تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية. - موقع unsplash

ما يمكن أن يؤدي إليه صراع الأجهزة الأمنية

منشور الثلاثاء 19 يوليو 2022

وصلت الولايات المتحدة للعمل مراسلًا للأهرام بعد عام واحد فقط من وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكانت الأجواء ساخنة والاتهامات تتطاير لتحديد الطرف الذي يجب أن يتحمل مسؤولية هذا الفشل الكارثي في حماية أمن أمريكا، القوة العظمى الوحيدة في العالم في ذلك الوقت، والذي أدى لمقتل ما يزيد عن 2700 أمريكي.

الكونجرس الأمريكي عقد مئات جلسات الاستماع، مثل أمامها كل المسؤولين الذين قد تكون لهم صلة بوقوع الهجمات في نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا. وكان ممثلو الأجهزة الأمنية المختلفة من مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA ووكالة الأمن القومي NSA ونحو 12 مؤسسة أمنية أخرى في مقدمة من تعرضوا للمساءلة والتقريع، لأنهم فشلوا جميعًا، رغم استخدامهم أكثر الوسائل التكنولوجية تطورًا في العالم، في كشف تفاصيل خطة استمر تنفيذها لأكثر من عام.

وصل المهاجمون التسعة عشر الذين قادوا الطائرات إلى الولايات المتحدة وعاشوا فيها شهورًا قبل تنفيذ الهجوم، وتلقى عدد منهم تدريبات على الطيران في شركات خاصة، وكانت الأموال تنقل لهم بشكل منتظم لدراسة مسارات الطائرات، حتى تنفيذ خططهم الدقيقة التي مكنتهم من السيطرة على الطائرات.

عندما يكون التنافس قائما بين أجهزة أمنية مؤثرة، فالعواقب قد تصبح وخيمة

التقرير المطول الذي أعدته لجنة رفيعة المستوى لتحديد المسؤول عن وقوع الهجمات التي روعت الأمريكيين وحولت مسار السياسة الخارجية الأمريكية على مدى العقدين الماضيين، انتهى إلى أن هذه الأجهزة الأمنية الضخمة المتقدمة المتطورة التي تخيف الكثيرين فشلت ببساطة في التنسيق فيما بينها وتداول المعلومات التي كان من شأنها كشف خطة خطف الطائرات ومنع الهجوم.

والسبب الرئيسي كان أن العلاقة التي تحكم التعاملات بين تلك الأجهزة يحكمها التنافس والرغبة في إخفاء المعلومات بدلا من التعاون المشترك، وذلك لتحقيق مكاسب سياسية أو الظهور بصفة الجهة الأكثر قدرة على حماية أمن الولايات المتحدة والمواطنين الأمريكيين أمام القيادة السياسية.

اكتساب هذه السمعة ليس بغرض الوجاهة فقط، رغم أهميتها، فالجهة أو الجهاز الذي سيحظى بثقة القيادة السياسية هو الذي سيحصل على تمويل أكبر في الميزانية الفيدرالية، وستتحسن أوضاع العاملين فيه.

فالـ CIA وعملاؤها في الخارج كانت لديهم معلومات عن خطة ما قد ينفذها تنظيم القاعدة في الأراضي الأمريكية. كما أن جهاز الـFBI كانت لديه شكوك في توجهات ونشاط عدد من السعوديين الذين شاركوا في الهجوم، ولكنهم لم يتواصلوا مع الـCIA لتبادل المعلومات بشأنهم.

وكانت النتيجة النهائية أن العملية تمت بكل دقة، وانهارت ثقة الأمريكيين في أجهزتهم الأمنية، وطغى الاتجاه المحافظ الداعي لاستخدام القوة العسكرية الأمريكية للرد على ذلك الهجوم وردع أي هجوم مماثل في المستقبل.

في الدول المختلفة، البيروقراطية معقدة جدًا والأجهزة والمؤسسات المختلفة تتصارع وتتنافس في أحيان كثيرة، وهو ما ينجم عنه عادة تعطيل الكثير من الخطط والمشاريع الطموحة، بما في ذلك خطط وتوجيهات تأتي من رأس السلطة التنفيذية أو حتى الأجهزة التشريعية. ولكن عندما يكون التنافس قائمًا بين أجهزة أمنية مؤثرة، فالعواقب قد تصبح وخيمة، مثلما حدث في هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 .

وكان أول قرار أوصت به لجنة التحقيق تشكيل وزارة فيدرالية واحدة، هي وزارة الأمن الداخلي، لتلقي كل ما تتمكن الأجهزة الأمنية الخمسة عشر الرئيسية من معلومات، والتنسيق بينها لضمان حماية أمن الولايات المتحدة والسماح للقيادة السياسية باتخاذ القرار الصائب.

في كتاب دون فيه الصحفي الأمريكي الشهير بوب وودوارد تفاصيل تعامل الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن مع هجمات سبتمبر وقراره غزو واحتلال افغانستان، ثم العراق، أشار إلى أن تنافس محموم جرى بين الأجهزة الأمنية في أعقاب الهجمات للسعي لإبعاد مدير الـCIA السابق جورج تينيت عن منصبه، وعدم السماح له باللقاء اليومي مع الرئيس لمدة ساعة وتقديم تقرير المخاطر الأمنية له.

كان تينيت عُيَّن من قبل الإدارة الديمقراطية السابقة في عهد الرئيس بيل كلينتون، بينما يتحكم الجمهوريون في البيت الأبيض الآن، ولا بد من استبدال مدير آخر للوكالة من أهل الثقة بتينيت.

ورغم أن تينيت حاول قدر إمكانه إرضاء الرئيس الجمهوري الجديد والحفاظ على منصبه، وشارك في الكذبة الكبرى المتعلقة بتقديم أدلة تزعم امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل لتبرير غزوها واحتلالها، فإن ذلك لم يمنع ضغوط المحافظين الجدد للتخلص منه. لم يكن مديرو الأجهزة الأمنية المنافسة للـ CIA يطيقون انفراد تينيت بالرئيس بوش ساعة كل يوم "وأن يمتلك أذنيه". كانوا يريدون تولي تقديم التقارير التي يطلع عليها الرئيس بأنفسهم.

هذه البيروقراطية في التعامل مع الرئيس، والسعي للتحكم في الجهات والأشخاص الذين يتعامل معهم لا تقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل تمتد لكل دول العالم تقريبا. فالرئيس تحيط به دوائر عدة ليس من السهل على الإطلاق اختراقها، وتتنافس أجهزة وجهات عدة على تقديم تقاريرها له. والجهة التي يتم الاستجابة لتوصياتها وتنفيذها هي التي ستشعر أنها صاحبة اليد العليا في إدارة شؤون البلاد.

وحتى بعد تنفيذ قرار بوش بغزو واحتلال العراق في 2003، استمر الصراع بين وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، وتحديدًا بين وزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، حول صلاحيات كل منهما في إدارة عراق ما بعد صدام حسين.

وأذكر كمراسل صحفي في واشنطن في ذلك الوقت ما قاله لي مراسل زميل بأنه يشعر بعد الاستماع للمؤتمرات الصحفية للبنتاجون والخارجية الأمريكية أنهما ممثلان لحكومتين متصارعتين، ولا يعملان في إطار سياسة واحدة يقررها الرئيس. ثمن الصراع بين الأجهزة في الولايات المتحدة كان كوارث دفع ثمنها العراقيين والأفغان بشكل أساسي، والأمريكيين أيضًا.