دميانة نصار مع جاراتها يحتفلن بالجائزة. - الصورة بإذن خاص للمنصة

حوار مع دميانة نصار بعد النجاح في مهرجان كان "اللي بيقولوا عليه"

منشور السبت 17 يوليو 2021

 

عشت، لحسن حظي، بعض محطات رحلة المخرج عمر الزهيري التي بدأت في عام 2015 لإنتاج فيلمه الجديد، حيث يتحول رب أسرة إلى دجاجة بسبب خطأ ساحر، لنخوض مع زوجته تفاصيل رحلتها إلى العالم الخارجي في سياق يتناول الظواهر الاجتماعية والاقتصادية ومشاكل المرأة المعيلة بنقد هزلي ساخر.

وفي 2018، كان عمر يبحث عن بطلة المشروع الذي اختار له اسم ريش وفي ذهنه صورة لسيدة لم يسبق لها التمثيل من قبل، قريبة من الشخصية التي رسمها السيناريو؛ امرأة تنتمي إلى قرية من قرى محافظة المنيا بصعيد مصر. وبمناسبة ذلك، تعرف على فرقة "بانوراما برشا" المسرحية، وهي فرقة مسرح شارع من محافظة المنيا.

قام بزيارة قرية البرشا أكثر من مرة للبحث عنها، جال قرى المحافظة دون كلل أو ملل، لكنه لم يقتنع بأي منهن، حتى وقعت عيناه على دميانة نصار، أو "أم ماريو"، في إحدى المقابلات للمرشحات، بمقر فرقة "بانوراما برشا"، التي نظمتها مديرة الفرقة يوستينا سمير. وكما أرشميدس، صرخ صوت داخله بمجرد رؤيتها "وجدتها".

سيدة نحيفة ذات وجه هادئ وملامح منحوتة، ترتدي "جلابية بيت" ملونة بسيطة، وتضع فوق رأسها "إيشارب" صغيرًا، تدخل وفي ذيلها ابنتها الصغيرة ناتالي. الجميع هنا ينادونها "أم هايدي"، وهايدي هي ابنتها الكبرى، ذات التسعة عشر عاما، والممثلة بفرقة "بانوراما"، وهي التي أخبرت والدتها بأن هناك من يبحث عن ممثلة في سنها، فحضرت مثل عشرات النساء في قريتها.

 تقول للمنصة "أول ما عرفت أن الأستاذ عمر اختارني اترجفت (ارتعشت) من الخوف، انبسطت بس كنت خايفة وعايلة (أحمل) هم الدنيا كلها، أنا اللي ما طلعتش من البيت ها اعمل ده كله. بس الأستاذ عمر بصراحة طمني وعلمني. وكان أما يصبر عليا لغاية لما أحفظ علشان أنا مش متعلمة. بس أنا برضه كنت شاطرة ومش بعيد في التصوير كتير".

 

 لا تعرف "أم ماريو"، لماذا اختارها عمر بالذات لتمثل الدور في الفيلم، لكنها شعرت أنه يبحث عن "واحدة غلبانة زيي".

أثناء تصوير دورها الذي استغرق ثلاثة أشهر في أحد المصانع المهجورة بحلوان، ستعرف دميانة أن بطلة الفيلم تشبهها في الكثير من المآسي والظروف الصعبة. وهو ما استغربته وأحبته وجعل الأمر يسيرا عليها بدرجة ما، فالبطلة ليست غريبة عنها "ست غلبانة وفقيرة اتعرضت للظلم زيي، وحظ جوزها وظروفه وحشة في الشغل زي جوزي، وجوزها غاب في ليبيا ست سنين، وكذلك جوزي وماكناش نعرف عنه حاجة، وطلعت عليه إشاعات أنه اتجوز عليا هناك. أو أنه بعيد الشر توفي. هي اتهموها بالسرقة وده برضه حصل معايا، لدرجة أني حسيت أن الفيلم قصة حياتي، وكنت بقول للأستاذ عمر كده".

ولكن تضحك "أم ماريو" عندما تتذكر أن الزوج في الفيلم قد أصبح دجاجة لتستدرك "دي حاجة الوحيدة اللي مش حقيقية في الفيلم، مسألة تحول زوجها، لكن كل المشاكل اللي بيحكي عنها موجودة".

تدور أحداث ريش عن زوجة تعيش في كنف زوجها ومعهما أولادهما، لا تخرج من شقتها الصغيرة ولا تعرف ما يدور خارجها، حتى تتغير حياتها إثر حادث مفاجئ، فعندما أحضر الزوج ساحرًا في عيد ميلاد ابنه الصغير، يقع ضحية إحدى الحيل عندما يجرب عليه خدعة سحرية تحوله إلى دجاجة، يفشل بعدها الساحر في إعادته. 

 

الفنانان اللذان أديا دور الطفلين في الفيلم ينتميان كذلك إلى قرية البرشا، الأول فادي مينا فوزي وعمره ثماني سنوات، والثاني أبو سيفين نبيل ويصا ويبلغ عمره خمس سنوات.

هنا تبدأ الزوجة في الخروج للحياة وتمر بالكثير من الصعاب لتبطل السحر الذي وقع على زوجها، وتعيده إنسانًا من جديد. تستمر الأحداث في نقد ساخر وهزلي للعديد من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وأوضاع المرأة المعيلة. والفيلم إنتاج مصري فرنسي هولندي يوناني مشترك، وعرض مساء الثلاثاء الماضي، ضمن مسابقة أسبوع النقاد، بالدورة الرابعة والسبعين لمهرجان كان السينمائي، وحصد الجائزة الكبرى.

سمعت أم ماريو خبر فوز الفيلم بالجائزة من أولادها، وظلت سعيدة بذلك حتى لو لم تفهم ماذا يعني مهرجان كان "ده اللي بيقولوا عليه" على وجه الدقة ولكنها تتذكر أنها "كنت بصلي في البيت والكنيسة كل يوم علشان ربنا ما يضيعش مجهود الناس اللي شقيت، والعدرا نصرتنا".

تواصل دماينة "جوزي وعيالي شجعوني وكانوا فرحانين لي وبيفتخروا بأمهم، وتعبوا واستحملوا معايا، أنا كنت سايبة بيتي وعيالي هنا وماعرفش عايشين إزاي، وكنت خايفة، وبدل ما أطمن عليهم هما اللي كانوا بيتطمنوا عليا وشايلين همي لغاية ما خلصت ورجعت".

بعض جيران "أم ماريو" ساعدوها أيضا في رعاية أطفالها وبيتها في غيابها، مثل "خالتي سنية" التي"أطلقت الزغاريد بمجرد ما عرفت بالجائزة". لكن البعض الآخر كان "ناس باصة للموضوع على أنه فلوس وخلاص، وكل واحد ولا واحدة تقولي ادوكي كام. قليل، كتير، ده رزق عيالي وجه في ميعاده علشان ربنا دريان بظروفنا، علشان أعرف أجهز هايدي بنتي وأجيب للعيال كل اللي نفسهم فيه، خصوصا ماريو اللي بيزعل لما الناس تقولي يا أم هايدي".

يضحك ابنها ذو الخمسة عشر عاما، ويرد على أمه "لأ ما انتي من النهارده هايبقى اسمك الفنانة دميانة نصار وماحدش هايجيب سيرة هايدي تاني".

بالفعل تحلم دميانة أن تكمل مشوارها في التمثيل، وشعرت بالثقة في نفسها وفي ما يمكن أن تفعله، وتقول "نفسي أعمل دور ست فقيرة لكنها شديدة ومكافحة وربت أولادها وكبرتهم لوحدها".

 

الملصق الدعائي الرسمي لفيلم ريش

يقدم فيلم ريش بورتريهًا اجتماعيًا لوضع المرأة المصرية الممثلة في الأم المضطرة لمواجهة الواقع والحياة التي لا تعرف عنها شيئا، فهي تعتمد بصورة شبه كلية على زوجها الذي لم يعد موجودًا والذي كان يعطيها مصروف البيت يوميًا في حصالة معدنية يغلقها بمفتاح ويقرر حتى ما يجب أن تأكله الأسرة كل يوم.

هذه المرأة إذن تنطلق في الحياة الواقعية وليس بيدها ما تواجه به القسوة كل مكان. فلا أحد يقف بجانبها أو يقدم لها يد المساعدة، ومن يفعل ذلك لا يفعله إلا لاستغلالها جنسيًا مثل صديق الزوج الذي لم يتوانَ عن مطاردة الأم بعد بعد يأسه من موافقتها، مطالبًا بكل أمواله التي أنفقها على عائلة صديقه.  

كل ما جرى بعد كارثة تحول الأب إلى دجاجة يساعد المرأة الأم في الحصول على حريتها والتخلص من ربقة ضعفها وخنوعها للسلطة الذكورية المتمثلة في الأب الذي يظهر مجددا مشلولا فاقد النطق ليضيف عبئا جديدا على تلك المرأة المسكينة المضطرة لإعالته هو أيضا.

ونهاية نختم بمشهد البداية الذي يبدأ بظلام دامس وأصوات همهمات ليظهر بعدها رجل في باحة مصنع يسكب على جسده سائلا قابلا للاشتعال ليحترق بعدها حتى التفحم الكامل. يلخص هذا المشهد الأول معاناة بطلة الفيلم وربما رغبتها في التخلص من حياتها أملا في أن واقع لا يسحق الوجود الإنساني.