تصميم سيف الدين أحمد، المنصة، 2026
مثلت العلاقات العاطفية جزء أساسي في أفلام أكتوبر

ما يطلبه المشاهدون| كليشيهات أكتوبر.. البطولة الفردانية في مواجهة العجز الجنسي

منشور الأربعاء 21 تشرين الأول/أكتوبر 2026

من بين الفرضيات التي تستند عليها الدراما التجارية، ومن قبل ظهور السينما، أن المشاهدين يحبون قصص الحب. فرضية تلائم أصحاب السلطة عبر العصور، فكلما ازدادت جرعات الحب في القصص والمسرحيات والأفلام، قلت جرعات السياسة والهموم المجتمعية. فتتحول قصص الحب للمادة الخام الأكثر حضورًا، والأكثر إعادة لتدوير جوهرها ملايين المرات، ليظل الفن كما تريده السلطة معادلًا للمتعة والتسلية والاحتفالية، إن لم يكن أداة دعائية لها ولتوجهاتها.

"القمر المكتمل"، اسم عملية عسكرية سيخوضها الأبطال على الجبهة في فيلم أبناء الصمت لمحمد راضي (1974). ربما اختير الاسم كتحية لعملية العبور وتحطيم خط بارليف التي حدثت خلال إنتاجه وكان اسمها الحركي "العملية بدر".

لكنه اسم يحمل دلالات رومانسية بالدرجة الأولى تتضح على محورين. أولهما ربطها بقصة الحب بين الجندي مجدي/نور الشريف وحبيبته الصحفية نبيلة/ميرفت أمين وحديثهما قبل العملية واستشهاد الحبيب عن القمر. وثانيهما لأنها عملية تأتي بعد عملية أخرى خاضها الأبطال المقاتلون وأجهضت وكان توقيتها ليلة مظلمة. فتقرر القيادة تنفيذ العملية الجديدة في ليلة مضيئة بقمر مكتمل، فالعدو لن يتوقعها. وهنا تتحقق رومانسية الشجاعة والبطولة والمغامرة بالنفس، والقتال في الضوء لأن الحق بجانبنا.

لم يخلُ أيٌّ من أفلام أكتوبر من قصة حب تربط البطل المقاتل أو المقاوم على الجبهة، بحبيبةٍ تنتظره في المدينة أو القرية البعيدة. حتى فيلم حكايات الغريب لإنعام محمد علي (1991)، أكثرها اشتباكًا مع السياسة والقضايا الاجتماعية، وتمجيدًا لقيمة المقاومة المسلحة، وابتعادًا عن تلك الاحتفالية التي ميزت أفلام أكتوبر الأولى، كان لا بد له من قصة حب بين عبد الرحمن/محمود الجندي وجميلة/نهلة رأفت. بل إن سرقة جميلة من عبد الرحمن الحدث الذي يفجر طاقاته البطولية، سواء في المدينة أو خلال حصار السويس.

الصحفي والعشيقة النجمة

في حالة "القمر المكتمل" يضاف عنصر ثالث لتكتمل الرومانسية مثل القمر؛ أن تحفظ الحبيبة سيرة الأبطال، بإنتاجها تحقيقًا صحفيًا عنهم بعنوان القمر المكتمل. فيما الجيل السابق لاهٍ، أو منحل، أو فاسد، أو ارتكب خطأ ما يجب إصلاحه، بعكس جيل أكتوبر من الذكور الذين يحاربون ويحررون الأرض ويضحون بسعادتهم مع حبيباتهم من أجل التراب الغالي، أو الشرف، أو إصلاح الخطأ.

إنها أحد ثوابت أغلب أفلام أكتوبر، أن يبرز التضاد بين قوة الخير والتحرير من ناحية، وقوة الفساد والانحلال الأخلاقي من ناحية أخرى، على أرضية الممارسات الشخصية والحب، وليس أرضية السياسة والمصالح الطبقية. فتتسامى قيمة الحب الرومانسي الطاهر بتحوله لنقيض حالة أخرى من الرغبات والشبق الجنسي الملوث الذي يلتصق بصورة الطرف الآخر النقيض، غير العابئ بالحرب، أو المشكك فيها، أو الفاسد، أو المنتمي لجيل الآباء ذاك الذي ارتكب الخطأ الذي لا نعرفه، وأشرت إليه في المقال السابق.

يحاول الأستاذ رجائي/محمود مرسي، رئيس التحرير السلطوي والفاسد، أن يغوي نبيلة حبيبة مجدي، الصحفية الشابة التي تعمل في الجريدة التي يديرها. لكن هناك ما يمنع رجائي عن الإغواء صراحة، أو ممارسة الضغط حقيقة لينالها؛ أن نبيلة تذكره بماضيه النقي والثوري. فيكتفي بانحلاله الجنسي مع نجمة السينما رئيفة منصور/مديحة كامل، وحفلات اللهو والسكر والعربدة عند سفح الأهرامات فيما يحارب الأبطال على الجبهة.

تستغل رئيفة منصور رئيسَ التحرير من أجل الشهرة. ينسخ يوسف السباعي الصيغة نفسها بعد أربعة أعوام من "أبناء الصمت" في فيلمه العمر لحظة لحسام الدين مصطفى (1978)، ليرسم علاقة انحلال جنسي وخيانة زوجية بين عبد القادر/أحمد مظهر ونجمة السينما زينات/نبيلة عبيد. وكانت كلتا النجمتين في الفيلمين تستخدم صورها مع الأبطال المحاربين، التي ستُنشر في الجريدة أو المجلة التي يديرها العشيق؛ من أجل الدعاية والحصول على مزيد من الشهرة والنجومية.

بتجاهل هذه الصورة السلبية لنجمات السينما المقدمة في أفلام سينمائية، سنجد أن ما يفرق بين عبد القادر ورجائي أن الأخير عاجز جنسيًا، لا يستطيع إشباع عشيقته، فتسخر منه. والعجز الجنسي مقرون هنا، أو ربما ناتج عن التخلي الجبان عن الماضي الثوري والشريف بعد الاعتقال والتعذيب، والتحول لصحفي انتهازي، والانغماس في حياة المتعة واللهو والخمر، والفساد السياسي والأخلاقي. لكن رجائي عاجز جنسيًا لضرورة ميلودرامية أيضًا؛ عقابه على انتمائه للطرف الخاسر، للجيل الذي ارتكب خطأ سيمحو أثاره الأبطال يوم 6 أكتوبر 1973.

العجز الجنسي للرجل الفاسد أو المستبد صيغة ميلودرامية وذكورية حاضرة من قبل أفلام أكتوبر ومستمرة بعدها. لا تنحصر في رئيس التحرير رجائي، تمتد للعمدة عبد الرازق الشرشابي/عمر الشريف في المواطن مصري (1991) لصلاح أبو سيف. الذي لا يستطيع ممارسة الجنس منذ عشرة أعوام، وتستغل زوجته الثالثة سر ضعفه لتجبره على التحرك لتجنيب ابنهما الخدمة العسكرية.

تمتد هذه الصيغة مع تعديلها بعض الشيء لحاتم زهران الذي يغوي النساء ويعيش حياة اللهو الجنسي، لكنه عقيم، في زمن حاتم زهران لمحمد النجار (1988)، يفتقد لخصوبة أخيه الشهيد يحيى زهران، فليلة زواجه قبل الحرب مباشرة، الليلة الوحيدة التي قضاها مع زوجته، كانت كافية لتحبل وتنجب منه. وتلوح الصيغة نفسها في خلفية قصص أخرى، وإن لم تظهر بمباشرة. فنحن لم نرَ أبناءً للخائن فرج الأكتع أو للمحتال عوني في فيلمي عاطف الطيب كتيبة الإعدام وسواق الأتوبيس. أو لعبد القادر الصحفي في العمر لحظة.

كليشيه عقم أو عجز الشرير جنسيًا حيلة لإشعار المتفرجين بالراحة والعدالة، أن الشرير أو الفاسد أو صاحب السلطة ينقصه شيء جوهري وهام بالمعنى الذكوري. وفي أفلام أكتوبر هي ليست أمراضًا مطلوب العلاج منها، وليسا فقط عقابًا ميلودراميًا، بل تُحمَّل بمعانٍ وأبعاد إضافية ترتبط بطريقة فهم الحرب والتحرير والهزيمة السابقة؛ تخصيب المرأة والوطن، أو اغتصاب المرأة والوطن، بعد أن تحولت الأنثى لمعادل درامي للبلد والأرض.

من أبرز هذه الحالات حالة عباس/يوسف شعبان في الرصاصة لا تزال في جيبي (1974). لا نعرف عن قدراته الجنسية، لكنه مغتصب، يختار الجريمة لينال ما كان يمكن أن يناله عبر الحب. ومثلما اغتصب فاطمة، اغتصب/نهب البلد ومقدراتها. أما الأبطال الرجال أصحاب البطولة الفردانية فهم القادرون على الحب، وبالتالي نيل المتعة والتخصيب، والأهم تطهير شرف الحبيبة والوطن.

الذكور المتفردون

يفتقد ابن العمدة في "المواطن مصري" لسمات الرجل البطل الفرد القادر على الحب. لا رفيق له سوى مساعد أبيه، ولا مكان له سوى غرفة نومه وغرزة تعاطي المخدرات. ينجو من المشاركة في الحرب وما تحمله من مخاطر لأنه رقيق مثل النساء، بالمعنى الشعبي الذكوري: مائع. يشبه الإسرائيليين كما يظهرون في عدد من أفلام أكتوبر، تنقصهم "الرجولة". في حين أن نقيضه ونقيضهم، مصري/عبد الله محمود، ابن الفلاح الفقير فهو "ذكر" مكتمل، غاضب، مستنفر، يحمل في يده منجلًا/سلاحًا للدفاع عن أرضه وأرض أبيه. وله وجهه الآخر؛ المحب الرومانسي لزميلة أخته.

لن يتزوج حاتم زهران مثل أخيه الشهيد من فلاحة ومدرسة ابتدائي، بل سيتخذ عشيقات خلال سفرياته وحفلاته، وبعد أن يتزوج يغوي مديرة مكتبه، والنساء اللاتي يريدهن من طبقته أو أعلى. وعلى نفس الأرضية الأخلاقية التي يتأسس عليها التناقض بين الذكور، يتأسس التناقض بين الإناث. فعلى النقيض من نساء حاتم زهران المنحلات والفاسدات نجد فاطمة أخرى، زوجة أخيه الشهيد، قروية محجبة وملتزمة دينيًا، تعلم الأطفال في بحر البقر آيات قرآنية تحذر من اليهود باعتبارهم أعداء الله.

وإن كانت فاطمة أنثى إلا أنها تُحمّل بسمات "الرجولة" بمعناها الشعبي أيضًا، وكما أشرت في مقال سابق من هذه السلسلة فإن اسمها "فاطمة طيبة"، دلالة على أنها مصر الحقيقية الأصيلة. إنها من تقول الحكمة الأخيرة في الفيلم بقدرتها على استشراف المستقبل، لأنها أرملة الشهيد وأم ابنه. فيما يعاقب حاتم بنفس السلاح الميلودرامي التقليدي، بالإضافة للعقم، الوحدة ونفور الأهل منه.

الانحلال الجنسي، وشرب الخمر، وتعاطي المخدرات، والانغماس في الملذات والحياة اللاهية، كعوامل لإدانة بعض الشخصيات، تحولت لكليشيه ثابت في كثير من الأفلام التجارية المصرية، وليس فقط أفلام أكتوبر. يجد مكانه فيها نتيجة طموح صناع هذه الأفلام لقبول الجمهور المتدين والمحافظ لأفلامهم. ولأن فهم الشر أو الفساد أو الاستغلال أو الخيانة يحتاج لدرجات أكبر من التورط السياسي. فيُكتفى بقشرة الانحلال الأخلاقي في مواجهة بطولات فردانية، وليست مجتمعية. وأن يصل هذا الانحلال لإهانة التاريخ، بعد أن أهان المجتمع والأبطال الأفراد، فيمارس عند سفح الأهرامات في "أبناء الصمت".

يتطهر التاريخ في "سواق الأتوبيس" بلقاء شلة القروانة عند سفح الأهرامات. وإن كانت أفلام أكتوبر الأولى تحتفل بحدث كبير دون مناقشة حقيقية له، أو لخلفياته وتبعاته، فأن بعض الأفلام الأحدث، ومن بينها هذا الفيلم لعاطف الطيب، تظهر كعودة نوستالجياوية لزمن وجيل مضى، وبحثًا بكائيًا عن روح فقدت وغابت، وكان لها إن استمرت أن تغير المجتمع.

لكنها روح لا تتجاوز نمطية البطولة الفردانية والرجولة. ففي لقاء شلة القروانة يتذكر الأفراد القلائل المتمسكين بروح أكتوبر في مجتمع فسد وتغير، البطل الصعيدي الرمز "صادق"، الذي استشهد في بداية معركة العبور، ويتذكرونه برجولته النادرة، وبأنه كان "راجل من ضهر راجل".

لا تتكرر في أفلام أكتوبر الأولى المادة "الأرشيفية" نفسها المصنوعة روائيًا فقط، بل أيضًا جهاز الراديو الذي يتجمع حوله الناس في المدن والقرى ليستمعوا للمقطع نفسه من بيان القوات المسلحة الذي يعلن عبور القناة بنجاح، ويهللوا له. إنها لحظة إيمانية تغير كل شيء وكل البشر. والإيمان الحقيقي يجلب الانتصار، فصابر بطل بدور (1974) لا يعود من الأسر إلا في اللحظة الإيمانية الكبرى المقترنة بالصلاة. ويتغير الجميع للأفضل فيشاركوا في المعركة رمزيًا عبر التبرع بالدم أو إسعاف الجرحى أو عمل ملابس للمقاتلين.

تتكرس بهذه الحيل الفيلمية صيغة المجموعة التي تفعل شيئًا من أجل البطل الفرد، لا أن تكون البطولة للمجموعة/للمجتمع. وفيما يخوض البطل المحب للوطن وللمرأة معاركه، يُحتفظ بحرب أكتوبر داخل سجن الثنائيات؛ الخير والشر، الالتزام والانحلال، الخصوبة والعقم، لأن الدخول في السياسة أكثر تعقيدًا. ولأن الفردانية سمة ساداتية، تناسب الحاكم الذي أنتجت في عهده أفلام الموجة الأولى الاحتفالية. الحاكم الذي حاول تصوير انتصار الجيش والشعب في أكتوبر باعتباره انتصاره هو الشخصي/الفردي. لكن هذه المسألة موضوع المقال القادم والأخير من هذه السلسلة.

مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.