شركة مصر للألومونيوم.
- موقع الشركة الرسمي

خصخصة مصر للألومنيوم: بين الفائدة الأمريكية وأموال الخليج

منشور الاثنين 30 مايو 2022

الإعلان عن خصخصة حصة من شركة مصر للألومنيوم، الذي جاء على لسان وزير قطاع الأعمال أمس، لم يكن خبرًا عاديًا، ليس فقط لأنها إحدى أيقونات القطاع العام الشهيرة، أو لكونها توفر نحو ثلث احتياجات السوق المحلي من منتجاتها، ولكن أيضًا لأن صفقة البيع تأتي بعد سنوات عانت فيها الشركة من برنامج تحرير أسعار الكهرباء في مصر، وكانت تبحث عن حلول في مسارات مختلفة لمواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج.

وبحسب ما قاله مصدران للمنصة، فإن اللجوء لبيع حصة 25% إلى 30% من رأس مال الشركة لمستثمر استراتيجي يمثل حلًا لتمويل التحديثات المطلوبة للشركة، بعد أن تم استبعاد فكرة تمويلها عبر طريق القروض مع اتجاه أسعار الفائدة الأمريكية للارتفاع مجددًا.

وبينما يبدو خصخصة حصة من الشركة أمرًا محسومًا، فما الذي ستفعله مصر للألومنيوم بحصيلة تلك الخصخصة هو ما لا يزال واضحًا، فالشركة أمام سيناريوهين؛ إما تحديث منشآتها القائمة للحد من تكاليف الإنتاج، أو الدخول في توسعات ضخمة لزيادة طاقتها الإنتاجية.

تطوير مُلحّ

قبل عامين تعرضت مصر للألومنيوم لضغوط كبيرة بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة احتساب تسعيرة كهرباء حكومية بنحو 5 مليارات جنيه سنويًا بمتوسط نصف مليار جنيه شهريًا، في وقت تراجعت فيه أسعار معدن الألومنيوم الخام عالميًا، ما كبَّد الشركة خسائر كبيرة تزامنت مع أزمة كوفيد - 19.

تعتمد مصر للألومنيوم على الكهرباء كعنصر أساسي في الإنتاج وتبلغ نسبتها نحو 37% من تكلفة الإنتاج للشركة، إضافة لخام الأمونيا الذي تستورده من الخارج، ثم تصنعه وتحوله لمصنعات ألومنيوم مختلفة الأشكال يتم توريده كمادة أولية لمصانع الأواني المنزلية والألوميتال وغيرها في السوق المحلي أو التصدير.

ومع مطالبات بخفض تسعيرة الكهرباء، لضمان استمرار الشركة، استجابت وزارة الكهرباء لكن بهامش بسيط، وخفضت تسعيرة الكهرباء للشركة إلى حوالي 6.4 سنت بما يعادل جنيه للكيلو وات/ساعة، لكنها لا تزال مرتفعة مقارنة بالدول المجاورة.

وساهم تقادم الشركة في مفاقمة مشكلاتها، حيث تراجعت كفاءة خلايا المصنع القائم في مدينة نجع حمادي والمؤسس منذ عام 1976، مما تسبب في انخفاض الطاقة الإنتاجية وزيادة استهلاك الكهرباء.

 

من مصنع مصر للألومونيوم. الصورة: موقع الشركة الرسمي

 لذا فرغم الأرباح الاستثنائية التي حققتها الشركة نتيجة تعويم 2016، كونها تعتمد بشكل كبير على التصدير، فإن مشكلاتها الإنتاجية ساهمت مع ارتفاع أسعار الطاقة في إعادتها إلى الخسارة مرة أخرى في 2020، قبل أن تتعافى في العام التالي بفضل ارتفاع أسعار الخام عالميًا.

المشكلات الهيكلية في نظام إنتاج مصر للألومنيوم هي ما استدعت البحث عن خطة لزيادة الإنتاج، وفي هذا السياق اتجه التفكير إلى مشروع "الخط السابع"، وهو جوهر خطة التحديث التي لم يتم الاتفاق على تنفيذها حتى الآن.

الخط السابع أم المصنع الحالي؟

في عام 2020 تعاقدت شركة مصر للألومنيوم مع شركة بيكتل الأمريكية بصفتها استشارية، لدراسة إمكانية تطوير الشركة بإضافة خط إنتاج جديد (الخط السابع) وإحلال الخلايا الحالية للمصنع، وإدخال تكنولوجيا جديدة أقل استخدامًا للطاقة الكهربائية بنظام Side by Side، وذلك بطاقة إنتاجية 250 ألف طن.

وتقع شركة مصر للألومنيوم، في نجع حمادي بمحافظة قنا، على بعد 210 كيلومترات من ميناء سفاجا، وتتضمن مصنعًا ومدينة عمالية من أقدم مدن العمال في مصر، ومجتمعًا متكاملًا لعمال المجمّع، يتضمن مدارس ومستشفى وأنشطة اجتماعية، ويبلغ إجمالي أصول الشركة 11.5 مليار جنيه.

وتنتج الشركة حاليًا نحو 320 ألف طن، لكن تنفيذ المشروع الذي سيُعد بمثابة مصنع جديد على مساحة 80 فدانًا، سيصعد بإجمالي الطاقة الإنتاجية للشركة إلى 570 ألف طن سنويًا.

لكن بيكتل، قالت في أول تقرير للدراسة، إن المشروع لا يمكن تنفيذه مع تسعير الكهرباء الراهن في الشركة، ولكي يكون مجديًا اقتصاديًا فلا بد من رفع الطاقة الإنتاجيةالمستهدف إضافتها من المشروع إلى 500 ألف طن سنويًا، مع توصية بخفض أسعار الكهرباء.

ومع اختلاف وجهات النظر بين وزارتي الكهرباء، التي تحتفظ بحق بيع الكهرباء وتسعيرها، ووزارة قطاع الأعمال، فضّلت الوزارة أن تغض البصر عن مشروع التوسعات وتدعو بيكتل لدراسة تطوير المصنع القائم.

لكن بحسب ما قالته مصادر للمنصة، فإن وجود مستثمرين عرب مهتمين بالشركات المصرية، دفع وزارة قطاع الأعمال للتفكير مجددًا في المشروع الأكثر طموحًا "الخط السابع".

وبحسب ما ذكره مصدران قريبان من الشركة للمنصة، فإن أي من خطتي التحديث تتطلبان تمويلات ضخمة، وكانت أحد طرق التمويل المطروحة هي الاقتراض، لكن ساهمت زيادة أسعار الفائدة عالميًا منذ بداية العام في إحباط هذا التصور، ومع اتجاه مصر لتوقيع شراكات استثمارية مع السعودية والإمارات، أصبحت فكرة زيادة رأس مال الشركة عبر بيع حصة لمستثمر استراتيجي أكثر رجاحة.

واتجه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (المركزي الأمريكي) هذا العام لتسريع وتيرة زيادة أسعار أسعار الفائدة ما ساهم في ارتفاع أسعار الاقتراض عالميًا.

وقال أحد المصدرين وهو مقرّب من إدارة الشركة، إن طرح حصة من الشركة لمستثمر استراتيجي سيقلل بالطبع حصة الحكومة في الشركة التي تمتلك حاليًا نحو 92% من أسهمها، فيما يتداول 8% في البورصة، لكنه سيوفر حلولًا تمويلية بدلًا من القروض، كما أن في حال دخلت شركات عاملة في نفس القطاع من المنطقة العربية ستضيف للشركة تكنولوجيا جديدة تخدم الإنتاج.

 

من مصنع مصر للألومونيوم. الصورة: موقع الشركة الرسمي

ماذا عن التطوير؟

بينما يبدو أمر الخصخصة محسومًا، هناك تضارب بشأن ما الذي ستفعله مصر للألومنيوم بأموالها.

رغم أن وزير قطاع الأعمال قال في 29 مايو/ أيار الجاري إن الطرح يستهدف جذب تمويل لمشروع التوسعات، لكن إفصاح الشركة للبورصة المصرية أمس، يثير شكوكًا حول ذلك.

غير أن الشركة قالت في بيان وجهته للبورصة، إنها كلفت شركة بيكتل لدراسة إعادة تأهيل ورفع كفاءة المصنع الحالي للحفاظ على الطاقة الإنتاجية 320 ألف طن وتقدير المعدات المطلوب إعادة تأهليها، ما يعني استبعاد مشروع "الخط السابع".

ويبدو أن الشركة، ستنتظر نتيجة دراسة بيكتل التي يتوقع أن تحصل عليها خلال الشهر المقبل، لتقرر ما إذا كان التطوير سيشمل المصنع القائم فقط، أو سيتضمن إنشاء المصنع الجديد والذي كانت تكلفته التقديرية نحو 13 مليار جنيه (قبل تغير سعر الصرف مارس/ أذار الماضي)، وفقا لما قاله مصدران للمنصة.

هل هناك تضارب في المصالح؟

ليست هذه أول مرة يتم الحديث عن تقليل حصة الحكومة في الشركة، حيث سبق أن جاء اسم مصر للألومنيوم ضمن عدد من الشركات في برنامج الطروحات الحكومية الذي أعلن عنه قبل سنوات، لكنها لم تحدد الحصة التي ستبيعها.

لكن اللافت في التصريحات المنقولة عن وزير قطاع الأعمال، هو الحديث عن ذهاب حصة من مصر للألومنيوم لمستثمر سعودي أو إماراتي كون البلدين من أكبر مصدري الألومنيوم في المنطقة، فهل نبيع حصة من الشركة لمنافسين في تصدير نفس المنتج؟

المصدر الثاني الذي تحدث إلى المنصة، وهو مطلع على بيانات الشركة المالية، نفى ذلك، وقال إن البيع لن يؤثر سلبًا بل على العكس سيدعم صادرات مصر للالومنيوم "نحن نصدر لأسواق أوروبا لأننا لدينا اتفاقيات إعفاء جمركي بينما تركز صادراتهم على أسواق آسيا، إذا رفعنا الإنتاج سنتمكن من زيادة التصدير ولن يزاحمنا إنتاجهم".

وتعمل في المنطقة العربية شركة إماراتية لإنتاج الألومنيوم وشركة سعودية "معادن" وهما شركتان لديهما سوق قوي، وينفذ جزء من إنتاجهما للسوق المحلي، نتيجة عدم قدرة مصر للألومنيوم على تلبية احتياجات المصنعيين المحليين.

يبلغ حجم الاستهلاك المحلي من الألومنيوم نحو 400  إلى 500  ألف طن سنويًا، تضخ منها مصر للألومنيوم ما بين 120 إلى 150 ألف طن سنويًا في السوق المحلي، بما لا يتجاوز 30% من السوق المحلي ويتم توفير الباقي عبر الاستيراد، غالبًا من الأسواق العربية، بحسب المصدر.

"من شأن تطوير الشركة وزيادة الإنتاج أن يعظم حصة مصر للألومنيوم في السوق المحلي، إضافة لزيادة نسبة صادراتها والاستفاد من ارتفاع أسعار المعدن عالميا" بحسب المصدر الثاني.

مشكلة الكهرباء لا تزال باقية

حتى وإن تمت الخصخصة، ووفرت الشركة تمويلًا للتحديث أو التوسع، ستظل مشكلة ارتفاع أسعار الكهرباء تمثل تحديًا أمام قدرة الشركة على الربح، وهو ما تحاول الشركة تقليل أثره من خلال إنشاء محطة للطاقة الشمسية مستفيدة من موقعها في أسوان، ومن تجربة بنبان أسوان.

وقالت الشركة في بيانها أمس، إنها تدرس إنشاء محطة للطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن هذا المشروع.

في 2018 دعت مصر للألومنيوم الشركات العالمية المتخصصة في إنشاء وتطوير الطاقة، لتقديم عروضها لبناء وامتلاك محطة طاقة شمسية لتعمل بقدرة 300 ميجا وات عن طريق اتفاقية شراء الطاقة لمدة 25 سنة، وسيتم استخدام الطاقة المتولدة لتوفير جزء من استهلاك المصانع من الشبكة القومية، وتلقت الشركة بالفعل 25 عرضًا بحسب تصر يحات رئيس الشركة القابضة للصناعات المعدنية، آنذاك، مدحت نافع.

لكن المناقشات مع وزارة الكهرباء غيرت تلك الخطة أيضًا، وتراجعت الوزارة عن مشروع المحطة في مايو 2020 بعدما خفضت وزارة الكهرباء تسعير الطاقة الكهربية للشركة بقيمة 10 قروش، كما أشرنا مسبقًا، ما وفر على الشركة تكلفة 500 مليون جنيه سنويًا، وفقًا لتصريحات الوزير حينها.

ومع عودة الحديث عن إحياء المشروع مرة أخرى بعد نحو أربع سنوات من الإعلان عنه أول مرة، قال الوزير إنه سيتم إنتاج 600 إلى 700 ميجاوات من المحطة المستهدفة أي نحو ضعف الطاقة الإنتاجية المعلن عنها سابقًا، فيما قال مصدرنا الأول إنه يتوقع أن ترتفع الطاقة الإنتاجية المستهدفة إلى واحد جيجا وات أي بما يعادل 20% من استهلاك الشركة عند 5 جيجا وات سنويًا.

وأيًا ما كان مصير تلك المشروعات، تبقى مصر للألومنيوم بحاجة ماسة للتطوير، للحفاظ على إنتاجها للألومنيوم في السوق المصري، لأنها الوحيدة في هذا القطاع.