تصميم أحمد بلال، المنصة 2026
تتكرر صيغة الصراع أو المنافسة بين الذكرين على قلب الأنثى في "الوفاء العظيم"، بمنحها رمزية سياسية.

ما يطلبه المشاهدون| الحياة الزاهية لأبطال أكتوبر

منشور الأربعاء 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026

تكتشف ولاء/نجلاء فتحي فقدَ حبيبها ضابط الصاعقة صفوت/محمود ياسين قدمَه في حرب أكتوبر. تتطلع إلى مكان القدم المفقودة، قائلةً "دي زودت حبي ليك أكتر وأكتر.. دي وسام شجاعتك وبطولتك". هذا الاكتشاف، ورؤية ولاء له، وتضحية زوجها، ضابط الصاعقة الآخر عادل/سمير صبري، تمنحنا النهاية السعيدة؛ يتحقق حب أبناء الأغنياء بالتزامن مع تحقق الانتصار الحربي في فيلم الوفاء العظيم (1974) للمخرج حلمي رفلة.

يتجسد عبور القناة وتحطيم خط بارليف كنهاية سعيدة ومطلقة، وختام ملائم لكل وأي معاناة سابقة. لا يوجد ما يجب فعله بعد العبور، فتتجنب أغلب الأفلام الأولى عن أكتوبر سؤال "ماذا بعد؟"، ماذا سنفعل لنحرر بقية الأرض المحتلة، وحدود وامتدادات هذه الأرض المحتلة؟ ولتجنب السؤال الصعب الذي لا يمكن تناوله خلال الشهور الطويلة التالية للحرب لما يتضمنه من إشكاليات سياسية، واحتمالات تورط، يتكرر في عدد من الأفلام ما قاله السادات في خطابه أمام مجلس الشعب، "حاربنا من أجل السلام". فتُغلق الدائرة.

يغلق صناع فيلم زمن حاتم زهران (1988) للمخرج محمد النجار بدورهم هذه الدائرة، لكنهم يفتحون أخرى. يعودون للحظة الانتصار ليسألوا عن تحولات زمن ومجتمع ما بعد الحرب وبداية الانفتاح. وهو ما يفعله عاطف الطيب بدوره في سواق الأتوبيس (1982)، ثم كتيبة الإعدام (1989). اللذين سأتناولهما في مقال لاحق.

اليساريون الأغنياء

يبدأ "زمن حاتم زهران" بتسريح الجنود الذين حاربوا وانتصروا. في لحظة إنهاء الخدمة العسكرية، بعد سنوات الحرب الطويلة، لا بد أن يتذكروا زميلهم الذي استشهد خلال معارك الدبابات، يحيى زهران/نور الشريف، الذي تزوج قبل استشهاده بأيام قليلة من مُدرِّسة فقيرة في بحر البقر، وحملت منه. واسمها نفسه يحمل دلالات؛ "فاطمة طيبة"، إنها مصر الأصلية.

مثلما أنجب حسين المنحل صفوت البطل في الوفاء العظيم، ولعب الدوران محمود ياسين، يلعب نور الشريف دوري الأخ البطل والأيقونة يحيى زهران، والأخ الأصغر حاتم زهران الذي لم يُضحِّ على الجبهة، بل سافر لأمريكا ليحصل على الدكتوراه، وعاد بهيئة رجل أعمال فاسد في مطلع زمن الانفتاح. وهي من الصيغ التقليدية للميلودرامات المصرية؛ ثنائية المنحل والملتزم، الفاسد والشريف، الوطني والخائن، اللذين تربط بينهما صلة الدم، وكلاهما يجسدهما الممثل نفسه.

نتصور في البداية أن وفيق/صلاح السعدني، المثقف والفنان اليساري، الذي يعلق صورتي تشي جيفارا وعبد الناصر في بيته، والصديق الأقرب للشهيد يحيى وزميله على الجبهة، فقير أو من أسرة متواضعة. لكننا نكتشف أنه يملك أرضًا، كان يدرس مع يحيى الفنون الجميلة، سافرا للعمل في السد العالي، ثم بنيا سويًا بيت الحرانية على أرض وفيق، ليكون نموذجًا معماريًا جديدًا.

الأبطال الإيجابيون، الأكثر بروزًا، وفيق، ويحيى الحاضر الغائب، كلاهما غنّي، أو ابن أغنياء. إنهما امتداد للزمن الناصري الذي لا ينجو من شبهة التلوث في خطابات الابن الفاسد الموجهة لأبيه الخبير الاقتصادي المرموق، الذي على الرغم من خطاباته الوطنية والمبدئية لم يؤمِّن اجتماعيًا على عماله. لذلك لم نصنع اشتراكية أو رأسمالية بتعبيرات حاتم زهران.

يُدان حاتم زهران أخلاقيًا من المشهد الأول لظهوره مرافقًا زوجة أحد أصدقائهم السابقة، ولأنه يغوي النساء، ويشرب الخمر، ويتحدى أخاه الشهيد بأن يمارس الجنس أمام صورته في المكان الذي كان حجرته، ويهدي أثاثها لحميه الفاسد. إنها الإدانة الأساسية التي تؤطر صورة حاتم زهران منذ البداية، قبل أن تتأسس الإدانة على تجنب المشاركة في الحرب والفساد المالي والتجاري.

على الرغم من الإدانة يصمت الجميع أمام خطابات حاتم زهران وأفعاله، لا يواجهه أحد، جميعهم منكسرون أمام فساده لأسباب لا نعلمها. يقبلون بتوريطهم فيه، ويشاركونه في بيزنس استيراد أدوات تجميل لا تحتاجها البلد الخارجة من حرب. يتورط الأب بمنحه المعصرة، ويصمت أمام ما يفعله ويقوله. ووفيق المقاتل المنتصر في الحرب، يمنحه الأرض والبيت، ويتحول للصامت الأكبر المبتسم أمام ما يفعله البطل الفاسد بدهائه وخفة دمه وحيويته.

بعد عشرات الدقائق من مغامرات حاتم زهران النسائية والمالية، وحيله، وسفرياته، ومناقشاته السياسية مع أبيه، وموافقة وفيق والأب التقدميين على تسريح العمال وطرد الفلاحين، ننسى لماذا كانت هذه الحرب التي رأيناها في البداية، ويغيب الموقف منها ومما يحدث بعدها، فيما عدا تذكر الأيقونة، يحيى زهران، ابن الأغنياء الذي تزوج مُدرِّسةً فقيرةً، وأنجبت منه دلالة على استمراريته، وبناء على ما تقول عن طفلهما "لما يكبر هو هيعرف ياخد حقوقه كويس". فتُعفى هي، وجيل أكتوبر ممثلًا في وفيق، وجيل الأباء الناصري، من مسؤولية أن يحصل الابن على حقوقه.

أبناء الحياة المبهجة والمريحة

تكررت صيغة أبناء الأغنياء الذين يذهبون للحرب في أفلام أخرى سابقة. وإذا لم يكن الأبطال من الأغنياء، مثل عادل وصفوت في "الوفاء العظيم"، أو الضابط محمود في العمر لحظة لمحمد راضي (1978)، أو الطيار أحمد في حتى آخر العمر لأشرف فهمي (1975)، سيظهرون على الأقل بقدر وسامة وجاذبية صابر/محمود ياسين وغريمه ميمو/مجدي وهبة في بدور للمخرج نادر جلال (1974). حتى وإن كان أحدهم عاملًا في المجاري، والآخر نشالًا.

لا تنجو من هذه الصيغة الأدوار النسائية. فكل الأفلام التي صُنعت خلال السنوات الأولى بعد الحرب احتلتها نجمات من نوعية ميرفت أمين ونجلاء فتحي ونجوى إبراهيم وماجدة. ينتمين للطبقة الوسطى أو الطبقة الأعلى، وهن محل إعجاب ورغبة الرجال من النظرة الأولى. لن يختفي الجمال حتى وإن كانت البطلة تعمل في غرزة شعبية لتعاطي المخدرات مثل سعدية/ناهد شريف في "العمر لحظة"، أو نشالة ويتيمة مثل بدور/نجلاء فتحي في الفيلم الذي يحمل اسمها.

بطلات يعبرن عن حياة زاهية، لونها بمبي، سواء كانت في القصور والفيلات، أو في البيوت الواسعة والحديثة في القرى الجميلة، أو في غرفة فوق السطوح في حارة دافئة ومتحابة. حارة تغني وترقص مع العوالم، مستوحاة في بعض ملامحها من أجواء عوالم حسن الإمام، مثلما يحدث في "بدور". في انسجام كامل مع نوعية الأفلام السائدة في حقبة السبعينيات، وإن خرجت قليلًا عن نمط إنتاج سينما المقاولات.

 في فيلم بدور؛ استشهد أهل صابر عامل المجاري في بورسعيد 1956. وشارك في حربي اليمن و1967. أرسل 142 عريضة شكوى ليرفعوه من غرف المجاري التحتية، كي "يقب على وش الدنيا" ويتخلص من رائحة المجاري في جسده وملابسه. لكن النشالة الظريفة والفاتنة تحبه، وتقترن به. وفي يوم فرحته الرومانسية، لزواجه من بدور وترقيته أخيرًا ليترك ما تحت الأرض، يستدعونه للحرب الجديدة، فيذهب راضيًا. يقابل هناك وسيمًا آخر، اللص ميمو غريمه السابق على حب بدور، الذي غيرته الجبهة فتصادقا.

تقع كل هذه التحولات في سياق حارة اسمها "حارة الطيبين". محكومة بسلطتين، سلطة المعلم رضا/محمد رضا صاحب القهوة، وسلطة العالمة الأسطى نوسة/هدى سلطان، التي استشهد أخوها الضابط في يونيو 1967. كلاهما يضع القانون العرفي لما هو مسموح وغير مسموح في الحارة، فالحب يربطهما، ورغم الفقر يصنع المعلم والعالمة من الحارة هذا المكان المبهج، المستمتع بالرقص والغناء والألوان الفاقعة، بمناسبة أو بدون مناسبة، فعالم أكتوبر نفسه عالم بمبي يجعل أفراد العصابة يرقصون ويغنون فجأة.

تتكرر صيغة الصراع أو المنافسة بين الذكرين على قلب الأنثى في "الوفاء العظيم"، بمنحها رمزية سياسية. فكلا المحاربين على الجبهة، ليس فقط من الرجال المتمتعين بالوسامة والجاذبية، بل إنهما ضابطا صاعقة من أبناء الأغنياء، صفوت وعادل، محمود ياسين وسمير صبري. ينتميان لطبقة بعيدة عن الحرب، لكنها ترسل أبناءها ليحرروا الأرض. يشتركان في حب ابنة الأغنياء بالتبني، ولاء/نجلاء فتحي، التي تيتمت باستشهاد أهلها في بورسعيد 1956، فتبنتها طبقة الأغنياء. وكلاهما مستعد للتضحية بالسعادة من أجل ولاء، ومن أجل الانتصار والوفاء العظيم.

إنها صيغة تخلق حالة من الاستحواذ الطبقي والقيمي على المخيلة الجماعية للحرب. تجعلها حرب من لا يشبهوننا كثيرًا، أو لا يشبهون أغلبنا، سواء طبقيًا أو شكليًا أو في نمط حياتهم، وينالون "شرف الانتصار". وليس غريبًا أن يكون شرف المرأة معادلًا ورمزًا لشرف الوطن في بعض هذه الأفلام، مطلوب تطهيره بالانتقام.

أبناء الفلاحين

من ضمن السمات المشتركة لكثير من أفلام أكتوبر أن التغيرات الكبرى إلى الأفضل في تركيبات الشخصيات تحدث بمجرد بدء الحرب. ليس فقط ميمو النشال الذي أصبح مقاتلًا وبطلًا، بل كذلك الشخصيات النسائية والثانوية، والأعيان والفاسدين من أصحاب الأرض مثل عبد الله/أحمد الجزيري في الرصاصة لا تزال في جيبي، الذي يتسابق مع الآخرين للتبرع بدمه على أنغام "الله أكبر فوق كيد المعتدي".

نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي كلمات الشاعر عبد الله شمس الدين، وألحان الموسيقار محمود الشريف، 1956


لا نعرف بدقة الموقع الاجتماعي لابن أخيه محمد/محمود ياسين. لكنه مثقف، مهموم بالأفكار والفلسفة. الوحيد الذي يواجه عباس/يوسف شعبان رمز السلطة الفاسدة. يبدو عليه وعلى هيئة بيته وأخته أنه يملك أرضًا وأموالًا، وإن كانت أقل من أراضي وأموال عمه الفاسد.

لكن محمد، البطل المثقف والشريف، الذي سيصفي حسابه مع العدو الداخلي والعدو الخارجي في سيناء، يحتقر مواطنيه الفلاحين. يرى أنهم ليسوا أذكياء بالدرجة الكافية، ويحتاجون إلى مائتي عام ليتعلموا كيف يحمون أنفسهم من عباس وأمثاله، فيخوض هو المعركة نيابة عنهم. إنه سفيرهم في الجبهة، ومن ينتشل الحبيبة المغتصبة فاطمة/نجوى إبراهيم من الطين، بكل ما يحمله فعله والطين من رمزيات. 

غنّت وردة لحرب أكتوبر "حلوة بلادي السمرا". لكن في أغلب الأفلام المبكرة عن الحرب يكاد يختفي أصحاب البشرة السمراء. ربما يمثلون فيها عبر أكثرهم وسامة، أحمد زكي في أدوار ثانوية. وربما لهذا العامل نفسه نشعر باقتراب فيلم أبناء الصمت لمحمد راضي من العادية، من التصديق، لأن أبطاله يشبهوننا، ولأنه ينجو بدرجة ما من صيغ البطولة الفردانية.

أشرت في بداية المقال إلى سؤال "ماذا بعد؟"، وكيف تُغلق الدائرة كي لا نسأل عما بعد. وهي الصيغة التي حضرت في الأفلام الأولى، واقترنت بأبطال أغلبهم من الأغنياء، أو يمتازون بالوسامة والجمال، سواء عند الجبهة أو بعيدًا عنها، أو ينتمون لعالم الألوان الزاهية. لكن أفلام الأبطال الفقراء حاولت ألا تغلق الدائرة. فهم، حتى وإن قاوموا وانتصروا، بناء على نموذج حكايات الغريب (1991) لإنعام محمد علي، ظلوا فقراء، أبطالهم فقدوا جسديًا، لكن المعاني التي حملوها ويرمزون إليها لم تفقد، فيسألون عما حدث وعما سيأتي. لكنه موضوع المقال القادم.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.