي والحاضر، والتطلع للمستقبل، للزمن الذي لم يأت بعد، على عكس الترند، حدثت انتفاضة جنود الأمن المركزي. أتذكر كيف أخرجونا في مجموعات من المدرسة، لنعود لبيوتنا قبل سريان حظر التجول، تحت مراقبة المدرسين والمدرسات. فمدينة نصر كانت من ضمن بؤر الاشتعال المحتملة لوجود معسكرات الأمن المركزي عند أطرافها، وكانت طبيعتها الصحراوية لم تختفِ تمامًا بعد.

كانت أيام الحظر أيام للملل، لا وجود لمهرب سوى تليفزيون الدولة المستحيل الوثوق في ما يقدمه من معلومات حول تطور الأحداث. ننتظر أمامه بالساعات لنلتقط معلومة شحيحة قبل توقفه عن البث ليلًا. إنها حالة من الملل صعب أن يتخيلها من لم يعيشوا حقبة الثمانينيات التي يحنون إليها، ومن لم يعرفوا سوى عالم اليوم. عالم التدفق الهائل للمعلومات والأحداث والشائعات، لدرجة أن ننسى ما قرأناه أو شاهدناه قبل دقائق قليلة، مثلما سننسى بعد دقائق هذه السطور التي نقرؤها الآن.

ربما كان مللًا مثمرًا، سمح بالتفكير والخيال وتنشيط الذاكرة. حتى أتت أغنية منى عبد الغني، وعشرات غيرها، وإعلانات ومسلسلات وأفلام، لنتناسى ما حدث، ولا نسأل عن مصير هؤلاء الجنود، كيف قُمِعوا، بيد من، وهذا التغيير الذي حدث؛ إقالة وزير الداخلية أحمد رشدي، الذي قيل إنه شريف، ليبدأ زمن وزير الداخلية البلطجي والشرس، زكي بدر، الذي كان وقت الأحداث محافظًا لأسيوط، وقيل إنه فتح الهويس على الجنود.

الترند نفسه يطرح هذه المفارقة والتناقض الذي تحمله، إن كان تعبيرًا عن رغبة في العودة لزمن مضى؟ أم مجرد رغبة في مداعبته بصريًا؟ أم رغبة في العودة لنوع مختلف من الملل أكثر إثمارًا، وأقل إرباكًا؟ أم إنه تعبير عن نوستالجيا مبهمة لشكل الحياة القديم الذي خرب تدريجيًا بداية من ظهور الإنترنت وثورة الاتصالات والتليفونات المحمولة، حين كانت الحياة أكثر بطئًا وبساطة، إن أراد شخص أن يقابل صديقه، يغادر منزله، يصعد لأتوبيس النقل العام، ربما ينتقل إلى الجهة الأخرى من المدينة، ليقف تحت شرفة الصديق ويناديه من الشارع، ربما كان موجودًا أو غائبًا.

كابوس الحاضر

للنوستالجيا سمعة سيئة. يراها البعض دليلًا عن ضعف أو عجز. وفي زمن موضة الديستوبيا في الأدب والأفلام، ساءت سمعتها أكثر. وبين الحنين لما مضى، والتطلع للمستقبل الكابوسي، يقف مدربي ومدربات التنمية البشرية، ليحذروننا من النوستالجيا، وليبيعون لنا كذبة أن بداخل كل منا طاقة إيجابية، على الفرد أن يتعرف عليها، ويطلقها، وساعتها سيضمن النجاح.

يكفي أن يقرر الفرد أن يكون غنيًا، ليصبح غنيًا. إنه مجرد قرار ستصاحبه الطاقة المطلوبة لتحقيقه. في حين أننا جميعًا نعلم أن ذلك وهم، خدعة، فكلنا قررنا مرات لا تحصى أن نكون أغنياء، ولم يحدث. والتنمية البشرية حاضرة من جديد لتبرير "الفشل" والفقر والتعاسة والنوستالجيا: قرارك لم يكن جادًا بما يكفي.

فيما الحقيقة أكثر بساطة، أن حياتنا ومستقبلنا محصلة ظروف مجتمعية وسياسية وثقافية وتعليمية وعائلية، لا يملك الفرد التحكم في أغلبها أو تغييرها. وأن الحياة بوجهيها، الواقعي والافتراضي، تؤكد لنا يوميًا صحة ما قاله قبل عقود يوسف، بطل فيلم داود عبد السيد البحث عن سيد مرزوق "ليه عايشين في زمن عارفين فيه أن إمبارح أحسن من النهارده.. وأن النهارده أحسن من بكرة؟!".

ترند العودة بالصور للطابع البصري لزمن الثمانينيات، الذي تراجع قبل نشر هذا المقال، ربما كان تعبيرًا عن رغبة في العودة لعالم عادي، قادرين على فهمه والتعامل معه رغم صعوباته. عالم ما قبل التعقيدات الكبرى والألغاز التي تصطدم بوجوهنا عشرات المرات يوميًا. حنين لعالم ما قبل تدفق سيول المعلومات والتطورات التي لا نستطيع مواكبتها، ناهيك عن فهمها، التي تدفعنا للانعزال أكثر فأكثر على أمل نسيان قبح العالم الحالي، ونسيان أن لا أحد يملك الآن روشتة تغييره.

صحيح أن عالمنا القديم كانت به كوارث وحروب وفقر، لكنه لم يكن يخبرنا في كل لحظة أن القادم أسوأ، مثلما يحدث الآن. كان عالمًا به قدر من الطبيعية، وبه أدوات ومناهج فكرية وفلسفية قادرة على تفسيره وفك عقده، وقادرة على استشراف، بدرجة أو بأخرى، ما سيحدث ويمس حياتنا بشكل مباشر.

الترند الأخير، الذي ظهر كنداء غامض للجميع، مشابه لندهة "ياللا يا أصحاب"، بالإضافة لتعبيره عن حنين لما عشناه، وفضول بصري تجاه زمن لم تعشه الأجيال الجديدة، تعبيرًا أيضًا عن هروب لحظي ومؤقت، للعيش ولو للحظات قليلة في مشهد متخيل؛ أن أقف بجوار منى عبد الغني وأردد معها "ياللا يا أصحاب". لنخرج من جديد لواقع لا يقدم سوى الإحباط والقرف والعزلة والشعور العميق بالوحدة، ويفرض الانسحاب الإجباري من أمامه.

في 2011 و2012 تراجعت النوستالجيا أمام إمكانية بناء الواقع كما نريده. لكن الحلم الكبير، ومن قبل هزيمته، تضمن فخ العزلة. انعزل الكثيرون عن محيطهم المباشر إن كان أقل منهم ثورية. تنازلوا عن أعمال وأموال لأن هناك نداءً عاجلًا لا بد من تلبيته. افترقنا عن أصدقاء لأنهم لم يشاركونا هذا الحلم أو الهم. توقفنا عن مقابلتهم حين شعرنا أن همومنا اختلفت، وابتعدت الأشياء المشتركة التي يمكن أن نتحدث عنها.

كنا نعود لبيوتنا لنفتح فورًا فيسبوك وتويتر، لنعرف ما يحدث في مدينتنا وبلدنا والبلدان المجاورة. نطرح آراءنا، نحرض، ندعو لأفعال، إلى آخره. لكن، كل ذلك انتهى. انتهت تلك العزلة لصالح عزلة جديدة أكثر قسوة. عزلة عنوانها أن كلَّ واحدٍ منا أصبح بمفرده تمامًا في مواجهة خوارزميات ومعادلات رقمية لا نفهمها. حتى العلاقات العادية أصبحت صعبة، تحتاج جهد بالغ لتستمر ولتتطور، وأغلبنا لم يعد عنده طاقة لبذل هذا الجهد.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.