الخلاصة| ما الذي تعنيه إعادة هيكلة بنك الاستثمار القومي؟
خلال جلسة لمجلس الشيوخ في أكتوبر/تشرين الأول أفصح وزير التخطيط أحمد رستم عن نية الحكومة تقديم مشروع قانون لتعديل توصيف بنك الاستثمار القومي إلى "بنك تنموي".
لم يوضح الوزير خلال الجلسة تفاصيل مشروع القانون الجديد، لكن إفصاحات الوزارة عن البنك خلال الأشهر الأخيرة تكشف عن تحولات كبيرة في هذا الكيان الذي تأسس منذ الثمانينيات بهدف جمع مدخرات المصريين وتوجيهها لتمويل البنية الأساسية، وانتهى إلى تراكم مديونيات ضخمة مستحقة له على جهات حكومية فيما عُرف بـالتشابكات المالية.
كيف صَفَّى البنك ديونه القديمة، وما أحواله بعد التصفية؟ وما ملامح دوره الجديد؟
لماذا تراكمت الديون؟ وكيف صُفِّيت؟
اجتذبت تسوية الديون المعلقة لبنك الاستثمار القومي لدى الهيئة الوطنية للإعلام (ماسبيرو) الأنظار، بعدما ضرب بها رجل الأعمال حسن هيكل المثال كنموذج لإمكانية مبادلة الدين العام بأصول مملوكة للدولة، لكن الواقع أن هذه التسوية لم تكن الوحيدة للبنك.
خلال الأشهر الماضية، أجرى البنك تسويات مالية كبيرة بقيمة إجمالية بلغت 401.5 مليار جنيه، تمثل 95% من القروض والتسهيلات الائتمانية التي منحها البنك لمختلف الجهات الحكومية، كان أكبرها لدى الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية التي مثلت أكثر من ربع هذه الديون.
أبرز التمويلات والقروض التي منحها بنك الاستثمار القومي لجهات حكومية وجرى تسويتها في 2026، إنفوجراف من إنتاج المنصة
"استمرار إقراض هيئات عامة متعثرة دون ضمانات كافية للسداد أو خطط مالية واضحة أسهم في تراكم المديونيات وإثقال كاهل البنك بأعباء التمويل" كما يقول عمرو سليمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان لـ المنصة.
ولا تتوفر بيانات كافية حول الوضع المالي للبنك، لكن العديد من التحليلات السابقة تفسر تراكم مديونيته لدى الغير بسبب تمويل البنك لمشروعات لا تدر عائدًا مكافئًا لما كان يُنفق عليها بسبب دورها الاجتماعي، مثل قروض البنك لمشروعات إنارة الريف.
بالإضافة لذلك كان البنك يسمح بممارسات مثل السحب على المكشوف لتمويل نفقات جارية لهيئة السكك الحديدية مثل الرواتب وقطع الغيار في وقت لم تكن فيه الهيئة قادرة على تغطية تكاليفها التشغيلية، كما قال مصدر في الهيئة في تقرير سابق لـ المنصة.
في هذا السياق أُعلنت خطة لإعادة هيكلة البنك في 2017، وساهم صندوق النقد الدولي في تحفيز هذا التحول، بعدما أبدى قلقه من الوضع المالي لهذه المؤسسة التي لا تسري عليها القواعد التقليدية للمصارف بسبب عدم خضوعها لإشراف البنك المركزي.
في هذا السياق اتجه البنك لتسوية قروضه التي منحها لهيئة السكك الحديدية والقابضة للكهرباء، بجانب العديد من شركات قطاع الأعمال العام على غرار القابضة للغزل، بجانب التسويات التي تمت هذا العام.
وفي محاولة للتدليل على نجاح خطة إصلاح البنك قالت وزارة التخطيط إنه نجح في التحول من الخسارة إلى الربح لأول مرة في 2025/2024، لكن هذه التجربة لا تزال تخلف وراءها العديد من التحديات.
لم يكن مجرد بنك
ما جرى لبنك الاستثمار القومي لم يكن مجرد إعادة الانضباط المالي لمؤسسة مالية، وإنما تغيير كبير في طريقة الإدارة المالية للمؤسسات العامة، كان له أثر واضح على السياسات الاجتماعية في مصر.
القروض المتعثرة للبنك كانت كثيرًا ما تمثل نوعًا من أنواع الدعم لجهات خدمية مثل شركة الكهرباء أو السكك الحديدية، وتأجيل تسويتها أو تحصيلها كان يُبرر بمنحها الفرصة لتنفيذ استثمارات أو تغطية نفقاتها الجارية، دون أن تضطر لتحميل أعباء التشغيل على المواطن متلقي الخدمة.
لكن بعد تسوية المديونيات القديمة للبنك، أصبح تمويل هذه الجهات يعتمد بشكل أكبر على القواعد المصرفية التقليدية، ما جعلها ترفع أسعار خدماتها بوتيرة متسارعة، مبررة ذلك بحاجتها لإيرادات تشغيلية تغطي مصروفاتها.
"غياب بنك الاستثمار القومي عن تمويل الهيئات الحكومية قد تكون له انعكاسات اجتماعية غير مباشرة، في ظل انتقال هذه الجهات إلى مصادر تمويل تجارية الأمر الذي يعني رفع تكلفة الاقتراض، وهو ما قد ينعكس في النهاية على الموازنة العامة أو تكلفة الخدمات التي يتحملها المواطن" كما يقول محمد فؤاد، عضو مجلس النواب لـ المنصة.
الجانب الإيجابي في هذا التحول هو أن فرض الطابع التجاري على المؤسسات الخدمية قد يجنبها الوقوع مجددًا في فخ تراكم الديون "مع تحول عدد كبير من الهيئات إلى تقديم خدمات بمقابل للمواطنين، أصبح في إمكانها توظيف إيراداتها في تغطية احتياجاتها المالية" كما تقول علياء المهدي، أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، لـ المنصة.
ويؤكد المصدر ببنك الاستثمار على الرأي السابق، إذ يشير إلى أن الجهات الحكومية باتت في الوقت الحالي أكثر التزامًا بسقف الإنفاق الذي تفرضه عليها الموازنة العامة، الأمر الذي سيحد من فرص تشكل تشابكات مالية جديدة.
وبدأت الموازنة العامة في فرض سقف على استثمارات الجهات التابعة للدولة ابتداءً من العام المالي 2025/2024 بعد انتقادات بالتوسع المتسارع في الإنفاق الاستثماري.
لكن علياء تحذر من أن بعض الجهات الحكومية قد لا تكون قادرة على المنافسة في السوق من أجل زيادة إيراداتها وتجنب تراكم الديون من جديد. وضربت مثالًا بـ ماسبيرو "من المهم إتاحة مساحة أكبر أمامه للتحرك في مجال تقديم برامج وخدمات إعلامية قادرة على المنافسة واستعادة جانب من الحصة الإعلانية، بما يدعم موارده الذاتية ويقلل حاجته إلى الاقتراض مجددًا".
وتشير تحليلات سابقة إلى أن أزمة ماسبيرو المالية تعود إلى عدم قدرة المحتوى الذي يقدمه على منافسة القنوات الفضائية، بجانب ارتفاع عدد العمالة لديه.
ماذا سيفعل بكل هذه الأصول؟
من أهم التحديات التي تنتظر البنك كيفية التصرف في الكم الهائل من الأصول التي راكمها خلال السنوات الأخيرة مقابل تسوية قروضه لدى الغير. وقال مصدر مسؤول بالبنك، طلب عدم نشر اسمه، إن معظمها كان أراضي وأصولًا عقارية بينما البنك بطبيعة عمله كمؤسسة مالية يجب أن يحولها إلى أصول مُدِرَّة للعائد لكي ترتبط بنشاطه التشغيلي.
ويوضح المسؤول، لـ المنصة، أن البنك لن يتجه بالضرورة لبيع هذه الأصول، ولكن سيفاضل بين عدة آليات للاستفادة منها "البنك يمكنه، بحسب طبيعة الأصول، الدخول في عمليات تطوير مشترك لبعض الأراضي إذا كانت صالحة للتطوير العقاري أو الصناعي، أو إعادة تأجيرها أو إتاحتها بحق الانتفاع، وغيرها من آليات الاستفادة التي تحقق عائدًا من الأصل" كما يقول الخبير الاقتصادي مدحت نافع لـ المنصة.
"الهدف النهائي يظل تحويل هذه الأصول إلى سيولة أو قيمة اقتصادية تعادل المديونية التي نشأت عنها التسوية، بما يدعم المركز المالي للبنك ويساعده على تعظيم العائد من محفظة أصوله" بحسب المصدر بالبنك.
ملامح بنك الاستثمار الجديد
لم يكشف وزير التخطيط في تصريحاته الأخيرة عن ملامح القانون الجديد الذي يهدف لتحويل بنك الاستثمار إلى "بنك تنموي"، ويزداد الغموض إذا عدنا للقانون المؤسس للبنك في الثمانينيات والذي ينص على أن الغرض الأساسي من إنشائه تمويل "خطة التنمية" إذن ما الفارق؟
يقول المصدر ببنك الاستثمار إن الفارق الرئيسي هو أن يكون البنك أكثر التزامًا بمعايير الاستدامة المالية، سواء على مستوى مصادر تمويله هو شخصيًا، أو على مستوى المجالات التي سيوجه لها القروض.
لا يعمل بنك الاستثمار القومي مثل البنوك التجارية، بمعنى أنه غير قادر على تلقي الودائع، وكان يوفر لنفسه التمويل عبر استثمار أموال التأمينات والبريد، بجانب جمع المدخرات من المواطنين عبر شهادات استثمار كان البنك الأهلي يصدرها باسمه. تغيرت هذه العلاقة خلال السنوات الأخيرة، عقب فض التشابك بين البنك والتأمينات من خلال قانون التأمينات لعام 2019، وتوقف البنك الأهلي عن إصدار شهادات باسم بنك الاستثمار منذ 2021.
"سيعتمد البنك في الفترة المقبلة على مزيج من مصادر التمويل، في مقدمتها عوائد إدارة الأصول والاستثمارات القائمة، وحصيلة التخارج من بعض الأصول أو إعادة توظيفها، إلى جانب التدفقات النقدية الناتجة عن التسويات التي تتم نقديًا".
وكان البنك نفذ خلال السنوات الأخيرة عمليات بيع واسعة لحصص في شركات كانت مملوكة له، مثل التخارج من بنك أبو ظبي الإسلامي وبيع حصص في شركات مثل موبكو وإي فاينانس.
من جهة أخرى، فإن وزارة التخطيط تتطلع إلى دمج البنك في آلية جديدة تسمى "آلية ضمان تمويل البنية التحتية" والتي لم تتضح بعد تفاصيلها، لكن أكثر النقاط تميزًا فيها أنها ستكون بديلًا عن الضمانات المقدمة من الدولة للهيئات الحكومية لتسهيل حصولها على القروض، والتي كانت محل انتقاد من صندوق النقد الدولي بسبب ارتفاع عبئها على الموازنة.
كما سيتم تقديم هذه الآلية بالاشتراك بين بنك الاستثمار القومي وعدد كبير من مؤسسات التمويل الدولية مثل البنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار، ما سيوفر تمويلات دولية لهذه الضمانات.
"أولوية بنك الاستثمار القومي اليوم ليست العودة إلى نموذج التمويل القديم، وإنما العمل وفق نموذج أكثر استدامة يقوم على تعبئة التمويل وتقاسم المخاطر، بدلًا من إعادة إنتاج المديونيات والاعتماد على الضمانات السيادية" كما يضيف فؤاد.
تمثل تجربة بنك الاستثمار القومي قصة نجاح على المستوى المؤسسي، لكن الدور الذي كان يضطلع به البنك في دعم التنمية، حتى ولو تسبب في مراكمة ديون متعثرة سيظل ضروريًا، ما يتطلب رؤية في القانون الجديد لا تقتصر على الانضباط المالي، ولكن تستعيد الدور الاجتماعي للبنك.