هبة وآية وورد من فيلم من القاهرة - صفحة المخرجة هالة جلال على فيسبوك

من القاهرة: في مواجهة "أبو رجل مسلوخة"

منشور الثلاثاء 12 يوليو 2022 - آخر تحديث الثلاثاء 12 يوليو 2022

في ذاكرة الطفولة، ثمة قصة عن أبو رِجل مسلوخة، الذي لم ير أحد قط ساقه التي سُلّخت، ولا يعلم أحد على وجه الدقة أين يسكن، لكن هيئته المتخيلة كانت كافية لإثارة الذعر في قلوب الأطفال، حتى استحال أيقونة ارتبط بها إرث الخوف في الوعي الجمعي.

وفي الفيلم التسجيلي من القاهرة، هناك ثلاثة نساء، لا تربطهن فقط الحياة في العاصمة بتفاصيلها المعقدة، ولكن الخوف يجمعهن، تواجه كل واحدة منهن نسختها من "أبو رجل مسلوخة"، غير أنهن على العكس ينظرن في عينيه من دون خوف.

في ندوة سابقة، أقيمت بعد العرض العالمي الأول للفيلم، قالت هلال جلال، إنها "حين بدأت في الاستماع لقصص أبطالها، كانت كل واحدة منهنّ تمثل لها شجاعةٍ ما (...) شعرتُ أنه يمكنني الاختباء خلفهنّ لبعض الوقت".

قاهرة الخوف والحب

تفتتح هالة جلال فيلمها ببيان عن الخوف، تقول بصوتها "بخاف من الزحمة/ بخاف من المرتفعات/ بخاف من الأماكن الضيقة/ بخاف من التواصل مع الناس/ بخاف من السرعة في السواقة/ بخاف من السواقة نفسها"، قبل أن تظهر على الشاشة كامرأة تحاول النظر للعالم وتعيد ترتيب فسيفسائه عبر صناعة الأفلام، وبينما تخوض ذلك، تواجه عتمتها الشخصية ومخاوفها الممتدة.

يضفر نسيج من القاهرة، متقاطعًا حول حكايات آية وهبة بالإضافة إلى مخرجته وكاتبته هالة جلال، يعشن الثلاث في القاهرة، وتعمل آية مونتيرة، وأما هبة ففنانة تشكيلية وأم لورد التي تظهر بين الحين والآخر لتمنح النسيج القصصي في بعض منعطفاته خفة طفولية مُحببة للقلب.

مع تتابع قصص النساء وتشابكها في الفيلم، قد نظنُ أننا بصدد القفز سريعًا في جوف حكايات تستعرض الشجاعة والبطولة، خاصة في زمننا الحالي الذي تضطرب فيه الرؤية حول ما تعنيه كلمتي "البطلة" أو "المناضلة"، اللتان تحولتا إلى ترند ما يلبث يظهر حتى يبتلعه الإيقاع السريع، لكن الفيلم يضعنا أمام نسوّة من لحم ودم يملكن أحلامًا تتراوح ما بين التحقق الإبداعي والسير في الشارع بأمان وبأقل قدرٍ من التفاوض حول إعلان الوجود.

برومو الفيلم


يأخذ الفيلم مشاهده ليرى عبر عيون النساء وحيواتهنّ، أن الخوف ليس مقابله الشجاعة وإنما الحب، فهبة تتحدث عن أن خوفها الأعظم من الأمومة كان جسرها للعبور لتكشُف معنى الحب، حين يتجسد رائقًا خارجها في جسد فتاة تلتصق بها، ويشاكسها في المساحة الضيقة التي تجمعهما، لكنه يمنحها مساحة أرحب بداخلها تستطيع أن تصل من خلالها لمعناه في داخلها، الحب الذي يأتيها واضحًا غير مرتبكًا أو خائفًا من الخارج، فتمهد له الطريق لتحب نفسها. تظل ترن في أذني عبارتها "حبيت ورد حُب، اللي فاض منه خلاني أحب نفسي".

أما آية فتجد الحب أيضًا في ممارسة رياضة الديربي التي لم تألفها العين المصرية من قبل، تنخرط بكافة حواسها وجسدها فيها، انخراط كافٍ بأن يُصمت ضجيج القاهرة في الخارج، لتنصت فقط لصوت التشجيع والمساندة الذي تتلقاه في الملعب، صوتًا يأتيها ليغمرها حتى تنسى كدمات زرقاء وخضراء تنتشر على ساقيها، تبتسم لاحتمالية أنه بتلك الندبات ستغادر قائمة الستات الحلوة "أم رجلين مألوظة". 

وتجده هالة، أيضًا، رغم افتتاحيتها الخائفة في بداية الفيلم، لكنه كلما تحركنا معها من قصة لأخرى، نطمئن إلى أن هناك عين تقبع خلف الكاميرا تحب ما تلتقط من تفاصيل في مدينة مكتظة بالتوحش كالقاهرة، وتظل تستمع لصوت موسيقى آتيًا من فونوغراف يبدو أنه يقبع في رأسها ويصاحبها أينما ذهبت.

استغرقت هالة جلال خمس سنوات لصناعة فيلمها، عاشت خلالهم داخل نصها، تعايش كيف تتطور أو تتحول حياتهن، في كل مرة يظهرن فيها على الشاشة، مؤمنة بأن ثمة وقت لا موعد له سيولد مع الفن وفق إيقاعه دون أن يعترضه أحد تحت ضغط خطة إنتاجية أو ضرورة اللهاث واللحاق بنهاية ما. ورغم أن البطلات الثلاث اللائي يقفن أمام الكاميرا وخلفها، عثرن على مفهومهن عن الحب الذي قهر فزّاعة أبو رجل مسلوخة في داخلهن، بقيت أتساءل ما علاقة كل ذلك بالقاهرة؟ فكل ما توصلت له بطلات العمل كان يمكن أن يحدث في مكان ما، أو في زمنٍ ما؟ وحين تمعنت في رغبتي للمعرفة، تكشف بداخلي سؤال ربما لم أجد إجابة له في ثنايا الفيلم نفسه، هو هل تصلح القاهرة كمدينة للحب؟ هل يمكن أن يولد الحب وينمو في مدينة تحمل كل ذلك القدر من التناقضات والتعقيدات؟

قاهرة النساء

يبدو الأمر مُغرقًا في الكليشيه أن نعد من القاهرة فيلمًا نسويًا، لأنه يروي قصصًا عن النساء، أو أن تكون كاتبته ومخرجته امرأة، لكن في حقيقة الأمر، أشعرُ، رغم نسويتي، أن هذا الفيلم لابد أن يُشاهد عبر منظور أكثر رحابة من سجنه في قالب النوع.

المخرجة هالة جلال خلال تصوير الفيلم.

من ناحية أخرى، استوقفني غياب الرجل في حكايات الفيلم، لا شريك يؤازر أو يساند بطلاته رحلتهن، لا وجود فاعل ومؤثر يمكن الإشارة إليه لدور حبيب/ صديق/ أب/ أخ أو أى من تلك الأدوار، التي يسعد الرجل بأدائها طوال الوقت، غاب ذلك بالكلية عن سيرورة الأحداث، وكان الظهور الأوحد للرجل كمتحرش من دون ملامح يغيب وسط طوفان من البشر والزحام.

لربما كانت الثيمة اللامرئية من الفيلم هي البحث عن الحب في مقابل الخوف، غاب الرجل ليس كشريك رومانسي في قصة حب وحسب، بل غاب كشريك موجود بالفعل، شريك مكان، شريك تجربة، وشريك في الخوف ذاته. ربما كانت له أيضًا ذكريات عن أبو رجل مسلوخة، لكنه غاب وحين حضر كان حضوره لا مرئي.

الحياة بقوة الدفع

تقول إحدى بطلات الفيلم "لماذا لا أرتدي أحدث صيحات موضة باريس، وأترجل في شوارع القاهرة بينما أزاحم في التوك توك أو المترو؟ ورغم ما يحمله السؤال من سخرية ومرارة، لكن جميع النساء اللواتي يعشن بالقاهرة يعلمن جيدًا صعوبة أن تجد إجابة سريعة للسؤال اليومي "ماذا سأرتدي اليوم؟" وليس من باب البحث عن الجمال كقيمة لا يمكن التخلي عنها، وإنما لأن الإجابة عن هذا السؤال المُغرق في بساطته يُذكرنا دومًا بقراراتنا التي تأتي في مقدمتها البحث عن الحماية والأمان كأولوية ثم يأتي بعدها كل شيء آخر، كالجمال على سبيل المثال.

تتعلم البطلات وفق مساراتهنّ المتعددة أولويات الحماية والأمان في الحيز العام، يتقاطعن في نقاط غليانٍ مُشتركة بين كافة النساء خارج الفيلم، تلك النقاط التي تذكرنا دومًا بالمساحات التي تضيق بنا في الحيز العام، وبالانتصارات الصغيرة اليومية التي تحققها النساء العاديات أيضًا، دون البحث عن بطولة شرفية، فالنساء في القاهرة، داخل الفيلم وخارجه، يعلمن جيدًا أن قصص وألقاب البطولة لن تصمد كثيرًا، وأنه بنهاية اليوم كل ما يهم أن تصل للبيت بأقل قدر ممكن من الخسارة، دون أن تلتصق على أجسادهنّ نظرات العنف والقسوة المُعبأة مجانًا في الهواء.

الخوف باق فيما يبدو، وصعب أن يتم تجاوزه، لأن السياق الذي خلقه لا يسمح بفنائه بسهوله، وغالبًا ما يقرنه بمخاوف أخرى كثيرة، خوف الطفولة من أبو رجل مسلوخة ليس مجانيًا، هو خوف نتجرعه منذ أن نسير في طريق الحياة ونصارعه فيما يتبقى منه، وحين تبدأ هالة جلال فيلمها بمانفيستو عن الخوف، فهي لا تختمه بآخر عن الشجاعة، ولكنها عندما صعدت منصة التتويج لتنال جائزة أفضل فيلم غير روائي، من مهرجان القاهرة الدولي في دورته الثالثة والأربعين، أمسكت المايك وقالت فقط "شكرًا" ثم هرولت عائدة إلى مقعدها بين صفوف الحاضرين، لأنها ربما ما زالت تخاف من الزحام، ولا يشعرها بالطمأنينة غير صوت الفونوغراف الذي تنبعث منه موسيقى تسمعها وحدها، وتجعلها ترى كل ما في القاهرة، كما تود أن تراه في محاولتها لدفع الحياة للأمام بطريقةٍ ما.