تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
فيلم العمر لحظة واحد من أشهر أفلام حرب أكتوبر

ما يطلبه المشاهدون| الحرب لحظة وصدفة

منشور الأربعاء 30 أيلول/سبتمبر 2026

تقول أم عبد العزيز/علية عبد المنعم، والدة الجندي المصاب في معركة شدوان، يناير 1970؛ "الدم غالي والتراب غالي". تلتقط الصحفية نعمت/ماجدة العبارة لتحولها لعنوان سلسلة مقالات ستكتبها عن أهالي الجنود والضباط الواقفين على الجبهة في حرب الاستنزاف. 

زوج نعمت الفاسد والمنحل، عبد القادر/أحمد مظهر، رئيس تحرير المجلة التي تعمل بها يحورها، لتصبح "أيوة.. الويسكي غالي واللحمة أغلى". لكن حبيب نعمت الجديد ضابط الصاعقة البطل محمود/محمد خيري، يعيدها لأصلها بعد تطويرها؛ "حقيقي الدم غالي.. بس تراب بلدنا أغلى". وعلى رغم بطولته، وعظمة العبارة؛ فإنه لا يتوقف عن تحرشه بالصحفية، التي يصفها بـ"صحفية لوز وزي القمر". 

إنها بعض العبارات الواردة في فيلم العمر لحظة (1978)، الذي كان من أكثر الأفلام عرضًا في تليفزيون الدولة مع كل ذكرى لحرب أكتوبر، وربما من أكثرها شعبية وقبولًا. لدرجة أن بعض عباراته ثبتت في ذاكرة مشاهديه، واستخدموها في الدعابات. مثل عبارة الطفلة داليا/نورا، ابنة البطل محمود، التي تكررها بصوت حاد؛ "أصل أنا حبيتها قوي يا بابا". والمقصود بها نعمت الصحفية، التي تختتم الفيلم بعد استشهاد محمود في حرب أكتوبر بعبارة جديدة؛ "عشان مصر تعيش.. أغلى الناس بتموت". 

صدفة الانتصار.. ولحظيته 

يُنتج "العمر لحظة" من أجل العرض في الذكرى الخامسة للعبور. يحمل توقيع يوسف السباعي كاتبًا، ومحمد راضي مخرجًا. كلاهما قدم قبل هذا الفيلم أعمالًا عن حرب أكتوبر، أو للدقة تتماس معها. السباعي، الذي كان يشغل وقتها من ضمن مناصب عديدة منصب وزير الثقافة، وكان أحد المقربين من السادات والمعبرين عن توجهاته، كتب فيلمًا يتقاطع صدفةً مع العبور، حتى آخر العمر (1975). وكان لمحمد راضي فيلمٌ آخر في الذكرى الأولى لحرب أكتوبر، قدر له أن يتماس معها، أبناء الصمت (1974).

يحمل تعبير "صدفة" أكثر من معنى حين يرتبط بعملية تناول حدث تاريخي كبير سينمائيًا. المعنى الأول أن تظهر الحرب في العمل الفني باعتبارها صدفة تغير مجرى الأحداث، أو سببًا لشيء ما كان يمكن له أن يحدث لأسباب أخرى، وليس الموضوع الأساسي الذي يتناوله الفيلم.

مثلما الحال في فيلم يوسف السباعي الأول "حتى آخر العمر" لـ أشرف فهمي. فقصته الأساسية الحب بين أحمد ومنى/محمود عبد العزيز ونجوى إبراهيم. وكيف تتعقد علاقتهما بالغيرة بعد إصابة وشلل الطيار أحمد خلال الحرب، ومحاولات الرجال "اصطيادها" مستغلين أن زوجها أصبح قعيدًا. وإن حُذفت حرب أكتوبر من الموضوع، لن يتأثر، فهي مجرد "حلية وطنية" للفيلم، وليست موضوعه.

الصدفة بمعناها الآخر أن تقع الحرب أثناء عملية إنتاج فيلم، فيتم إدخالها في مضمونه. إنها حالة "أبناء الصمت"، الفيلم الأول الذي قدمه محمد راضي، عن قصة مجيد طوبيا. فالقصة الأساسية للفيلم هي حرب الاستنزاف، وحكايات بعض من تشاركوا الخنادق، وعلاقاتهم خارج الجبهة. لكن، ولأن عبور القناة حدث خلال عملية إنتاج الفيلم، يُضم لنهايته. 

إنها صيغة شبيهة بما يفعله علي بدرخان في فيلم الكرنك (1975)، عن رواية نجيب محفوظ. حرب أكتوبر مجرد مفتتح، ومبرر لعمل هذا الفلاش باك الطويل جدًا لزمن القمع والفساد الناصري، والختام بها لتعبيرها عن الزمن الجديد، الحدث الذي يغير كل شيء، المجتمع والأفراد، ويدفع الطبيب إسماعيل/نور الشريف للإفاقة من إدمانه للمخدرات، فيذهب للمستشفى في اليوم الأول للحرب، يقابل الطبيبة زينب/سعاد حسني، ويؤدي واجبه. 

ربما تتمثل الصدفة في العبور السريع على حدث أكتوبر، لصدفة أنه وقع داخل سياق زمني أكثر اتساعًا، ويصبح مبررًا لفعل ما، دون أن يدفع لتحول درامي حقيقي. ففي فيلم القصص (2025) للمخرج أبو بكر شوقي. يموت الأخ في حرب أكتوبر، فيقرر أخوه التوأم أن يعود من النمسا لمصر. الحرب مجرد محطة من ضمن محطات كثيرة في مسار العائلة، لا تعني صناع الفيلم بذاتها. أو يصبح العبور في أفلام أخرى صدفة أو قدرًا لا يُفسر، لا نعرف أصوله، ولم تنتظر أغلب الشخصيات وقوعه، لكنه كان لا بد أن يحدث. 

وصفة السنوات الأولى 

ربما يُفسر جماهيرية "العمر لحظة"، و"الرصاصة لا تزال في جيبي" (1974) لحسام الدين مصطفى من بين أفلام السنوات الأولى بعد العبور، اعتمادها على التوليفة التجارية والميلودرامية التي كان يتقبلها بسهولة جمهور النصف الأول من السبعينيات، وحضرت في كتابات السباعي وإحسان عبد القدوس. التوليفة التي سأتناولها لاحقًا في هذه السلسلة من المقالات. مضافًا إليها عنصرٌ من خارجها؛ الحضور المكثف لجبهة القتال والمعارك، وليس عبورها السريع والرمزي في الفيلم. 

الحضور المكثف للمعارك يطمئن متلقيه بأن الفيلم يتناول فعلًا حرب أكتوبر، سواء صُنع سريعًا ليعرض في الذكرى الأولى للانتصار، خريف 1974، أو خلال السنوات القليلة التالية. حتى بعد أن علمنا أن مادة الحرب التي تظهر في كل هذه الأفلام مصورة روائيًا. يضاف لهذا العامل درجة اختلاط المادة الحربية بتوليفة تجارية جذابة، قصة حب، رغبة في استعادة الشرف، الخيانة، الانتقام، التضحية بالذات، رؤية الجنود والضباط الإسرائيليين مرعوبين وقليلي الرجولة بالمعنى الشعبي، وعناصر أخرى مكررة في أغلب تلك الأفلام. 

في حالة "العمر لحظة" تضاف موسيقى بليغ حمدي التي ساعدت في أن يثبت في أذهاننا، وأغنية مدرستي عن مذبحة الأطفال في بحر البقر، التي كتبها فؤاد حداد، وتأتي في اللحظة الملائمة من الزمن الفيلمي، لحظة نحتاج فيها للبكاء. مثلما أتت في لحظة أخرى ملائمة أغنية الجنود المبهجة على الجبهة، بإيقاعات السمسمية لتجسيد البطولة والدهاء العسكري، والمرح والخفة المصريتين، قبل استشهاد عبد العزيز/أحمد زكي في صدفة ميلودرامية بامتياز، فيما يحتفلون بزواجه في القاهرة. 

أغنية السمسمية من فيلم العمر لحظة من إخراج محمد راضي 1978.


 أدركنا مع الوقت أن هذا الجندي الذي يرفع العلم فوق الساتر الترابي لخط بارليف، ويخترق جسده الرصاص، ويقاوم السقوط متمسكًا بالعلم، لم يكن جنديًا في الحقيقة استشهد لرفع العلم المصري، بل ممثل/كومبارس. كومبارس في هذه المادة، وكومبارس في الحياة اليومية بعد عودته من الجبهة. وربما لأن بعض الأفلام التي أنتجت بعد سنوات من أكتوبر تناولته برمزية، وتخلصت من سطوة التوليفة التجارية للسبعينيات، فاكتسبت حضورًا وجاذبية ومكانة.

عدنا وصدقنا، بقرارٍ واعٍ هذه المرة، أن هذا الجندي حقيقي فيما نشاهد حكايات الغريب (1991) من إخراج إنعام محمد علي. يحكي ضابط الصاعقة أن هذا الشخص الغائب الذي يبحثون عنه، ليس عبد الرحمن، أو الغريب، أو زخاري، بل حسن، الجندي الذي دربه بنفسه، وكان أول جندي يضع قدميه على أرض سيناء الساعة الثانية والنصف من ظهر يوم العبور، وتلقى أكبر كمية رصاص دخلت جسد جندي في التاريخ. 

التصديق هذه المرة كان تصديقًا للرمزية والمعنى. رمزية أن الفرد المضحي والبطل الذي تُحكى عنه القصص، حسن أو الغريب أو عبد الرحمن، أو أيًا كان الاسم، هو نحن، كلنا، وليس فردًا واحدًا يحمل الرصاصة في جيبه، أو ضابطًا يحب الصحفية ويضحي بنفسه لأن التراب أغلى من الدم. فجمهور سينما الثمانينيات ومطلع التسعينيات لم يعد ينتظر "التوليفة"، شغلته أسئلة أخرى من بينها لماذا فقدنا "الغريب"، روح الغريب مع الثغرة وحصار السويس ثم الانفتاح والاتفاقيات مع العدو؟ 

غمزات من وإلى السلطة 

تناول الانتصار في حرب أكتوبر 1973 يفرض استدعاء هزيمة يونيو 1967. إنهما المشهدان النقيضان الثابتان في أغلب هذه الأفلام. يُحلُّ التناقض أحيانًا ببساطة بأن يقول الضابط أو الجندي إنهم لم يحاربوا أصلًا في 1967، لكنهم حاربوا فعلًا وانتصروا في 1973. لكن الجدل بين المشهدين النقيضين ربما يتعقد أكثر في أفلام أخرى. 

طريقة وضع المشهدين أحدهما في مقابل الآخر، ترتبط غالبًا بطبيعة ظهور المسؤول السياسي عنهما، وتخضع للمنحى الأيديولوجي لمخرج الفيلم وكاتبه، وبالطبع زمن إنتاجه. سيكون السادات عظيمًا دائمًا في نظر يوسف السباعي. فيما ستطرح تساؤلات حول خراب زمنه بالمقارنة بزمن عبد الناصر عند أسامة أنور عكاشة في كتيبة الإعدام (1989)، إخراج عاطف الطيب، وعند محسن زايد ويوسف القعيد في المواطن مصري (1991) لصلاح أبو سيف. فيما يظل إحسان عبد القدوس مترددًا في الموقف السياسي من السلطتين، مرتابًا، في "الرصاصة لا تزال في جيبي". 

فيما يخوض الجيش معاركه على الجبهة قبل العبور، ويضحي أفراده بدمائهم وحياتهم من أجل الوطن وتحرير التراب واسترداد "الشرف" المفقود، ويتظاهر الطلاب رافضين لقرار وقف إطلاق النار، ويعفو عنهم السادات في "العمر لحظة"، يتجسد نقيض تلك الحالة الوطنية في الانحلال، وبغمزة ساداتية يرتبط بعض الانحلال بالجزائر. 

يُدعى رئيس التحرير عبد القادر وزوجته نعمت لحفل في سفارة الجزائر. يحاول عبد القادر أن يثني زوجته عن حضور الحفل، فعشيقته النجمة زينات/نبيلة عبيد ستحضر وستأخذه ليكمل السهرة في بيتها، حيث الخمر والرقص والتفاح والإغواء والجنس. تقرر نعمت بداية ألا تذهب، لكنها تتصل به في الحفل، والشخص الجزائري الذي يجيبها يتحدث العربية بطريقة خواجات الأفلام التجارية القديمة، ويخبرها بأن هناك امرأة بصحبة عبد القادر، فتذهب للسفارة لمعرفة الحقيقة. 

تكتشف نعمت خيانة زوجها لها في أجواء الخمر والملذات والاحتفال داخل سفارة الجزائر، فيما مصر تكرس جهودها للمعركة. إنها غمزة من السادات، أو إليه، تتضمن النفي الضمني لدور الجزائر ومساهمتها في حرب أكتوبر، بعد أن رفضت مبادرته بالذهاب للقدس، وشاركت في تأسيس جبهة الصمود والتصدي الرافضة لنهجه. فنجدها فيلميًا تقيم الحفلات المقرونة بالانحلال، فيما مصر تستعد للحرب وأبناؤها يستشهدون. 

إنها من ضمن التفاصيل التي تعيد إنتاج المعضلة التقليدية التي لم تحل أبدًا؛ هل تقدم السينما التجارية "ما يطلبه المشاهدون"، لأن "السوق عايز كدة"؟ أم تقدم ما تطلبه أو تفرضه السلطة على صناع هذه السينما إن أرادوا العمل والاستمرار؟ إنها إحدى النقاط التي ستحاول هذه السلسلة عن تناول أكتوبر والعبور في الأفلام الروائية المصرية الاشتباك معها.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.