120 سنة أهلي.. ما معنى "جمهوره ده حماه"؟
أسابيع قليلة تفصلنا عن بداية العام 2027، حين يكتمل للنادي الأهلي 20 سنة إضافية على الـ100 الأولى منذ تأسيسه في عام 1907، وأرجو أن يعد النادي لإتمام هذه المدة الهائلة عدته، والأهم أنني أتمنى أن يرتكز الاحتفال على أمور توضح هوية النادي الفعلية بعيدًا عن الشعارات التي لا معنى لها.
لا نتحدث عن البطولات والألقاب والملعب عمومًا، فالأندية تكسب وتخسر، وهناك من يحقق ألقابًا كثرت أو قلت، مرات الفوز في المنافسات الرياضية -كروية كانت أو في أي لعبة أخرى- لا تشكل هوية، وإن كان يجوز أن تكون مناطًا للفخر مع احترام المنافسين، أما الهوية فهي أمرٌ مختلف تمامًا.
نادي الشعب
عادة ما تقدم إدارات النادي المتعاقبة خطابًا شعبويًا يردد تعبيرات مثل "نادي المبادئ" و"الوطنية" وما إلى ذلك، وكأن هذا ما يميز المؤسسة التي تعد من بين الأبرز في البلاد كمؤسسة في العموم، وكأن الأندية الأخرى تخلو من المبادئ وبعيدة عن الوطنية أو أقل شأنًا، وهو أمر غير صحيح على الإطلاق (على الأقل من وجهة نظرنا عبر متابعتنا للتاريخ) فالأندية جميعًا تشترك في هذا، أما ما يميز الأهلي في تقديرنا فهو قاعدته الجماهيرية، الجمهور الذي يهتف دومًا بأنه "حماه".
منذ تأسيس النادي، وهناك تركيبة فريدة تتسم أول ما تتسم بالوضوح، فهناك العضوية، وهناك المشجعون، وكلاهما يكمل الآخر بما يليق باسم "الأهلي"، ومن نافلة القول أن كلمة "الأهلي" في بدايات القرن العشرين كانت تعني "الوطني" فهناك البنك الأهلي، والجامعة الأهلية، كما تحمل المفردة في طياتها مفهوم "غير الحكومي"، ومنه العمل الأهلي وهو التعبير المستخدم حتى يومنا هذا، فالمعنى التام "وطني غير حكومي".
طوال الوقت تجتذب عضوية النادي طبقة "الأفندية"، التي ورثتها الطبقة المتوسطة العليا، فهو ليس نادي رجال الأعمال ولا ذوي السلطة، بل النخبة المتعلمة تعليمًا عاليًا (ولا نقصد المثقفين) فيما يقف خلف هذه العضوية جحافل من البسطاء يشكلون قاعدة النادي وظهيره الشعبي في المنافسات الرياضية والأحداث غير الرياضية وعادة ما ينخرطون في عمل عام، وهو ما وضح خلال 25 يناير 2011 وما تلاها من أيام مجيدة في حياة هذا البلد المسكين.
أذكر أنني التقيت ذات مرة بمانويل جوزيه المدير الفني التاريخي لفريق كرة القدم بالنادي، وسألته: هل تدري أن هناك عشرات الملايين في مصر يحبونك حبًا جمًا، فأجاب: ما أدريه هو أن هؤلاء الملايين مستعدون للمبيت سعداء دون عشاء لأن الأهلي حقق الفوز في منافسة ما.
كُرة وسياسة
بعيدًا عن الوقائع العاطفية والمؤثرة، يمكننا رصد الكثير والكثير من الأحداث التي شكلت هوية هذا النادي بعيدًا عن الملعب، بداية من تأسيسه نفسه، الذي جرى عبر اكتتاب شعبي (أهلي). وجمع المواطنون ما يزيد على 60% من تكاليف الإنشاء. وفي حدود علمي ليس هناك نادٍ آخر جرى تأسيسه في مصر عبر هذا التكاتف الشعبي واسع النطاق.
ترجع الاستجابة لنداء التأسيس كونه أول نادٍ يفتح أبوابه للمصريين دون شروطٍ أو قيود أو توصيفات اجتماعية، وكانت النواة من طلبة المدارس العليا (الجامعات فيما بعد) وهم من صاروا قادة البلاد وحملوا على عاتقهم أدوارًا اجتماعية شديدة الأهمية، حتى إن أول بطولة جرى تنظيمها في مصر كانت برعاية النادي الأهلي، وهي كأس حشمت التي تحدثنا عنها سابقًا.
محطة أخرى مهمة، حين قرر الملك فاروق منح الآنسة أم كلثوم وسام الكمال، كأول امرأة تحصل عليه من خارج العائلة الملكية، اختار النادي الأهلي ليشهد تلك المناسبة، وهو اختيار لم يأت عشوائيًا أو اعتباطًا، فهو إجراء رسمي ملكي لم يكن يصح أن يكون في القصر الملكي، فكان اختيار المكان تعبيرًا رمزيًا عن طبيعته، فكان الحفل الشهير في 17 سبتمبر/أيلول 1944، وهو الحدث الذي كان له تبعات مدوية، لكن ما يهمنا الآن هو الصورة الذهنية لهذا النادي باعتباره مكانًا للنخبة المدعومة بالجماهير.
من الأحداث الدالة كذلك ما حدث في العام 1956، عندما قرر النادي فتح باب التطوع فيما اعتبر "مقاومة شعبية"، فتح باب التطوع في حد ذاته قد لا يكون ذا دلالة، لكن ما حدث أن النادي كان سباقًا في هذا حتى إنه فتح الباب قبل أن يأتي العدوان الثلاثي نفسه بمجرد أن لاحت في الأفق نذر التناوش مع تأميم قناة السويس.
ذكرى للمستقبل
ربما كان مفيدًا أن نتذكر أواخر العام 1971، حين كان الرئيس الراحل أنور السادات يستقبل ضيوفًا رسميين في أحد فنادق وسط البلد، وعند انتهاء المقابلة، وحان موعد عودة الرئيس إلى بيته فوجئ بحالة طوارئ أمنية، وتغيير مسار العودة، فيما بدا أن حدثًا جللًا يحدث، فاستدعى الرئيس السادات ممدوح سالم وزير الداخلية آنذاك، وسأله عما يحدث، فأخبره أن البلاستيك هزم الأهلي بهدف للاعب حموكشة (إبراهيم عبد ربه) فاضطرت الوزارة لإعلان حالة الطوارئ في منطقة وسط البلد تحسبًا لرد فعل الجماهير.
الرئيس عقّب وقتها قائلًا: يعني رئيس الجمهورية ما يعرفش يروح بيتهم علشان حموكشة جاب جون؟ لكنه أدرك حينها قوة الظهير الجماهيري لهذا النادي الفريد.
حكايات تطول وتطول، حتى إن هناك من يردد أن كثرة فوز الأهلي بالبطولات تعود لـ"مجاملات" من أنظمة الحكم المتعاقبة خشية غضب جماهير القلعة الحمراء، وهو ادعاء لا مجال لمناقشته هنا، فلسنا في معرض الدفاع أو الهجوم، أو حتى حراسة المرمى، فقط نود أن نشير إلى دلالة ذلك كله.
بناءً عليه، ليت إدارة الأهلي الحالية تعلن العام الجديد هو عام جمهور الأهلي، ليس النادي ولا إدارته ولا جمعيته العمومية، الجمهور، تلك القاعدة التي كثيرًا ما أتاحت لرئيس النادي (أيًا كان اسمه وفترته) أن يتحدث ويتصرف لا بوصفه رئيس نادٍ بل بما يليق برئيس جمهورية.