أزمة الذكاء الاصطناعي من التقنية للملكية
إعادة الاعتبار للملكية العامة
أثار الباحث السابق في أنثروبيك وأوبن إيه آي، جاكوب كوكسون، موجة جديدة من القلق حين حذّر من أن استمرار السباق نحو تطوير ذكاء اصطناعي فائق الذكاء وقادر على تحسين نفسه قد يعرّض البشر لخطر وجودي. وعادة ما تدفع مثل هذه التحذيرات النقاش نحو كيفية تنظيم هذه الأنظمة وضمان سلامتها. غير أن هناك سؤالًا أسبق يتعلق بالملكية نفسها، من يملك الذكاء الاصطناعي أصلًا؟
قادني هذا السؤال إلى التفكير مجددًا في معنى الملكية العامة خلال فترة التبادل البحثي التي أقضيها حاليًا في البرتغال. فوجئت، في عدد من النقاشات واللقاءات البحثية التي حضرتها، بتكرار الحديث عن التأميم، سواء عند تناول تاريخ ثورة القرنفل (انقلاب عسكري عام 1974 أنهى حكم النظام الديكتاتوري الذي حكم البلاد منذ 1926) أو عند مناقشة الطاقة والتحول الأخضر اليوم. وكان ذلك مدخلًا لمقارنة تبدو، للوهلة الأولى، غريبة بين البرتغال وتجارب التحرر الوطني في منطقتنا العربية.
من التحرر الوطني إلى الملكية العامة
اعتدنا في العالم العربي أن نقرن في ذاكرتنا توسيع ملكية الدولة للاقتصاد بنظم التحرر الوطني التي نشأت في الخمسينيات والستينيات، في مصر وسوريا والعراق والجزائر، وبصور ودرجات مختلفة، ارتبطت السيطرة العامة على البنوك والصناعة والموارد الطبيعية بمشروعات الاستقلال الاقتصادي والتصنيع وإعادة توزيع الثروة.
لكن هذه التحولات جرت في الوقت نفسه داخل نظم سياسية شديدة المركزية، ضاقت بالتعددية والحريات السياسية. وهكذا تداخل شيئان مختلفان في ذاكرتنا السياسية، هما ملكية الدولة للاقتصاد واحتكار الدولة للسياسة.
التجربة البرتغالية تقدم مسارًا مختلفًا يكاد يقلب هذه الصورة. فالدولة السلطوية التي حكمت البرتغال لعقود في عهد أنطونيو سالازار ثم مارسيلو كايتانو، ارتبطت بالمجموعات الرأسمالية والمالية الكبرى، وكانت البنوك في قلب شبكات اقتصادية تمتد إلى قطاعات واسعة من الصناعة.
ثم جاءت ثورة القرنفل في 25 أبريل/نيسان 1974 وأسقطت النظام السلطوي. وبعد محاولة انقلاب 11 مارس/آذار 1975 تسارعت العملية الثورية، فجرى تأميم معظم البنوك في 14 مارس، ثم شركات التأمين في اليوم التالي، قبل أن تمتد الإجراءات إلى الكهرباء والنقل والصناعات الأساسية وغيرها.
وكان للسيطرة على البنوك أثر يتجاوز القطاع المالي نفسه بسبب ارتباطها بالمجموعات الصناعية الكبرى. ربما يجب أن نقول ذلك لأصحاب نظرية السيادة من الرأسماليين أنه هكذا تُبنى الدول. وحمل دستور 1976 نفسه بصمات هذه اللحظة، فكرّس مساحة واسعة للقطاع العام وللحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك تقدم البرتغال حالة تاريخية مهمة تكسر الربط الآلي بين الملكية العامة والسلطوية.
أما في المنطقة العربية، فقد ارتبطت القضية أيضًا بالاستقلال. فاستعادة قناة السويس في مصر، والسيطرة العامة على البنوك والصناعة، ثم السيطرة الوطنية على النفط والغاز في الجزائر وغيرها، لم تكن مجرد قرارات حول الشكل الأفضل لإدارة شركة أو أصل اقتصادي، لكنها كانت جزءًا من نقاش أوسع حول معنى الاستقلال السياسي في ظل بقاء الموارد الأساسية والقرار الاقتصادي في أيدي رأس المال الأجنبي أو القوى الاقتصادية المرتبطة به.
الخصخصة والتقشف
ابتداءً من الثمانينيات، ومع صعود تاتشر وريجان وانتشار النموذج النيوليبرالي، بدأت البرتغال السير في الاتجاه المعاكس. وساعد الاندماج الأوروبي والتحولات الدستورية، خصوصًا تعديل 1989، في فتح الطريق أمام إعادة خصخصة أصول كانت قد انتقلت إلى الملكية العامة بعد الثورة.
ثم جاءت أزمة 2008 وتراكمت الديون فجاء برنامج الترويكا المكونة من المفوضية الأوروبية والبنك الأوروبي وصندوق النقد في 2011 لتدفع هذا المسار إلى مرحلة جديدة. وفرض برنامج الترويكا في البرتغال حزمة واسعة من إجراءات التقشف، شملت خفض الإنفاق العام وأجور العاملين في القطاع العام ومعاشات التقاعد وإعانات البطالة والمرض، إلى جانب تقليص العمالة العامة والضغط على الإنفاق في قطاعات مثل الصحة والتعليم؛ وهو ما انعكس مباشرة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومستوى الحماية الاجتماعية.
لكن التجربة البرتغالية أظهرت في الوقت نفسه أهمية المؤسسات الديمقراطية في وضع حدود لهذه السياسات؛ فقد أبطلت المحكمة الدستورية، بين 2012 و2014، عددًا من إجراءات خفض الأجور والمعاشات وإعانات البطالة والمرض باعتبارها مخالفة للدستور. بعد انتخابات 2015 وتشكيل حكومة اشتراكية بدعم أحزاب اليسار، بدأ التراجع عن جانب من سياسات التقشف واستعادة تدريجية لبعض الأجور والدخول والحماية الاجتماعية.
وهكذا لم تمنع الديمقراطية فرض التقشف من البداية، لكنها وفرت آليات مؤسسية وسياسية مكّنت المجتمع من مقاومة بعض آثاره والحد منها ثم تغيير اتجاه جزء من السياسات، لكنها في السياق العالمي وحدود طبيعتها لم تستطع إيقافه وعكس آثاره.
الملكية والطاقة والذكاء الاصطناعي
ونعود في الحقبة الأخيرة مع الثورة التكنولوجية الكبرى المرتبطة بالطاقة والتحول للطاقة المتجددة والتحول الأخضر. وهنا ظهر السؤال نفسه من جديد، الشمس والرياح ليستا من إنتاج شركة، إنهما موردان طبيعيان، وتحويلهما إلى كهرباء يحتاج إلى الأرض، والشبكات، ومحطات التخزين، والاستثمار والتكنولوجيا. فمن ينبغي أن يمتلك البنية التي تحول المورد المشترك إلى قيمة اقتصادية؟
النقاش قائم بالفعل في البرتغال، وهناك محاولات لإنشاء مجتمعات للطاقة المتجددة تسمح للمواطنين والبلديات والتعاونيات بالمشاركة في الإنتاج والملكية والاستفادة المحلية من العوائد. لكن دراسة حديثة لـ160 مبادرة للطاقة اللامركزية في البرتغال وجدت هيمنة واضحة للمشروعات التي تقودها الشركات الخاصة، وحذرت من استخدام وصف مجتمع الطاقة لمشروعات لا تحقق بالضرورة السيطرة المجتمعية والديمقراطية التي يفترضها المفهوم. إذن يمكن أن ننتقل من الوقود الأحفوري إلى الشمس والرياح، ونظل داخل علاقات الملكية نفسها.
والبديل ليس بالضرورة شركة حكومية مركزية ضخمة على نموذج الستينيات. يمكن أن نتحدث عن ملكية وطنية عامة، أو بلدية، أو تعاونيات، أو مجتمعات محلية للطاقة، أو صيغ تجمع بينها. المهم هو إعادة طرح السؤال الذي جرى استبعاده طويلًا من النقاش الاقتصادي.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي، ما جعل مسألة الملكية أكثر إلحاحًا. والتي تبدأ من مراكز البيانات التي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء، والأرض، والشبكات، والمياه في بعض نظم التبريد. أي أن التكنولوجيا الأكثر تقدمًا في عصرنا تعتمد، في النهاية، على موارد مادية واجتماعية شديدة الواقعية.
والذكاء الاصطناعي لم ينشأ في فراغ؛ فمادته الخام ليست اختراع الشركات التي تمتلك النماذج وحدها. لقد تدرب على تراكم هائل من المعرفة الإنسانية شملت كتبنا وأبحاثنا وصورنا وأفلامنا وموسيقانا وصحافتنا وبرمجياتنا ومحادثاتنا وأفكار أجيال متعاقبة.
وقد أعاد السيناتور الأمريكي المستقل بيرني ساندرز طرح هذه المسألة بصورة مباشرة مؤخرًا حين اقترح أن يمتلك الجمهور حصة كبيرة في شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، منطلقًا من أن هذه التكنولوجيا قامت في أساسها على المعرفة الجماعية للبشرية والعمل الإبداعي لملايين البشر. فلماذا تصبح القيمة الهائلة الناتجة عن كل ذلك ملكية خاصة لعدد محدود من الشركات؟
وهنا تعود قضية سلامة الذكاء الاصطناعي بصورة مختلفة. فحين نبحث في الجهة القادرة على منع شركة من تطوير نموذج يشكل خطرًا على المجتمع، تكون الإجابة المعتادة هي الدولة عبر التشريع والرقابة. لكن امتلاك المجتمع نفسه جزءًا حاسمًا من هذه التكنولوجيا وبنيتها التحتية يغير طبيعة القضية. عندها تصبح سلامة الذكاء الاصطناعي جزءًا من نقاش أوسع حول الديمقراطية الاقتصادية، إلى جانب تنظيم التكنولوجيا الجديدة.
الطاقة المتجددة والبيانات والذكاء الاصطناعي تعيد فتح القضية من مكان جديد. وربما لم تعد القضية هي العودة إلى نماذج الستينيات، وإنما التفكير في أشكال جديدة للملكية العامة والاجتماعية والديمقراطية تتناسب مع قطاعات المستقبل. وفي منطقتنا العربية، يضعنا ذلك أمام ضرورة الدخول في هذا النقاش بدل الاستمرار في تكرار الحديث نفسه عن كفاءة القطاع الخاص، وأهمية جذب المستثمرين، ومنحهم الأراضي والطاقة والحوافز، ثم اكتشاف بعد سنوات أن جزءًا جديدًا من مواردنا وبنيتنا الأساسية قد أصبح خارج سيطرة المجتمع.