المزاحمة.. أسطورة الصندوق في تفسير عجز النمو الاقتصادي
على مدار مراجعات صندوق النقد الدولي لاتفاقاته التمويلية مع مصر، لم ينقطع الحديث عن ضرورة إفساح المجال للقطاع الخاص، ولم يخفِ الصندوق قلقه من توسع النشاط الاقتصادي لجهات تابعة للدولة خلال السنوات الأخيرة، معتبرًا هذه المزاحمة سببًا رئيسيًّا في كبح فرص النمو الاقتصادي لمصر.
وخلال السنوات العشر الأخيرة لمصر مع الصندوق اتخذت الحكومة موقف المدافع عن نفسها؛ على الأقل على مستوى الخطاب، وحاولت تقديم البراهين على أنها تأخذ مسألة تقليص دور الدولة في الاقتصاد على محمل الجد؛ بدءًا من إصدار وثيقة ملكية الدولة بهدف حصر وتحديد نشاطها، وصولًا إلى صفقات الخصخصة التي رغم محدوديتها كانت تتطرق لقطاعات اعتبرت بالغة الحساسية في السابق مثل الطاقة والبنوك والطيران أو المؤسسات التابعة للقوات المسلحة.
بنظرة أكثر حرصًا على بيانات القطاع الخاص تتضح لنا صورة مختلفة عن تلك التي ينقلها لنا خطاب الصندوق وهو يلوم الحكومة، ورد الحكومة وهي تدافع عن نفسها؛ الصورة الحقيقية هي أننا أمام قطاع خاص واسع ومسيطر ومهيمن، لكنه في الوقت نفسه عاجز عن النمو لأسباب هيكلية تختلف كلية عن تلك التي يركز عليها الصندوق.
ما حجم القطاع الخاص في الاقتصاد؟
تؤكد كل البيانات الرسمية الدور المهيمن للقطاع الخاص في الوقت الراهن. قبل أيام قليلة أفاد وزير التخطيط بأن منشآت القطاع الخاص تستحوذ على 80% من الناتج المحلي الإجمالي، و58% من الاستثمارات الكلية إلى جانب توفير وظائف لـ83% من إجمالي المشتغلين في مصر.
يتفق حديث الوزير مع الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن مركز معلومات مجلس الوزراء، التي أظهرت نمو نصيب القطاع الخاص من الناتج المحلي الإجمالي في العشر سنوات الأخيرة من 71% في 2016 إلى 80% في 2025/2026.
على المستوى القطاعي تظهر الهيمنة أيضًا؛ تبعًا لبيانات البنك المركزي لسنة 2022/2023 (وهي آخر سنة محدثة في قاعدة بيانات البنك المعلنة)، حظي القطاع الخاص بـ99.8% من الناتج الزراعي، و77% من ناتج الصناعات التحويلية، و80% من الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، و99% من الأنشطة العقارية، و97% من السياحة.
إذًا لا صحة للكلام عن تراجع وزن القطاع الخاص لصالح الدولة، إذ لا يزال الاقتصاد يستند إلى النشاط الخاص بصورة حاكمة.
قراءة مختلفة عن الصندوق
لا تعني تلك الأرقام أن الدولة شبه مترفعة عن التدخل في الاقتصاد، لكننا نحتاج لقراءة أكثر عمقًا لهذا الدور بعيدًا عن تصور المزاحمة الساذج الذي يروج له الصندوق.
الواقع أن الجهات التابعة للدولة، بجانب دورها الأساسي في تنظيم الاقتصاد، تسيطر من خلال نسبة الـ20% الباقية لها من الناتج على الأنشطة ذات الطابع الاستراتيجي، مثل الصناعات الاستخراجية وقناة السويس والتعليم والتأمينات الاجتماعية والمشروعات المملوكة والمدارة من أجهزة القوات المسلحة مع ما تبقى من شركات قطاع الأعمال العام التي لم تخصص أو تصفَّ بعد.
لا يخفى على أحد كذلك أن الدولة تسيطر على أصول بالغة الأهمية؛ خاصة الأراضي الصحراوية المخصصة للاستصلاح الزراعي أو التوسع العمراني أو التنمية الصناعية والسياحية، كما أن حضورها كبير في الجهاز المصرفي من خلال السيطرة على بعض أكبر المصارف من ناحية، وكون الحكومة أكبر مقترض من البنوك من ناحية أخرى.
نستخلص مما سبق أن القطاع الخاص يعمل في إطارٍ تحكمه تدخلات الدولة المتنوعة إلا أنه هو الذي يسيطر على الإنتاج والتشغيل بما لا يمكن تجاهله ولا حتى من مؤسسات الدولة.
يقودنا ذلك إلى سؤال: طالما أن البيانات الرسمية تشير إلى دور مهيمن للقطاع الخاص، هل ساعد ذلك على إطلاق طاقات النمو؟ الواقع أن معدلات النمو خلال العقد الأخير، الذي حضر فيه صندوق النقد بقوة داخل مصر، كانت باهتة للغاية.
إذا استبعدنا الفترات التي اتسمت بالأزمات الشديدة، مثل كورونا وأزمة الدولار، وركزنا على سنوات الاستقرار والازدهار، سنجد أننا لم نتمكن من تحقيق طفرة في النمو، بل لا نزال عاجزين عن الوصول لمعدلات النمو السابقة على الأزمة المالية العالمية.
رسم بياني من تصميم المنصة يشرح معدل النمو الاقتصادي في مصر خلال آخر 20 سنة
الوسط المفقود
عند الحديث عن هيمنة القطاع الخاص قد يتصور القارئ أننا نتكلم عن كبار رجال أو عائلات الأعمال مثل ساويرس أو منصور أو السويدي، لكن الإحصاءات تفيد بأن الغالب الكاسح مما نعتبره قطاعًا خاصًا منشآت ومشروعات متناهية الصغر، وهو المدخل الذي سيساعدنا على فهم لماذا لا ننمو؛ لأن الطرف المسيطر لا تتوفر لديه إمكانات النمو.
يشير آخر تعداد اقتصادي عن سنة 2025 إلى أن لدينا 3.9 مليون منشأة اقتصادية، أغلبها تتبع للقطاع الخاص، ونصفها تقريبًا يتبع القطاع غير الرسمي (أي غير المسجلة قانونيًّا) وهي ذات إسهام ضعيف للغاية، سواء في التشغيل أو الناتج لتدني إنتاجيتها وضآلة حجمها، وضعف -إن لم يكن انعدام- فرص تحقيقها للنمو.
أما القطاع الخاص "الرسمي"، فيغلب عليه الشركات محدودة الحجم، فـ استنادًا لتقرير سابق عن البنك المركزي المصري مثلت المنشآت متناهية الصغر 81% من الشركات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، وهو ما رصدته دراسات عدة من قبل بشأن معضلة الوسط المفقود في مصر؛ أي غياب الشركات القوية القادرة على توظيف كل هذه الطاقات الإنتاجية وقيادتها صوب مسار يدفع لمعدلات نمو أكثر ارتفاعًا واستدامة.
يعني هذا كله أن المشكلة لم تكن أبدًا في حجم القطاع الخاص أو إسهامه في الإنتاج أو التشغيل بقدر ما هي في قدرته على الإسهام في تحقيق النمو والتنمية من خلال رفع القيمة المضافة، وفتح الباب أمام ترقية ما ينتجه الاقتصاد المصري بما يمكّن من تلبية الاحتياجات المحلية والمنافسة مع المستورد وربما التوجه نحو التصدير؛ فقطاع خاص مكون من منشآت متناهية الصغر لا تنمو لتصبح صغيرةً أو متوسطةً بالشكل الكافي لا تعد بالكثير من فرص التنمية للاقتصاد ككل.
المشكلات التي لم يحلها الصندوق
ينقلنا هذا إلى مشكلات القطاع الخاص في السنوات العشر الماضية، وهي لا تختلف في الكيف عن العقود التي سبقتها بل في الكم فحسب، ويعود ضعف الإنتاجية لدى القاعدة الأكبر من منشآت القطاع الخاص بالأساس إلى ضعف الاستثمار، الذي يقيسه الاقتصاديون بما يُسمى إجمالي التكوين الرأسمالي في الاقتصاد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
بالنظر إلى الحالة المصرية نجد أن نسبة التكوين الرأسمالي الإجمالي لم تتجاوز أبدًا المستوى الذي بلغته في 2008 (22% من الناتج) فيما كان متوسط المعدل في العشر سنوات الماضية (2016-2026) 17.4% علمًا بأنه انخفض بشكل مطرد من 20% في 2022 إلى 13% في 2025، وهي النسبة الأقل في تاريخ مصر المعاصر منذ 1973.
مما يزيد الصورة سوءًا أن معدل الاستثمار ظل منخفضًا عن نظيره بين الشرائح الأدنى من الدول متوسطة الدخل، وهي فئة الدخل التي تنتمي إليها مصر، ففي العشر سنوات الماضية نجد أن متوسط النسبة لدى هذه الدول كان 29% في مقابل 17.4% لمصر أي ما يقارب الضعف!.
يشتمل مفهوم التكوين الرأسمالي على إسهامات القطاعين العام والخاص في الاستثمار، فأين القطاع الخاص المصري من هذا؟
بالنظر إلى بيانات البنك الدولي نجد أن الانخفاض الشديد في معدل التكوين الرأسمالي الإجمالي يمكن إرجاعه بسهولة وبوضوح إلى الوضع السيئ للقطاع الخاص، الذي انخفض معدله للاستثمار كنسبة من الناتج الإجمالي من 14% في 2008 إلى النصف تمامًا (7%) في 2025، وعلى الرغم من الزيادة الملموسة في الاستثمارات الحكومية، خاصة في البنية الأساسية من كبارٍ وطرق ومطارات ومرافق، فإن هذه الزيادة لم تكف لتعويض التراجع في نصيب القطاع الخاص، وهي مؤشرات سلبية لمستقبل الاقتصاد بالنظر إلى أن استثمارات القطاع الخاص هي الأقدر على النمو والتشغيل مقارنة باستثمارات البنية الأساسية.
لا يبدو أن قضية القطاع الخاص في مصر تدور حول حجمه أو دوره. بدون مبالغة، القطاع الخاص هو الاقتصاد الإنتاجي في مصر، ولن تحل مؤسسات الدولة محله -وإن حاولت- لكن هذا القطاع الخاص بتنويعاته الكثيرة، خاصة قاعدته العريضة من المنشآت متناهية الصغر والصغيرة، يعمل في إطار تحكمه مؤسسات الدولة، وفرص نفاذه إلى التمويل أو الأراضي أو العمالة الماهرة وغيرها من العوامل ترتهن بقدرة ورغبة الدولة في رفع إنتاجيته حتى تتحقق التنمية من خلال عمله.
إلى الآن لا يبدو أن الدولة قادرة على التنسيق مع منشآت القطاع الخاص؛ اللهم إلا الكبير منها في قطاعات محددة بعينها، أما غير هذا فالاقتصاد متروك لقطاع خاص كبير في العدد، صغير في الحجم ومستوى الإنتاجية، فلا هو يعد بتحقيق الكثير من الإنجاز، ولا سبيل لتجاهله أو الالتفاف حوله.
وهذه هي المعضلة.