صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي
تصوير بصري لعلاقة السلطة بالذكاء الاصطناعي حيث تسيطر نخبة إدارية على التقنية

ملكية الذكاء الاصطناعي.. من يحمي حقوق العمال؟

منشور الأربعاء 14 تشرين الأول/أكتوبر 2026

لا يحتاج الخطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى افتراض سيناريو أن آلةً اكتسبت إرادة مستقلة عن البشر. يكفي النظر إلى من يملك قرار تطوير هذه الأنظمة وتشغيلها، ومن يتحمل النتائج. 

تملك المؤسسات المسيطرة على موارد التطوير سلطة تحديد القدرات التي يجري بناؤها وشروط تشغيلها والمخاطر التي تقبلها، وهو ما لا يتاح للمتأثرين بهذه القرارات. بل وحتى حين يضيف نقل القرار من الشركة إلى جهة رقابية قيدًا على هذه السلطة، فهو لا يستوعب المشكلة كاملة، لأن جزءًا مهمًا منها يُمارس قبل الوصول إلى لحظة السماح بتشغيل نموذج أو منعه.

تظهر هذه السلطة في السيطرة على الحوسبة والتمويل والبنية التحتية. فمن يملك هذه الموارد يستطيع التأثير في المشكلات التي يوجَّه إليها الاستثمار، وفي القدرات التي يجري تطويرها والطريقة التي تدخل بها الأنظمة إلى العمل. 

وعندما تصل التقنية إلى مكان العمل، تصبح مسألة توزيع مكاسبها أكثر وضوحًا. فزيادة الإنتاجية لا تحدد وحدها من يستفيد منها. قد تقلل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز المهمة، وقد تستخدمها الإدارة لرفع حجم العمل المطلوب خلال الساعات نفسها. 

يتوقف الترجيح بين هذين المسارين على من يملك القرار، وكيف توزع مكاسب الزيادة في الإنتاجية.

عند هذه النقطة يصبح سؤال الملكية سؤالًا عن السيطرة الفعلية على الذكاء الاصطناعي. تتعلق بالموارد التي تسمح بتطويره، وبسلطة تحديد غرضه وتصميمه واستخدامه، وبقدرة العمال والمتأثرين على الاعتراض على هذه القرارات أو تغييرها. لذلك يبدأ تنظيم الذكاء الاصطناعي منذ مرحلة تشكيل مساره، حين تتحدد وجهة التطوير ومن يملك سلطة توجيهها، ويستمر بعد دخوله إلى العمل حيث يطرح الصراع على توزيع ثمار التقنية.

الملكية تدخل في تصميم النظام

في دراسة عن الشراكات نشرتها لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2025، حول علاقات مايكروسوفت بأوبن إيه آي، وأمازون وجوجل بأنثروبيك، رصدت اللجنة ترتيبات قد ترفع تكلفة انتقال المطور بين موردي الحوسبة السحابية، وتتيح الوصول إلى معلومات تجارية وتقنية حساسة. 

تكشف هذه العلاقات أن السيطرة على الموارد الضرورية لتطوير الذكاء الاصطناعي قد تمنح نفوذًا حتى من دون ملكية مباشرة للشركة المطورة. فحين يصبح تغيير مورد الحوسبة مكلفًا ويحتاج إلى وقت وموارد إضافية، تضيق الخيارات المتاحة فعليًا أمام المطور.

داخل عملية التطوير توجد سلطة أخرى تتعلق بتصميم النظام نفسه. فاختيار المهمة التي سيؤديها، وتحديد مقدار استقلاله في تنفيذها، وتقرير ما إذا كان قراره سيخضع للمراجعة قبل أن تترتب عليه نتيجة، كلها خيارات تُتّخذ أثناء التصميم. لهذا يختلف عمليًّا نظام يقدم اقتراحًا يستطيع الإنسان مراجعته أو رفضه عن نظام ينفذ الإجراء مباشرة. ومع تراكم هذه الاختيارات تصبح طريقة عمل النظام والحدود الموضوعة لتصرفه جزءًا من بنيته، وقد يستمر أثرها حتى بعد تغير المالك.

يمكن توضيح أثر هذه الاختيارات بنظام افتراضي لتقييم العاملين يعطي الأولوية لسرعة إنجاز المهمة، ولا يحتسب الوقت الذي يقضيه العامل في مساعدة زميل أو تعلم إجراء جديد. إذا طبق النظام هذا المعيار بدقة، فقد يضغط على العامل من دون وقوع أي خطأ حسابي. يعمل النظام في هذا السياق وفق المعيار الذي بُني عليه، لذلك يتعلق الخلاف بالمعيار نفسه وبحق العامل في الاعتراض عليه. وقد يكون المعيار متفقًا عليه، لكن النظام يخطئ في تسجيل الأداء، فتكون المشكلة عندها في موثوقيته التقنية. 

يوضح الفرق بين الحالتين أن دقة النظام لا تكفي وحدها للحكم على استخدامه، لأن الغرض والمعيار اللذين صُمم لخدمتهما يظلان موضوعًا مستقلًا للتقييم والاعتراض.

الإنتاجية لا تقرر نصيب العامل

تساعد مناقشة علاقة الآلة بالعمل على فهم لماذا لا تحدد زيادة القدرة الإنتاجية وحدها نصيب العامل منها. فقد تقلل الآلة الوقت أو الجهد اللازمين لإنجاز العمل، لكن طريقة توزيع هذا الوفر تتوقف على كيفية استخدامها داخل علاقة العمل. 

يستطيع صاحب العمل توظيف القدرة الجديدة لزيادة حجم العمل أو كثافته خلال الساعات نفسها، ويمكن أن تتحول الزيادة في الإنتاجية إلى تقليل الوقت والجهد المطلوبين من العامل. 

لذلك تظل الاستفادة من القدرة الإنتاجية مرتبطة بمن يملك سلطة تقرير كيفية استخدامها وتوزيع مكاسبها، ووجدت دراسة للإنتاجية، نُشرت عام 2025، زيادة متوسطها 15% في عدد مشكلات العملاء المحلولة لكل ساعة لدى 5 آلاف و172 موظف خدمة عملاء شملتهم الدراسة لإدخال أداة مساعدة تدريجيًا. 

تفاوت الأثر بين العاملين، واقتصر المقياس على إنجاز مهام محددة. لكن لا تعني هذه النتيجة أن الأجور ارتفعت بالنسبة نفسها أو أن ساعات العمل انخفضت، كما لا تسمح بتعميم الأثر على المهن كلها.

يفتح هذا التحسن أكثر من احتمال أمام العامل والمؤسسة. فإذا أصبح إنجاز حجم معين من العمل ممكنًا في وقت أقصر، يمكن أن يتحول جزء من هذا الوقت إلى خفض في ساعات العمل. ويمكن للإدارة أيضًا أن تستخدم السرعة الجديدة لزيادة حجم العمل المطلوب خلال الساعات نفسها، فيصبح المستوى الأعلى من الإنجاز هو المعيار اليومي الجديد. بالتالي يتوقف توزيع المكسب على شروط العمل والطلب وموازين القوة داخل المؤسسة.

ومن موقع العامل، تتجاوز قيمة التقنية مقدار ما تضيفه إلى حجم الإنتاج لتشمل أثرها في الوقت والجهد والسيطرة على شروط العمل. فإذا أصبح نجاح الأداة مبررًا لرفع العبء المطلوب، فلن يكون ارتفاع الإنتاجية مكسبًا كافيًا من وجهة نظر العامل. عندها يصبح تقليل الجهد أو ساعات العمل موضوعًا للتفاوض والتنظيم الجماعي. وهكذا ينتقل النزاع من إثبات وجود مكسب إنتاجي إلى تقرير من يحصل على ثمرته.

الرقابة العمالية

توضح تجربة نقابة الكتّاب الأمريكية كيف يمكن للتفاوض الجماعي أن يضع حدودًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي داخل العمل. فبموجب اتفاقها عام 2023، لا تستطيع الشركة أو جهة العمل الخاضعة للاتفاق إلزام الكاتب باستخدام الذكاء الاصطناعي في أداء خدمات الكتابة. وإذا قدمت إلى الكاتب مادة مولدة بالذكاء الاصطناعي أو تتضمن مادة مولدة به، فعليها إخباره بذلك.

وفي 2026 انتقل التفاوض إلى مسألة أخرى تتعلق باستخدام أعمال الكتّاب في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي. فقد ألزمت مذكرة 2026 الشركة بإخطار النقابة كتابة إذا منحت طرفًا غير تابع لها ترخيصًا مدفوعًا لاستخدام مواد أدبية مشمولة بالاتفاق في تدريب نظام توليدي تجاري متاح للجمهور. ويحق للنقابة، إذا طلبت ذلك، الاجتماع مع الشركة لمناقشة الترخيص والمقابل المرتبط به إن وجد، مع مراعاة اتفاقات السرية. يمنح هذا الترتيب النقابة حق الاطلاع على هذه التراخيص ومناقشتها، من دون أن يمنحها حقًا عامًا في منعها أو ضمانًا تلقائيًا لحصول الكتّاب على مقابل.

تنبع أهمية هذه الحقوق من أن طرفًا منظمًا شارك في صياغتها ويملك أساسًا تعاقديًا للمطالبة بتطبيقها. ومع ذلك، لا تكشف النصوص وحدها أثر الاتفاق في الأجور أو التسريح أو مدى التزام الشركات به. وتظل فاعلية الحقوق مرتبطة بقدرة النقابة والعمال على فرض احترامها واستخدامها في النزاع الفعلي داخل مكان العمل.

ما تكشفه تجربة نقابة الكتّاب هو أن التفاوض الجماعي يستطيع تقييد بعض استخدامات الذكاء الاصطناعي، وإلزام جهة العمل بتقديم معلومات أو مناقشة قرارات معينة مع العمال. لكن هذه الحقوق لا تمنح العمال بالضرورة سلطة على القرارات الأوسع التي تحدد أي تقنيات يجري الاستثمار فيها وتطويرها. 

تفتح هذه الحدود سؤالًا أوسع عن نوع السلطة التي يحتاجها العمال إذا أرادوا التأثير في القرارات التي تسبق استخدام التقنية نفسها. فالحصول على معلومات عن نظام جديد أو التفاوض على بعض شروط استخدامه يمنح العمال قدرة محدودة على التدخل، بينما تظل قرارات تطوير النظام وتخصيص الموارد وتحديد الغرض من استخدامه في يد الإدارة.

يقدم مفهوم الرقابة العمالية مدخلًا لتوسيع هذه القدرة، إذ ترتبط بإتاحة فحص قرارات المؤسسة وحساباتها للعمال، بحيث تصبح المعرفة أساسًا للتدخل في القرار. ويمكن تطبيق هذه الفكرة على الذكاء الاصطناعي بالانتقال من مجرد إبلاغ العامل بالنظام إلى منحه قدرة فعلية على التأثير في قرار تشغيله وشروط استخدامه. فإذا وصلت المعلومات بعد أن تكون الإدارة قد حسمت القرار، يظل دور العامل محدودًا مهما كانت معرفته بطريقة عمل النظام.

من الرقابة العمالية إلى الملكية الاجتماعية

لكي تكون الرقابة العمالية قابلة للممارسة، تحتاج إلى صلاحيات يمكن استخدامها قبل اتخاذ القرار وبعده. يحتاج ممثلو العاملين إلى وقت وخبرة مستقلة لفحص النظام المقترح والادعاءات المتعلقة بأدائه، كما يحتاج الاعتراض إلى أثر يمكن تنفيذه، مثل تعديل غرض النظام أو تأجيل استخدامه إلى حين مراجعة شروطه. وإذا كشف الاستخدام عن ضرر، ينبغي أن تتيح هذه الصلاحيات وقفه وإعادة تقييمه. عندها يصبح تدخل العمال جزءًا من آلية اتخاذ القرار نفسها.

ويظهر أثر هذه الصلاحيات أيضًا في توزيع مكاسب الإنتاجية. فمن النتائج التي يمكن للعمال المطالبة بها تقليص ساعات العمل دون خفض الأجر عندما تتيح التقنية إنجاز العمل في وقت أقل. ويعتمد مقدار التخفيض الممكن على طبيعة العمل وتنظيمه والموارد المستخدمة فيه، لذلك لا يمكن استخلاصه مباشرة من نسبة إنتاجية وردت في دراسة بعينها. هنا تتحول الرقابة على استخدام التقنية إلى وسيلة للتأثير في كيفية توزيع المكاسب التي تنتج عنها.

لكن قدرة العمال على فرض هذه الشروط قد تظل محدودة إذا اقتصرت على مؤسسة واحدة. تستطيع الإدارة، في بعض الحالات، نقل النشاط أو إسناده إلى متعاقدين خارج نطاق الاتفاق، بما يسمح لها بتجاوز جزء من القيود التي فرضها العاملون. لذلك يمتد تنظيم هذه السلطة إلى المستوى القطاعي، وإلى أشكال من التضامن تمنع استخدام مجموعة من العمال للضغط على مجموعة أخرى.

تكشف هذه الحدود أن السيطرة على شروط استخدام التقنية تظل معرضة للتجاوز ما دام قرار توزيع الموارد والاستثمار فيها منفصلًا عن الرقابة التي يمارسها العمال. 

ومن هنا يظهر سؤال الملكية الاجتماعية، فالموارد الضرورية لتطوير الأنظمة وتشغيلها تصبح، وفق هذا التصور، خاضعة لآليات ديمقراطية تحدد وجهة استخدامها، ويشارك فيها ممثلون يستطيع العمال والمتأثرون بالقرارات محاسبتهم وعزلهم. ولا تنحصر المشاركة في العاملين داخل المؤسسة المطورة، لأن آثار النظام قد تصل إلى أشخاص لا يعملون فيها ولا يتعاملون معها مباشرة.

 يحتاج هؤلاء أيضًا إلى قنوات مؤثرة لمراجعة القرارات التي تمسهم، وإلى إمكانية الاستعانة بجهات فحص مستقلة عن الإدارة صاحبة المصلحة في تشغيل النظام.

وتثير الملكية الاجتماعية بدورها سؤالًا عن الجهة التي تمارس السلطة بعد انتقال الملكية. فنقل الأصول إلى الدولة لا يضمن وحده خضوع القرار للعمال أو المجتمع. يساعد نقد البيروقراطية على توضيح هذا الفرق، إذ يمكن لجهة حكومية أن تحتكر المعلومات والقرار وتفرض على العاملين الامتثال رغم اختلاف علاقتها بالربح عن الشركة الخاصة. لذلك يتوقف المضمون الاجتماعي للملكية على المؤسسات التي تسمح للمنتجين والمجتمع بتوجيه القرار ومحاسبة القائمين عليه ومنع تحوله إلى احتكار إداري جديد.

وحتى إذا خضعت قرارات الملكية والاستخدام لرقابة ديمقراطية، تبقى مسألة الأمان التقني قائمة بصورة مستقلة. فتغيير الجهة التي تملك النظام أو تقرر استخدامه لا يجعل النموذج أكثر موثوقية في ذاته. يحتاج الأمان إلى اختبارات مستقلة ومعايير قابلة للفحص، وإلى حماية نتائج التقييم من الضغوط التي قد تدفع إلى تشغيل نظام رغم ظهور مشكلات فيه. يحدد المختصون مواطن الفشل وحدود المعرفة التقنية، بينما يشارك المتأثرون في تقرير الغايات والمخاطر التي يمكن قبولها.

ويظل هذا البناء محدودًا إذا توقف عند حدود المؤسسة أو الدولة، لأن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري داخل اقتصاد تتنافس فيه الشركات والدول عبر الحدود. ويمكن لهذا التنافس أن يدفع إلى تخفيض شروط الحماية أو تحميل العمال تكلفة السباق على تطوير التقنية. لذلك يصبح التنظيم والتعاون عبر الحدود امتدادًا للمستويات السابقة من الرقابة، بما يساعد على منع تحويل الأجور أو ساعات العمل أو معايير السلامة إلى أدوات للمنافسة بين مجموعات مختلفة من العمال.