احتجاجات فرنسا.. الصورة وجذور الأزمة
بينما تتسع دائرة الاحتجاجات الاجتماعية في فرنسا، تضيق التصنيفات المستخدمة لتفسيرها. فالمحتجون، وفق الصور التي تتكرر في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية، إما شباب الضواحي من أصول مهاجرة، أو مسلمون غاضبون، أو مجموعات متطرفة تسعى للصدام مع الشرطة، أو مجرد أدوات في المنافسة بين أحزاب أقصى اليمين وأقصى اليسار، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027. وفي كل مرة تطغى فيها التساؤلات بشأن هوية المحتجين وانتماءاتهم، يتوارى السؤال الأهم: لماذا يغضبون؟
لا تقتصر الاحتجاجات على فرنسا. ففي إسبانيا تتصدر أزمة السكن وارتفاع الإيجارات والمضاربات العقارية المشهد الاحتجاجي، بينما تتداخل التحركات في إيطاليا مع الخلافات بشأن السياسات الاقتصادية والخارجية للحكومة، وفي ألبانيا تبرز قضايا الفساد وتكاليف التعليم. ورغم اختلاف السياقات، تثير هذه التحركات سؤالًا مشتركًا بشأن اتساع القلق الاجتماعي وتراجع الثقة في المستقبل. غير أن الحالة الفرنسية تبدو أكثر كشفًا للتناقض بين تنوع المظالم وضيق الصور التي تُقدَّم بها الاحتجاجات.
الصراع على الصورة
برز غضب طلاب المدارس الثانوية في التحركات الأخيرة، احتجاجًا على تدهور المرافق التعليمية ونقص المدرسين، قبل أن تتسع التعبئة في أوساط الجامعات التي تعاني ضغوطًا مالية متزايدة. وتطرح الرسوم الأعلى المفروضة على فئات من الطلاب الأجانب، إلى جانب صعود خطاب التفضيل الوطني، أسئلة تتعلق بالمساواة في فرص التعليم.
وتأتي هذه التحركات في سياق احتجاجي شهدته فرنسا خلال السنوات الماضية، من حركة السترات الصفراء إلى التعبئة النقابية ضد إصلاح نظام التقاعد. وهي حركات مختلفة في مطالبها وقواعدها الاجتماعية، لكنها تكشف استمرار الصراع حول مستوى المعيشة والخدمات العامة والمكتسبات الاجتماعية.
مع ذلك، كثيرًا ما تتصدر صور النهب والسرقة وتحطيم واجهات المحال التجارية المشهد الإعلامي. وهي أفعال قد ترافق لحظات المواجهة، ولا يجوز إنكارها أو التقليل من آثارها على المتضررين. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى الصورة الممثلة للاحتجاج كله. عندئذ يتراجع النقاش حول أسباب الغضب، ويحل محله انقسام بين مجتمع يخشى الفوضى وشباب يُقدَّمون باعتبارهم مصدرًا للتهديد. وبدلًا من مساءلة السياسات العامة، يصبح السؤال الأول هو قدرة الدولة على استعادة النظام.
لا يمكن فصل هذا الاختزال عن الصراع الدائر حول الإعلام الفرنسي نفسه. فقد أثار اتساع نفوذ الملياردير فينسان بولوريه، من خلال امتلاكه مؤسسات إعلامية وثقافية مؤثرة، جدلًا حول تركّز الملكية والتعددية الإعلامية وصعود الخطاب الذي يمنح قضايا الهجرة والهوية والأمن موقعًا مركزيًا. ولا يعني ذلك تبني جميع وسائل الإعلام خطابًا واحدًا، أو أن الحكومة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الإعلامية تتحرك بتنسيق مسبق. لكن تكرار الصور والتفسيرات نفسها في بعض هذه المجالات قد يمنحها قوة تتجاوز الوقائع التي تستند إليها.
لا يحتاج الإعلام لاختلاق الأحداث، يكفي أن يختار ما يدفعه للمقدمة وما يتركه في الخلفية، وأن يكرر صورة بعينها حتى تصبح مألوفة. وحين تتصدر صور العنف والنهب، وتتراجع مطالب التعليم والسكن والقوة الشرائية، يصبح من الأسهل النظر إلى الاحتجاج باعتباره مشكلة أمنية أو هوياتية، لا تعبيرًا عن أزمة اجتماعية. وهكذا لا يقتصر الصراع على الشارع، بل يمتد إلى تعريف ما يحدث فيه.
ولعل أكثر ما يكشف هشاشة هذه التصنيفات هو سخرية الشباب أنفسهم منها. فقد تداول طلاب فرنسيون عبارة "بسم الله، إنها الظلمات"، بعدما انتشرت رسالة على السوشيال ميديا اشتبه بعضهم في أنها محاولة تسلل إلى مجموعاتهم باستخدام تعبيرات عربية وفرنسية وأعلام جزائرية.
لم تثبت هوية صاحب الرسالة، لكن الشباب حوّلوا عبارته إلى شعارٍ ساخر، يفضح الصورة المسبقة التي تفترض أن المحتجين لا بد أن يكونوا مسلمين أو أبناء مهاجرين. فالسخرية هنا ليست مجرد دعابة، بل وسيلة لكشف عبثية التصنيفات وعنصريتها، وإعادة الصورة النمطية إلى من ينتجها.
جذور الأزمة
لكن ماذا نرى إذا تجاوزنا هذه الصور الجاهزة؟ نرى أولًا اتساع دائرة القلق من تدهور مستوى المعيشة. فلم تعد الضغوط على القوة الشرائية مقتصرة على الفئات الأكثر فقرًا، بل امتدت إلى قطاعات من الطبقات الوسطى وأسر تتمتع بدخل منتظم، لكنها تجد صعوبة متزايدة في تحمل تكاليف السكن والطاقة والغذاء والخدمات. وحتى عندما تتراجع معدلات التضخم، لا تعود الأسعار بالضرورة إلى مستوياتها السابقة. وهكذا يتسع الشعور بأن العمل لم يعد كافيًا لضمان مستوى المعيشة الذي اعتادت عليه الأسر.
وتبدو هذه الأزمة أكثر حدة لدى الشباب. فقد قام جزء أساسي من الوعد الاجتماعي للجمهورية الفرنسية على أن التعليم العام والعمل يتيحان تحسين الأوضاع الاجتماعية، وأن الأبناء يستطيعون تحقيق حياة أفضل من آبائهم. لكن الشهادة الجامعية لم تعد تضمن بالضرورة وظيفة مستقرة، ولا دخلًا يسمح بالحصول على سكن خاص وتأسيس أسرة. وبين من يخشى فقدان المستوى الذي بلغه، ومن يخشى عدم بلوغه أصلًا، تتسع دائرة انعدام الأمان الاجتماعي.
وتزداد المفارقة في مجتمع يتقدم في العمر، وتتصاعد فيه احتياجات تمويل التقاعد والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية، بينما يواجه قسم من الشباب صعوبة في بناء حياة مستقلة. وليس الأمر صراعًا محتومًا بين الأجيال، بل تساؤلًا حول مستقبل التضامن بينها. كيف يمكن الحفاظ على الثقة في نظام اجتماعي إذا كان الشباب يخشون ألا يتمتعوا بالضمانات نفسها التي حازتها الأجيال السابقة؟
وتكشف الاحتجاجات كذلك عن توتر متزايد في علاقة بعض الشباب بمؤسسات الدولة، خصوصًا مع تكرار الجدل حول عنف الشرطة أثناء المواجهات. ولا تتساوى تجارب الشباب مع الأجهزة الأمنية، كما لا يمكن تجاهل التمييز الذي تتعرض له بعض الفئات. لكن الاعتراض على العنف الشرطي يتجاوز بدوره الحدود الهوياتية التي يُراد أحيانًا حصره فيها، ويعيد طرح السؤال عن كيفية تعامل الدولة مع الغضب الاجتماعي.
وهنا تتجلى المفارقة الفرنسية. فما زالت فرنسا تمتلك منظومة واسعة من الحماية الاجتماعية والخدمات العامة والحقوق المكتسبة، لكن استمرار هذه المؤسسات لا يمنع تراجع الثقة في قدرتها على ضمان مستقبل أفضل. كما أن وجود دولة رفاه قوية نسبيًا لا يلغي التفاوت في الاستفادة منها، ولا يحول دون تآكل الإحساس بالأمان لدى قطاعات متزايدة من المجتمع.
ليست الاحتجاجات الفرنسية حركة واحدة، ولا يحمل جميع المشاركين فيها المطالب نفسها. لكنها تكشف، كل بطريقتها، عن أزمة تتجاوز الخوف التقليدي من الفقر إلى الخوف من العجز عن الخروج منه، أو فقدان مستوى المعيشة الذي تحقق، أو أن يعيش الأبناء حياة أصعب من حياة آبائهم.
ولعل المفارقة الأعمق أن الصور الجاهزة التي يُراد بها تفسير الغضب الاجتماعي قد أصبحت جزءًا من المشكلة نفسها. فحين يُختزل المحتجون في هوياتهم المفترضة أو في مشاهد العنف والنهب، تتراجع القدرة على رؤية المشترك بين مظالمهم المتنوعة.
ولذلك، فإن السؤال البارز في الاحتجاجات الفرنسية ليس فقط من يحتج، بل لماذا تتسع دائرة الذين لم يعودوا يثقون في المستقبل، ولماذا تبدو المؤسسات التي يفترض أن تصغي إليهم أكثر استعدادًا لتصنيفهم أو تنميطهم، بل ووصمهم بدلًا من فهم أسباب غضبهم؟
مقالات الرأي تعكس آراء وتوجهات كتابها، وليس بالضرورة رأي المنصة.