ما يطلبه المشاهدون| مظلة السلطة الثقيلة فوق أفلام أكتوبر
"في ذروة الانتشاء بفرحة الانتصار، صدرت عن السينمائيين المصريين تصريحات عديدة تبشر بالإعداد لأفلام تتناول وقائع الحرب وبطولاتها.. وتصور البعض – بحسن نية – أن غبار المعارك، ودم الشهداء سوف ينعكس في أعمال تعبر عن لحظات المجد والشرف والكبرياء، وأن السينما المصرية سوف تتخلى ولو لمرة واحدة في تاريخها عن ابتذال وتشويه كل ما هو عظيم في حياتنا.. لكن سرعان ما خذلهم تجار السينما، وعادوا إلى عاداتهم القديمة واستثمروا الحدث في تحقيق مكاسب، شخصية، صغيرة".
مقطع من كتاب علي أبو شادي السينما والسياسة، الصادر عن دار شرقيات عام 1998.
يشهر أبو شادي في كتابه، الذي يبدو أنه تجميع لعدد من مقالاته الصحفية، غضبَه وإحباطَه من أغلب أفلام أكتوبر. لكن غضب الناقد السينمائي الذي شغل في بعض الفترات أهم المناصب تأثيرًا في صناعة السينما المصرية، مثل منصبي الرقيب ورئاسة المركز القومي للسينما، موجه حصرًا للسينمائيين؛ لا يمس أحوال الصناعة ومسؤولية السلطة السياسية عن تدهورها، ودور أجهزتها القمعية والرقابية المختلفة في أن تكون أغلب هذه الأفلام مصنوعة على عجل، واحتفالية، وتظهر فيها حرب أكتوبر عرضًا/صدفةً.
يشير أبو شادي وهو محق إلى أن أغلب أفلام أكتوبر تعتمد على الميلودراما، دون أن يفسر أسباب لجوء السينما المصرية تاريخيًا لهذا القالب وللصُدف. وهي المسألة المعقدة التي لا مجال لتناولها هنا. لكن حضور الميلودراما في أفلام حرب أكتوبر الاحتفالية الأولى لا يمكن فصله عن الوضع السياسي وقت إنتاجها. فهي إطار حكي مناسب للهروب من الأسئلة الصعبة وتعقيدات السياسة وتجنب تقديم تصور سياسي وتاريخي متماسك للصراع العربي الإسرائيلي وأصوله، وإلى أين يتجه، ودور مصر فيه.
بكلمات أخرى؛ الإطار الميلودرامي ملائم لتقديم ما لا يغضب السلطة السياسية، وتصوير حرب أكتوبر والعبور باعتبارهما أحداثًا منفصلة عن التاريخ، وتمجيد البطولة الفردانية التي محت خطأ 5 يونيو 1967، بدلًا من الحديث عن أوضاع اجتماعية وسياسية أنتجت الهزيمة، ورسمت الطريق لحرب أكتوبر، خصوصًا في مرحلة تاريخية غير مفهومة، وتحت مظلة سلطة قمعية وحاكم شديد النرجسية. فكيف لصناع السينما أن يناقشوا الحرب خلال حكم السادات ويسألوا إن كانت حرب تحرير غير مكتملة؟ أم أنها حرب لتحريك المسار التفاوضي السلمي؟ وهو ما يغيب عن رؤية أبو شادي المجهلة لدور السلطة.
السادات يكسب الجولة الأولى
في أغلب أفلام أكتوبر تتكرر عبارة "حاربنا من أجل السلام" التي قالها السادات في خطابه الانتصاري الأول أمام مجلس الشعب. وإن لم نسمع صوت الرئيس الأسبق في بعض هذه الأفلام، فإن المضمون نفسه يحضر عبر جمل شبيهة من بين حوارات الأبطال، أو عبر عودتهم مباشرة للحياة الهانئة بعد أن عبروا وانتصروا، فالمشكلة حلت. في ظل غياب كامل لأي إشارة للصراع العربي الإسرائيلي، الذي جعل من إسرائيل عدوةً لنا. لدرجة أن يُجهّل العدو أحيانًا؛ لا يُذكر اسمه، ولا نرى ولو مجرد عَلَمه.
ولأنه لا ذكر للقضية الفلسطينية وتأسيس دولة احتلال عنصري وتوسعي على حدودنا الشرقية، تكتفي أغلب أفلام أكتوبر بأن نستمتع بمشاهدة الانتصار "الرجولي" على هذا العدو المبهم، الذي جعلته الميلودراما/القدر/الصدفة عدوًا لنا. في الوفاء العظيم (1974) لحلمي رفلة، على سبيل المثال، يلقي ضابط الصاعقة صفوت/محمود ياسين خطبةً عن تحرير الأرض من "العدو". لكنه لا يشير لحدود هذه الأرض، اسمها، فتظل مبهمة بدورها مثل العدو المجهل. وبما أننا انتصرنا عليه، فنكون بالتالي حررنا كل الأرض.
إنها أحد ملامح الصيغة الساداتية التي أشرت إليها في المقال السابق. فإن كان جانبها الأول تمجيد البطولة الفردانية للبطل الواقف على الجبهة، باعتباره معادلًا دراميًّا للبطل الفرد العظيم الذي يقود الدولة وعمليتي الحرب والسلام، فجانبها الآخر تجميد التاريخ عند لحظة مجد السادات الشخصي في 6 أكتوبر 1973، لا يوجد ما يسبقها أو يليها. وحين تحضر الثغرة وحصار السويس في الفيلم نفسه يحضران بخفة، على عكس ثقلهما في فيلم سينتج متأخرًا مثل حكايات الغريب (1991) لـ إنعام محمد علي، وعلى عكس كارثيتهما في الحقيقة.
الضابط نفسه في "الوفاء العظيم" يطمئن مرؤوسه بأنهم إن أرادوا تصفية الثغرة سيصفونها. بل إنهم تركوا العدو ليقوم بالثغرة لسبب ما يخفيه الدهاء العسكري. وهو الخطاب نفسه الذي سيروجه لاحقًا فيلم أيام السادات (2001) لمخرجه محمد خان. فبسطحية وخفة حديث الضابطين نفسها يسأل السادات/أحمد زكي عرضًا القادة العسكريين إن كانت الثغرة تستحق القلق، فيخبرونه بأن يطمئن، فيطمئن.
للصيغة الساداتية وجوه أخرى انعكست في أفلام المرحلة الأولى؛ أن السادات، وعلى الرغم من انتمائه لجيل الآباء، فإنه يصلح خطأ جيله بدخول الحرب. ويصحح كذلك أوضاع الفساد والديكتاتورية المتسببة في الهزيمة والمقترنة بعهد سلفه عبد الناصر.
في الرصاصة لا تزال في جيبي لحسام الدين مصطفى، تأليف إحسان عبد القدوس، هزمنا من قبل 5 يونيو حين انسحبنا جميعًا؛ البلد نفسه انسحب قبل انسحاب الجيش. والانسحاب المقصود هو الخضوع أمام عباس، معادل عبد الناصر وسلطته وزمنه. وبما أننا انتصرنا في أكتوبر فهذا يعني ضمنيًا أن الشعب، بفضل الحاكم الجديد البديل عن عباس، توقف عن الانسحاب إن استخدمنا تعبيرات البطل.
المفارقة اللاذعة أن الشعب الذي توقف عن الانسحاب لا تُنسب إليه البطولة أو الفعل في هذا الفيلم وفي أغلب أفلام أكتوبر. إنه شعب لم يتوقع الحرب، ولم يستعد لها، وشكك في جيشه وقيادته السياسية، وسخر منهما، وحين وقعت تفرج عليها وقدم بعض الدعم للأبطال المحاربين. بل إنه شعب يعلم عن الحرب بوقوفه جوار أجهزة الراديو، وغالبًا في المقاهي وليس مواقع العمل.
الناصريون في الوقت الضائع
يعلق عبد الموجود/عزت العلايلي في المواطن مصري (1991) لصلاح أبو سيف صورةً التقطت له مع عبد الناصر أثناء تسلمه عقد الأرض في إطار مشروع الإصلاح الزراعي. إنها صورة للزهو، ولتمجيد البطل الغائب. فيما يعلق نقيضه، العمدة الفاسد والشره ابن الإقطاعيين، عبد الرازق الشرشابي/عمر الشريف صورته مع السادات. مفارقة بصرية تعكس الموقف السياسي لصناع الفيلم. لا تحتاج لكثير من التفسيرات، وسهلة التلقي بسبب مباشرتها.
على المتفرج إذًا أن يختار موقعه السياسي/الوجداني. أن يحب من منح الأرض للفلاحين، أو من ينتزعها منهم فيما أبناؤهم يحاربون على الجبهة. إنه بمعنى أو بآخر توظيف للحدث السياسي الكبير، الحرب والعبور، من أجل الدعاية لموقف سياسي. وليس تأملًا للحدث الكبير لفهم جذوره وإلى أين يقودنا.
أن يجد المتفرج نفسه أمام خياري السادات أو عبد الناصر. تكريس للفردانية نفسها. تكريس لفكرة القائد أو السياسي الذي يفعل في غياب الشعب، سواء كان شعبًا منسحبًا ومهزومًا في 1967، أو شعبًا غاب طوعًا ليترك المعركة في يد الرئيس وضباطه فينتصر. بهذا المعنى الفردانية الناصرية هي الوجه الآخر للفردانية الساداتية التي ظهرت في الأفلام الأولى. والموقف الناصري لصلاح أبو سيف ويوسف القعيد ومحسن زايد يتجنب طرح السؤال الموجع للناصرية: كيف أنتج نظام عبد الناصر نظام السادات من رحمه؟ وكيف نُزعت من الفلاحين أراضيهم بهذه السهولة؟
ربما يكون "حكايات الغريب" الفيلم الوحيد الذي يتناول حرب أكتوبر وينفصل عن صيغة البطل الفرد في السياسة، ومعادله البطل الفرد عند الجبهة. ربما لأنه أنتج بعد ما يقارب عقدين من الحرب بعد أن توقفت عن إثارة اهتمام أصحاب السلطة ولم يعد يعنيهم في شيء نسبتها لأنفسهم أو لغيرهم.
يقول سيد/محمد منير في حكايات الغريب "النكسة جابت عاليها واطيها". ليست مجرد إدانة مباشرة لزمن ونظام عبد الناصر، لكنها محاولة للإشارة لتأثير حدث كبير آخر سبق حرب أكتوبر. ولا ينحصر الفساد بناء على صناعه في زمن عبد الناصر، إذ يمتد لزمن السادات، مجسدًا في "شفيق حرامي الجمعية" العابر للعهود السياسية.
وفيما يحاول محمد حلمي هلال وإنعام محمد علي أن يربطا الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بالصراع مع العدو الذي يجب أن نظل منتبهين له، عبر العديد من الإشارات من بينها أغنية فريق "أولاد الأرض": "أنا صاحي يا مصر أنا صاحي.. سهران وفي حضني سلاحي"، يُحدد العدو الذي كان مبهمًا في أفلام سابقة؛ "الصهيونية"، التي تستهدف مشروع التنمية والبناء، ولا تحتل أرضًا مجهلة.
أغنية أنا صاحي لمحمد منير من فيلم حكايات الغريب 1992.
سنجد هنا مقاومة شعبية جماعية، لها أفرادها وقياداتها، ولها شاعرها الكابتن غزالي، والكثيرون الذين يشاركون النجم الغنائي محمد منير في الغناء، بكل ما يحمله الغناء الجماعي من معنى وتوجه سياسي وفكري. دون التخلي عن النفحة الناصرية التي تمجد عبد الناصر بلقطات من جنازته. بل إن موته/غيابه سبب انتكاسة نفسية لعبد الرحمن/محمود الجندي. أما زمن السادات، رغم الحرب والعبور، فهو نكسة للحب، ينفصل حسن/شريف منير عن حبيبته سلمى/صفاء الطوخي لأنها تريد السفر لبلاد النفط، وانسحقت أمام زمن المال والنجاة الفردية.
السادات ينتصر في الجولة الأخيرة
في موقع آخر من كتابه، يقول علي أبو شادي إن السادات طلب خلال إحدى زياراته للولايات المتحدة الأمريكية من عمر الشريف تقديم فيلم ضخم عن حرب أكتوبر على غرار فيلم أطول يوم في التاريخ، وأن يلعب عمر الشريف بطولته. ويضيف لهذه القصة: "إذا كان اغتيال السادات قد حال بينه وبين تحقيق تلك الأمنية فلماذا لا يحققها العهد الحالي الذي يرتكز في جزء من شرعيته وشعبيته على تاريخ الرئيس كواحد من أبطال هذه الحرب المجيدة".
مأزق فكرة أبو شادي متعدد الأوجه. فهو يعود ويرهن السينما بإرادة رأس السلطة السياسية، بناء على افتراض غير صحيح لكنه مرضي لها، أن جزءًا من شرعية مبارك مكتسب من قيادته للقوات الجوية خلال حرب أكتوبر. بالإضافة إلى أن مغازلة السلطة لا تصنع أفلامًا "عميقة"، أو كبرى مثلما يطمح أبو شادي، كما لا تصنعها صدف الميلودراما التي اشتكى منها في كتابه. وأخيرًا مأزق التعبير نفسه "أفلام كبرى"، الذي لا يعني شيئًا محددًا أو مفهومًا.
هل بإمكاننا اعتبار فيلم "أيام السادات" من الأفلام الكبرى؟ لم لا؟ فإنتاجه ضخم، يمجد الدهاء والمكر الساداتيين البالغين، وينسب كل شيء للرئيس الداهية، الذي يعرف كيف يتلاعب بالجميع، بمن فيهم شعبه، ويوهمهم بأنه لن يحارب، فيما يجهز لهذه الحرب، ويرى كل تفاصيلها في ذهنه العبقري. ويخترع وينفذ بمفرده ما يسميه بخطة الخداع الاستراتيجي.
والسادات مثل أي بطل يضحي من أجل الانتصار وإصلاح الخطأ. ليس فقط بصحته وراحته، بل أيضًا بأخيه الشهيد، الذي لا يبكيه، فهو فداء للوطن الذي خُلق له "درع وسيف" بتعبيراته. درع وسيف سيستمران بناء على الفيلم تحت سلطة مبارك الذي يختاره السادات نائبًا لأن جيل أكتوبر الذي حارب وانتصر لا بد أن يتحمل المسؤولية، بالصيغة الأبوية والفردانية نفسها.
لم يتغير البطل في "الرصاصة لا تزال في جيبي"، لا يزال محتفظًا بتلك الرصاصة التي كان لها أن تمر بجسد العدو المحتل قبل أن تمر بجسد عباس الفاسد والمغتصب، صاحب السلطة، وأي عباس جديد. إنها جزئية صغيرة إن عبرت عن شيء فعن تردد كاتب الفيلم، إحسان عبد القدوس، أمام الحدث الذي يتناوله، بعد تجربته الشخصية المبكرة والمريرة مع الضباط الأحرار، التي تمنعه من الثقة الكاملة في أحدهم، حتى وإن أشهر "أحدهم" عداءه لعبد الناصر وزمنه.
فيما يهلل صناع الفيلم للانتصار، وينتقدون زمن عباس، ويسخرون بنعومة من حرب الاستنزاف باعتبارها "حربًا من بعيد لبعيد"، يحذرون من أن عباس قد يعود في هيئة جديدة. لكنه تحذير رقيق، لا يعكر احتفال الفيلم بالحرب والعبور، وتصويرهما بما لا يبتعد عما أرادت السلطة السياسية مشاهدته على شاشة السينما.
الاحتفالية التي طغت على أغلب أفلام أكتوبر كانت فرضًا سلطويًّا، انعكاسًا لاحتفالية السلطة المتعمدة والمبالغة بالحرب، للتغطية على مآلاتها الكارثية وتدخلات السلطة السياسية في مسارها بالشكل الذي فرّغ انتصار الأيام الأولى من مضمونه. أما "ما يطلبه المشاهدون" عن الحرب والانتصار والعبور وما سيأتي به المستقبل فلم يكن متاحًا أو أولوية.
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.