صورة أرشيفية لكشك صحافة بوسط القاهرة - تصوير: عمرو عادل

هل يُحيي الحوار الوطني مشروع قانون إلغاء الحبس في قضايا النشر؟

منشور الاثنين 1 أغسطس 2022 - آخر تحديث الاثنين 1 أغسطس 2022

في المؤتمر الصحفي الذي أعقب الاجتماع الثاني لمجلس أمناء الحوار الوطني، أشار ضياء رشوان المنسق العام للمجلس ونقيب الصحفيين إلى وثيقتين تخصان الحريات وحقوق الإنسان سيتم البناء عليهما في الحوار الوطني.

وخلال المؤتمر الذي عُقد قبل نحو أسبوعين قال رشوان "الوثيقة الأولى هي رؤية مصر 2030، والتي قد تكون في حاجة إلى إضافات في ظل المتغيرات العالمية الراهنة، لكنها تمثل خطوطًا رئيسية في هذا الملف، أما الثانية فهي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، موضحًا أنه سيؤخذ من الوثيقتين ما يدعم القضايا التي ستطرح.

الوثيقة الأولى رؤية مصر 2030، أطلقت في فبراير/شباط 2016، كأجندة وطنية "تعكس الخطة الاستراتيجية طويلة المدى للدولة لتحقيق مبادئ وأهداف التنمية المستدامة في كل المجالات"، بحسب ما جاء في ديباجتها.

ويتناغم ما جاء في الوثيقة مع ما كان يردده المسؤولين من أن حقوق الإنسان لا تقتصر على الحقوق السياسية، "توفير فرص العمل، وحق السكن والرعاية الصحية، والتعليم المناسب، كلها حقوق أصيلة، من حقوق الإنسان". لكن بعد الانتقادات المتكررة التي استهدفت السلطة المصرية بشأن تعاملها مع ملف الحقوق السياسية والشخصية، جرى تنقيح الوثيقة مطلع 2018، وإطلاق إصدار ثاني منها لتتواكب مع "التغييرات التي طرأت على السياق المحلي والإقليمي والعالمي".

وركز الإصدار الثاني من رؤية مصر 2030  على الارتقاء بـ"جودة حياة المواطن المصري وتحسين مستوى معيشته في مختلف نواحي الحياة وذلك من خلال التأكيد على ترسيخ مبادئ العدالة والاندماج الاجتماعي ومشاركة كافة المواطنين في الحياة السياسية والاجتماعية".

وفي سبتمبر/أيلول الماضي أُطلقت الوثيقة الثانية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وتضمنت اعترافًا غير مباشر من السلطة بالتقصير في ملف الحريات السياسية، وفي القلب منها حرية الرأي والتعبير والصحافة والإعلام، "وسائل الإعلام المصرية ورغم تنوعها إلا أنها لا تعكس بالقدر اللازم تعددية الرؤى والآراء".

القائمون على الاستراتيجية الوطنية ضمَّنوا مواد الدستور الخاصة بحرية الرأي والتعبير واستقلال الصحافة في بنود الوثيقة، وأكدوا على حق المواطنين في التعبير عن رأيهم بكل الوسائل، وحقهم في الحصول على المعلومات ونشرها، واستقلال وسائل الإعلام وحظر فرض الرقابة عليها إلا في زمن الحرب والتبعئة العامة، وحظر توقيع العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي تقع عن طريق النشر والعلانية.

وشددت الاستراتيجية على ضرورة تعزيز مناخ حرية التعبير، وتعدد وتنوع الآراء بالمنصات الإعلامية إزاء مختلف القضايا العامة، ودعت إلى مراجعة القوانين بما يضمن هذا ويغيِّر المناخ القائم.

الاستراتجية التي وصفها واضعوها بأنها "خارطة طريق طموحة"، واعتمدها مجلس أمناء الحوار الوطني كإحدى ركيزتين لمناقشات ملف الحقوق والحريات خلال جلسات الحوار الوطني، حددت الخطوات التي يجب طرحها قيد التنفيذ إذا كان الهدف هو فك الحصار والقيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير في مصر.

ما يخصنا في تلك الخطوات ما جاء في سياق ضرورة مراجعة قوانين تنظيم الصحافة والإعلام، بما يجعلها لا تتصادم مع نصوص الدستور والاتفاقيات والمعاهدات التي وقعت عليها مصر في هذا الشأن، ويضمن أداء الصحفيين ومنصات الإعلام لدورهم دون خوف أو رقابة.

المقالان الأخيران لصاحب تلك السطور بموقع المنصة، تناولا مسار إصدار القوانين المنظمة للصحافة والإعلام منذ أن تم إقرار دستور 2014 وحتى خروجها للنور نهاية عام 2018، وكيف جرى التلاعب بالمشروع الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام الذي أعدته اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحفية، التي تشكلت بعد شهور من إقرار الدستور، وملابسات تفكيك هذا المشروع إلى ثلاثة قوانين.

وتساءل المقال الأخير عن مصير مشروع قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر والعلانية، الذي أعدته اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحفية، إلى جانب مشروع قانونها الموحد لتنظيم الصحافة والإعلام، وتساءل أيضًا عن الأسباب التي دفعت البرلمان الحالي، كما السابق، لتجاهل الاستحقاق الدستوري الذي حظر الحبس في قضايا النشر!

الواقع أن اللجنة الوطنية لإعداد التشريعات الصحفية، والتي أطلق عليها لجنة الخمسين، بذلت جهدًا كبيرًا في تتبع المواد التي تعاقب بالحبس في جرائم النشر والعلانية داخل منظومة التشريعات المصرية، ونتج عن هذا الجهد حصر تلك المواد في مشروع قانون جاهز لطرحه ومناقشته في البرلمان.

المادة الأولى من مشروع قانون لجنة الخمسين لتعديل المواد الخاصة بجرائم النشر والعلانية في قانون العقوبات والقوانين الأخرى نصت على: 

تُلغى العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية في قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، وتعديلاته أو في أي قانون آخر ويكتفى بعقوبة الغرامة بحد أدنى ألف جنيه، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن في أعراض الأفراد فيحدد عقوبتها القانون.

ونصت المادة الثانية على إلغاء المواد 102، و102 مكرر، 174، 177، 178 مكرر ثانيًا، و179، و181، 182، 184، و186 من قانون العقوبات. والمادة التي تتضمن عقوبة الحبس في قانون الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء رقم 2915 لسنة 1964.

رغم جهد لجنة الخمسين في حصر المواد المقيدة للحريات فهناك موادًا تتضمن الحبس في قوانين العقوبات ومكافحة الإرهاب وجرائم الإنترنت. وتحتاج جميعها إلى إعادة نظر

وعدلت المادة الثالثة من مشروع القانون المادة 176 عقوبات، ونصت على:

يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد عن ثلاثين ألف جنيه كل من حرض بإحدى الطرق على التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو العقيدة أو الانتماء السياسي أو الجغرافي أو العرق أو اللون أو الإعاقة أو المستوى الاجتماعي.

كما اقترحت تعديلًا للمادة 308 عقوبات، والخاصة بعقوبة السب والقذف، بحيث يكون نصها:

إذا تضمن القذف أو السب الذي ارتكب بإحدى الطرق المبينة في المادة 171 طعنا في عرض الأفراد أو خدشا في شرف العائلات تكون العقوبة الحبس أو الغرامة التي لا تقل عن عشرة آلاف جنيه.

الحقيقة أنه رغم الجهد التي بذلته لجنة الخمسين في حصر تلك المواد فإن هناك موادًا أخرى تتضمن عقوبة الحبس في قضايا النشر والعلانية، ورد معظمها في قانون العقوبات وبعضها في قوانين أخرى، منها قانونا مكافحة الإرهاب ومكافحة جرائم الإنترنت، وتحتاج جميعها إلى إعادة نظر بحيث لا تتعارض مع نصوص الدستور التي حظرت توقيع عقوبات سالبة للحرية فى جرائم النشر، إلا في الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو بالتمييز بين المواطنين أو بالطعن في أعراض الأفراد، وتلك الأخيرة أحالها الدستور إلى القانون.

أخيرًا، تأمل الجماعة الصحفية والمهتمين بملف حرية الرأي والتعبير، أن تكون إحدى مخرجات الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية إعادة النظر في القوانين التي تضع قيودًا على حرية الصحافة والإعلام، ومواد القوانين التي تُعاقب بالحبس في قضايا النشر والتي تسلط سيف الملاحقة على رقاب الصحفيين، بما يحول مواد الدستور والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان إلى واقع ملموس.

إذا نُفِّذت تلك الخطوة، كما يتوقع عدد من أعضاء مجلس أمناء الحوار الوطني، ربما تكون بداية لتغيير المناخ المسمَّم الذي أحاط ببيئة العمل الصحفي والإعلامي خلال السنوات الست الماضية، وأثر على مستوى المحتوى الذي تحول إلى ما يشبه النشرات الحكومية التي لا يقرأها أو يتابعها أحد.

وربما لو أعقبها خطوات أخرى على طريق تعزيز حرية الصحافة واستقلال وسائل الإعلام قد يتغير المناخ العام بالكامل، بما يسمح ببناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة المستقرة والمتقدمة.