خاص لـ المنصة
الزميلة لينا عطا الله رئيسة تحرير موقع مدى مصر في جلسة محاكمتها بتهمة إدارة موقع بدون ترخيص في محكمة القاهرة الجديدة، 27 أكتوبر 2026.

في أول أيام محاكمة مدى.. صدمات تفوق التوقعات

منشور الثلاثاء 3 تشرين الثاني/نوفمبر 2026

أتمَّ عددٌ من الضباط ذوي الرتب الرفيعة اصطفافهم غير الاعتيادي أمام محكمة القاهرة الجديدة وفي محيطها، يراقبون العابرين والمارّة وأمناء وأفراد الشرطة وهم يراجعون على البوابة هويّات الراغبين في الدخول، مستكملين الطوق الأمني المفروض بصرامة. على الجانب الآخر من الشارع وقفت الزميلة لينا عطا الله وسط فريق دفاعها ومجموعة من المتضامنين، متأهبةً لأولى جلسات محاكمتها بتهمة إدارة موقع مدى مصر بدون ترخيص، وقد بدا الجوُّ هادئًا، في البداية.

تزداد وتيرة توافد المتضامنين مع اقتراب التاسعة صباحًا، دبلوماسيون أوروبيون حضروا مبكرًا؛ بينهم ممثلون عن دول الاتحاد الأوروبي وسويسرا وبريطانيا وكندا. انضم إليهم صحفيون بينهم زملاء عملوا سابقًا في مدى أو ساهموا بالكتابة على صفحاته، ووفد من المنصة، وزميلات وزملاء آخرون جاءوا لإظهار الدعم، وممثلون لعدة منظمات حقوقية وبعض الشخصيات العامة. 

تقع محكمة القاهرة الابتدائية، حيث ستمثُل لينا للمحاكمة بعد قليل، في شارع طرح البحر وسط التجمع الخامس. إلى جوارها مجمع نيابات القاهرة الجديدة. ومقابلها، خلف الرصيف الذي اتسَّع للينا والمتضامنين، قطعة أرضٍ أشبه بخرابة؛ رمال وحجارة ومهملات متناثرة هنا وهناك، وقطيعُ كلاب ضالة يقطع نباحها بين حينٍ وآخر الأسئلة المُوجّهة للمحامين، التي تكشف توترًا يغلف أجواء الهدوء.

يتوقع المحامون أن ينتهي كل شيء في غضون ساعة؛ الجلسة "في أول الرول"، وهي الأولى لنظر القضية؛ أي أنها ستكون إجرائية في الغالب يطلب خلالها الدفاع أجلًا للاطلاع على أوراق الدعوى، ليتاح لهم معرفة حيثيات الاتهام وتحضير دفاعهم؛ خاصةً مع عدم تمكينهم من الاطلاع على هذه الملفات قبل إحالة لينا العاجلة إلى المحاكمة بعد ثمانية أيامٍ من استدعائها أمام نيابة أمن الدولة العليا للمرة الأولى، وخمسة أيام من جلسة التحقيق الوحيدة التي جرت معها.

عرضٌ لا يمكن رفضه

ثم جاءت العاشرة؛ دخلت لينا برفقة فريق دفاعها إلى المحكمة بعد أن ودَّعت المتضامنين والأصدقاء، واتجه الصحفيون نحو الحواجز الحديدية المرصوصة أمام البوابة، للدخول وتغطية الجلسة، ومثلهم فعل المتضامنون، الذين اعتقدوا أن الدستور المصري الذي يضمن علانية المحاكمات يسري في التجمع الخامس.

لكنَّ دخول المحكمة كان ممنوعًا. انتحى ضابط مباحث بملابس مدنية بالصحفيين النقابيين جانبًا، وصوّر كارنيهاتهم وقال إنه سيُرسلها إلى رئيس المحكمة لأخذ إذنه. أما بقية المتضامنين؛ فأخبرهم عميدٌ من قوة التأمين أنه تلقّى تعليمات من رئيس المحكمة بعدم السماح بدخول أحد عدا لينا وفريق دفاعها، وطلب منهم بحسم مهذب أن "يقفوا في الضل"، ليتنحوا بعيدًا عن البوابة، مُصرًّا على حقه في منع "اللي ملوش حاجة جوه" من الدخول. 

لم تفلح جميع محاولات إقناعه -وهو يطلب مُتحديًا تذكيره بالقانون الذي يسمح لأي مواطن بدخول أي محكمةٍ أو منشأةٍ عامةٍ في البلاد- بأنَّ علانية المحاكمات التي يُقرّها الدستور المصري تعني تمكين المواطنين من دخول المحاكم. وسرعان ما أنهى النقاش بعرضٍ لا يُمكن رفضه؛ أن ينتظروا في مقهى مقابل المحكمة بعد نهاية الخرابة، إلى أن تنتهي الجلسة.

ولما فشل المتضامنون في دخول المحكمة كمواطنين، توجه بعضهم إلى المقهى؛ بينما حاول صحفيون ومتضامنون حضروا متأخرًا دخول المحكمة بحجج مختلفة، ونجح بعضهم بالفعل. أما الصحفيون الذين سلّموا كارنيهاتهم لضابط المباحث، فكانوا ينتظرون ردَّ رئيس الجلسة.

ثم وصلت الزميلة إيمان عوف، عضوة مجلس نقابة الصحفيين ورئيسة لجنة الحريات، لحضور المحاكمة ممثلةً عن النقابة، فمنعوها. أصرت على الدخول لكن بلا جدوى، لتنضمّ إلى زملائها في وضعية الانتظار.

أعطى المتضامنون ظهرهم للخرابة وجلسوا صفًا طويلًا على الرصيف مقابل المحكمة يتبادلون زجاجات الماء والسجائر والتوقعات بشأن موقف القاضي. كلمات قليلة متفائلة لمعالجة القلق الجاثم على الصدور. 

"داخل أشوف الرول"

ولأن واجبنا المهني والصحفي، يحتم علينا ألا نكتفي بالتضامن مع الزملاء والاصطفاف إلى جانبهم، بل يقضي بأن نؤدي دورنا في النقل والتغطية والمتابعة مهما ضاق الحصار وزاد المنع، فخلال هذه المناوشات، نجح أحد صحفيي المنصة في التسلل إلى المحكمة رغم الطوق الأمني وتحت أعينه. "رايح فين يا أستاذ؟"، أخرج كارنيهًا قديمًا وقال "داخل أشوف الرول". لم يتمعّن فرد الأمن في الكارنيه.

داخل القاعة جلست لينا هادئةً وبيدها مذكرة نقابة الصحفيين وكتابًا تقرأ فيه، بجوارها المدير العام للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت والكاتب الصحفي والسياسي خالد داود، وبعض المحامين والمتضامنين ممن استطاعوا بطريقة أو بأخرى النفاذ للقاعة. تبتسم لينا فتمنحُ ابتسامتها شعورًا بأن كل شيء سيكون على ما يرام، لتنتقل طاقة التضامن معكوسة. 

في الأثناء، أعلن الحاجب بصوته العالي وهو يصيح "محكمة" بدء الجلسة. صمت الجميع، ودخل القاضي بوشاحه الأحمر، وحضر وكيل النيابة العامة. بدأت الجلسة التي توقّع المحامون حسن الأزهري ونبيه الجنادي وماهينور المصري ومحمد الباقر قبل أن تبدأ أن يمنح القاضي دفاع لينا أجلًا بضعة أيام للاطلاع. 

جاءت الصاعقة الأولى قرب انتصاف النهار؛ رفض رئيس المحكمة المستشار محمد مبارك طلب الدفاع التأجيل أسبوعًا للاطلاع على أوراق القضية وإعداد المرافعة، مكتفيًا بمنحهم مهلة ساعتين، حتى نهاية الجلسة الأولى، رأى أنها كافية لقراءة الأوراق وإعداد الدفاع، لأن المعروض أمامه "قضية بسيطة" تتعلق بإدارة موقع بدون ترخيص ولا تستدعي التأجيل. لكن فريق الدفاع أصرَّ على طلباته. 

مضى القاضي ينظر الدعاوى المعروضة عليه في الرول ثم رفع الجلسة، ودخل ووكيل النيابة إلى غرفة المداولة. بعد قليل، خرج الحاجب وأمر الجميع بالخروج من القاعة باستثناء لينا ودفاعها. ساد الصمت من الداخل بضع دقائق حتى تناهت إلى الأسماع في الخارج أصوات المحامين في هتاف: باطل.. باطل.. باطل. ثم فُتح الباب، وخرج الجميع، إلا لينا.

أين لينا؟ قال المحامون إن القاضي انتدب محاميًا لا تعرفه، ولم يوثق رفضها لهذا المحامي الذي لم يقدم طلبًا أو ينطق بكلمة، ثم وقع أقصى عقوبة "3 مليون غرامة وغلق الموقع، والتحفظ على لينا لحد دفع الغرامة". حكى حسام بهجت كيف هجم الأمن على لينا "وشالوها من على الأرض شيل"، ولم تغب علامات الصدمة عن وجهه طوال اليوم.

غزوة الـ ATM

في الخارج كان المحامي حسن الأزهري يبلغ المتضامنين بقرار المحكمة مضيفًا للصحفيين "سنستأنف على القرار بالتأكيد"، و"هو قرار وليس حكمًا"، و"سنحاول التفاوض على تقسيط الغرامة"، و"نعم القرار يعني إغلاق الموقع وجوبًا". دخل المحامون ثانيةً لمحاولة التفاوض على تقسيط الغرامة.

عاد الجميع لجلستهم على رصيف الخرابة في محاولة لاستيعاب ما يحدث، ليعود المحامون بعد قليل بأنباء عن الموافقة على تقسيط الغرامة "هندفع مليون دلوقتي والباقي كمان يومين". "لأ مليون ونص". عرض فريق الدفاع تحرير شيك بالمبلغ لكن المحكمة رفضت وطلبت المبلغ "كاش أو فيزا"، لتبدأ محاولات جمعه. يوفر أحد الداعمين الميسورين الجزء الأكبر من القسط الأول، وتُجمع البقية بتبرعات الموجودين "الكارت دا فيه 35 ألف"، "ممكن تسحب من هنا عشرين". 

جُمع القسط الأول، لكنّ المحامين عادوا بخبر جديد: يصرون على دفع المبلغ كاملًا، علينا تدبير المتبقي. يسرع الواقفون إلى ماكينات السحب المجاورة في مول سفن ستارز القريب، ويأتي المتضامنون بما تيسر لهم من مبالغ تمكنوا من سحبها أو جمعها. يتردد السؤال "وصلنا لكام؟". بعض الماكينات لا تسحب وأخرى تعطلت. "فاضل 100 ألف"، تقول إحداهن. وتسأل أخرى "إنتي سحبتي كام؟ عشرين؟ وإنت؟ عشرة؟". ترد على مكالمة وتعود لتضيف "فلان وصل ومعه عشرين"، و"قالي إن فلانة على وصول". يزداد التوتر مع مخاوف إغلاق الخزنة فالساعة اقتربت من الرابعة، حتى جاءت البشارة: اكتمل المبلغ ويعدّونه الآن. 

مرت الساعات ثقيلة وبدأت جموع المتضامنين والصحفيين في المغادرة عند السابعة تقريبًا بعد أن تيقنوا من أن الإفراج عن لينا مسألة وقت، وعاد من بقي من المتضامنين إلى المقهى مقابل المحكمة، بدلًا من الرصيف المحاذي للخرابة. 

بعد قليل، طلب ضابط من دفاع لينا أن يحضر اثنان ممن يعرفونها شخصيًّا بسيارة إلى البوابة لاصطحابها، وحدهما، وإلا سيجري ترحيلها إلى قسم الشرطة ليفرج عنها من هناك. 

 كانت الضوء خافتًا مع غياب الشمس وتعطل بعض أعمدة الإنارة أمام المحكمة. لكن مع ذلك، تمكنا من رؤية لينا وهي تستقل السيارة أمام باب المحكمة، ثم وهي تلوّح لمن بقي من المتضامنين، وانطلقت السيارة في المدى. 

لاحقًا، عرفنا أنها فوجئت أثناء إنهاء الإجراءات بوجود حكم غيابي بحبسها سنة في قضية سابقة، وهو ما قدمت معارضة عليه. لينتهي يوم طويل جدًا وصادم جدًا، بتحول درامي جديد.