حجب المواقع الصحفية في مصر. - تصميم: يوسف أيمن - المنصة.

ماذا لو استجاب الصحفيون الألمان لدعوة رئيس الجمهورية؟

دعاية "حقوق الإنسان" النموذجية يخدشها حجب المنصة

منشور الخميس 4 أغسطس 2022 - آخر تحديث الخميس 4 أغسطس 2022

في العاصمة الألمانية برلين، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي الصحفيين الألمان الذين حضروا المؤتمر الصحفي في 18 يوليو/ تموز الماضي، إلى زيارة مصر لرؤية الأوضاع على الأرض "تعالوا شوفوا بنفسكم". جاءت الدعوة ردًا على الانتقادات الدولية الموجهة إلى مصر بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.

لكن قبل أربعة أيام من المؤتمر، تعرض موقع المنصة للحجب للمرة الثالثة عشر في تاريخه، وهذا الرقم ليس الأخير، ففي غضون أيام قليلة تالية حُجب ثلاث مرات، بعضها بعد ساعات فقط من إطلاق رابط جديد. 

الفجوة بين ما يحاول النظام السياسي ترويجه عن حدوث انفراجة في ملف حقوق الإنسان، وبين الواقع على الأرض تناولها تقرير صدر بالإنجليزية الاثنين الماضي، لـ28 منظمة دولية ومصرية، تنتقد استهداف السلطة للمواقع الصحفية المستقلة، مستشهدة بالتصعيد الأخير ضد المنصة، كدليل. 

من بين تلك المنظمات مؤسسة Access Now التي تخوض منذ فترة معركة تدفع في محاولة إصدار تشريع دولي يُجرم استخدام التكنولوجيا في التعدي على حقوق الإنسان، تحديدًا الحق في المعرفة ومكافحة التجسس على المواطنين.

تقول مروة فطفاطة، مديرة السياسات لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في Access Now، إن تركيز المجتمع الدولي لا يزال مقتصرًا على تجريم استخدام الأسلحة ضد البشرية، ولم يصدر أي قانون يُجرم في المقابل توظيفات الأنظمة الديكتاتورية للتكنولوجيا في فرض الرأي الواحد، وحجب الأصوات المختلفة. 

وتضيف للمنصة، أن الشركات الخاصة التي تدر أرباحًا من خلف الحجب والتجسس والسمسرة أتاحت للأنظمة الديكتاتورية طرقًا شتى لممارسة قمعها، وفي المقابل لا يوجد تقنين أو محاسبة أو تنظيم لمثل هذه البرمجيات والتكنولوجيات، والنتيجة الحتمية أن أنظمة مثل مصر والإمارات والسعودية وغيرها تستخدم هذه التقنيات بكل أريحية. 

وتتابع  "نحن وغيرنا من المنظمات، داخلين في معركة، وبدنا نقننها، وأن يفرض المجتمع الدولي وقفًا تامًا وشاملًا لنقل واستخدام البرمجيات، حتى تحترم حقوق الإنسان مش تنتهكها، وحتّى يحصل هذا ستظل تلك البرمجيات تجني أرباحًا من انتهاك حقوق الإنسان، وستظل الأنظمة القمعية تستخدمها عشان تحجب منصات، تضطهد مواطنيها، وتخرس أي أصوات معارضة".   

الحجب عادة في مصر 

والحجب الذي صدر على إثره البيان الأخير، ليس نهجًا جديدًا، فتحتَ مقصلته يعاني نحو 500 موقع. لكن استشهاد المنظمات الدولية والمحلية بنموذج حجب المنصة الأخير  جاء بسبب تزامنه مع بدء جلسات مجلس أمناء الحوار الوطني، كأول خطوة على الطريق نحو حوار سياسي يمهد لإصلاحات سياسية في مصر، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى جدية حوار يُجهز له فيما مقصلة الحجب والإقصاء قائمة على نحو ممنهج وخارج إطار القانون.

ترى فطفاطة أن ما يحاول النظام المصري ترويجه في الخارج عن نموذجية حقوق الإنسان أو تحقيق انفراجة هو خطاب واهي "الأجدر بالرئيس أن يُفرج عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين وأولهم علاء عبد الفتاح، إذا كان لدى النظام نية صادقة لفتح صفحة جديدة تحترم الحقوق والحريات".

وكان الرئيس أصدر عفوًا عن عشرات السجناء السياسيين خلال الأسابيع الأخيرة، لكن لا تزال القوائم تمتد بنحو 700 سجين آخر، بحسب الحركة المدنية المعارضة.

ويتفق معها مؤسس معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، ومديره التنفيذي رامي يعقوب، قائلًا "كنا نأمل أن تكون أوضاع حقوق الإنسان في مصر متماشية مع ما تروجه الحكومة داخل البلاد وخارجها عن تحسن الأوضاع، لكن للأسف الأوضاع مزرية".

"بدلًا من الإصلاح الحقيقي تتجه الدولة إلى الدعاية الكاذبة بخصوص حقوق الإنسان والاقتصاد إلخ، وتحجب أي مواقع أو منصات تُسلط الضوء على الحقيقة أو حتى لكونها منبرًا للرأي الآخر"، يضيف يعقوب.

البيان في مواجهة الدعاية 

ليست مديرة السياسات في Access Now، أو المدير التنفيذي لمعهد التحرير فقط من لم يقنعهما الترويج لانفتاح بحوار وطني فيما المواقع تحجب في ظله، لذا صاغت 28 منظمة حقوقية بين محلية ودولية بيانًا يخدش على نحو مباشر تلك الدعاية.

ووقع على البيان البيان المشترك 6 منظمات مصرية وهي حرية الفكر والتعبير، ومركز النديم، والمبادرة المصرية للحريات، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ، و22 منظمة إقليمية ودولية منها Access Now، وFreedom House، وGlobal Voices، وThe Tahrir Institute for Middle East Policy (TIMEP)، وSMEX، و Freedom House، ومنظمة مراسلون بلا حدود.

ويقول "إن استمرار السلطات المصرية في حجب المواقع الإلكترونية، يفاقم من انتهاك الحق في حرية الإعلام، وحق المواطنين في المعرفة والوصول إلى المعلومات واستخدام الإنترنت، وكلها حقوق تحميها المواد 57 و65 و68 و71 من الدستور المصري".

ودعت المنظمات السلطات المصرية لوقف الرقابة على الإنترنت فورًا، وإنهاء حجب المواقع الصحفية، وضمان حرية الصحافة. 

كما تطرق البيان إلى التشكيك في جدية الحوار وطني "لا يمكن إجراء حوار حقيقي دون ضمان الحريات الإعلامية أو إنهاء حجب المواقع الإخبارية في مصر، وحجبت السلطات ما لا يقل عن 129 موقعًا إخباريًا حتى الآن. وعلى الرغم من تصريح المنسق العام للحوار الوطني ضياء رشوان بأنه سيتابع حجب موقع المنصة ، فإنه لم يلتزم بالتوصية برفع الحجب عن المواقع الإلكترونية من خلال آلية الحوار الوطني"، بحسب بيان المنظمات.

ومن جانبه، يؤكد محمد عبد السلام، مدير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، أهمية بيان المنظمات الأخير لتوضيح حقيقة الصورة فـ"الخطاب الرسمي في الداخل والخارج يتحدث طول الوقت عن تغيير، لكن الواقع الذي نراه مختلفًا، وما يحدث مع موقع المنصة مثال دامغ على ذلك".

ويضيف أن الحجب لا يعد فقط تعديًا على حق الصحفيين أو العاملين في الموقع، لكنه يتعارض من حيث المبدأ مع الدعوة لحوار وطني المفترض "أنه إثراء لحالة النقاش العام واللي هتزدهر مع إطلاق حرية التعبير والمعلومات، لكن إزاي هيحصل حوار إذا كان المواطن مبيقدرش يدخل على المواقع لقراءة الأخبار والتحليلات".

من سيء لأسوأ 

 يلفت عبد السلام إلى أن سبب تنامي قلق المنظمات الدولية والمحلية هو سلوك الترصد للمواقع وحجب نسخ مختلفة منها في أوقات متتالية، في تأكيد على تناقض الخطاب الرسمي المعلن مع الواقع الذي يشهد تصعيدًا غير مسبوق باجراءت الحجب المتتالي الذي يصل لدرجة الخنق، "المنصة اتحجبت مرة والتانية والتالتة خلال أيام، دايمًا بيتم محاصرة أي خطوة للوصول للجمهور، واتخاذ رد فعل سريع بيعبر عن إرادة سياسية قوية إن الحال يفضل كما هو عليه".

وجاء حجب المنصة في 14 يوليو بعد 11 يومًا من إعادة إصدار موقعها بشكل وتقنيات جديدة، تتيح للقراء تجربة أفضل في تصفح المحتوى والمشاركة في إنتاجه، وهي الانطلاقة التي تزامن معها نشر عدد من التحقيقات والتقارير من بينها تحقيق يوثق عودة شرطي مُدان بتعذيب وقتل المواطن مجدي مكين وتزوير محررات رسمية لإخفاء جريمته، إلى عمله في أحد أقسام الشرطة بالمخالفة للقانون، وذلك بعد صدور عفو رئاسي عنه.

من جانبها اعتبرت فطفاطة أن سلسلة الحجب الأخيرة هي استمرار لسياسة تكميم الأفواه وقمع أي صوت معارض أو مستقل، وشددت "في ظل هذه السياسة من الصعب تصور أي حوار جاد، فالحكومة لا زالت تحجب المئات من المواقع الإعلامية والمستقلة دون مرجعية قانونية، وبالاعتماد على أنظمة تقنية قمعية مثل sandvine التي تمكنها من الحجب السريع والفوري لأي دومين أو موقع جديد مخالف لآراء الحكومة وأهوائها". 

عادة الحجب

تُنكر الجهات الرسمية مسؤوليتها عن حجب المواقع، لكن ذلك لا يعفيها. يقول عبد السلام إن حجب المواقع المدنية، وخصوصًا الصحفية، يجري في إطار خارج عن القانون، فلا توجد جهة ما تصدر قرار حجب مسبب يمكن الطعن عليه قضائيًا، "لما بنسأل أحنا كمنظمات، أو المواقع، مين الجهة اللي بتحجب؟ بيكون الرد مفيش جهة رسمية في الدولة بتحجب حاجة". 

ويتابع أن ذلك يجعل المتابعين والمحللين يرجعون ذلك الحجب إلى جهات أمنية، باعتبارها المسيطرة على البنية التحتية في قطاع الإنترنت والاتصالات، القادرة على عمل حجب موسع على هذا النحو.

ويلفت إلى أن المواقع المستقلة، كذلك المنظمات الحقوقية ستواصل العمل على كشف حقيقة ما يحدث، لحين تحقيق تغيرات حقيقية، لافتًا إلى أن مؤسسة حرية الفكر والتعبير لم تتلق أي دعوة لتقديم رؤيتها أو تصوراتها في الحوار الوطني. ورغم أنهم يتشككون في العملية، بسبب استمرار النهج نفسه، لكنهم لن يبخلوا بآرائهم حال طلبت، واستدرك "وإن كانت كل آرائنا بدراسات وبيانات مفصلة منشورة على الموقع بتاعنا".

ولا تختلف الحالة بين عبد السلام المدير التنفيذي لمؤسسة تعمل في مصر، أو المدير التنفيذي لمؤسسة التحرير في واشنطن رامي يعقوب، فالأخير أيضًا غير متفائل "أقل ما يمكن تقديمه هو إصلاح حال الإعلام في مصر، وإتاحة قدر ما من حرية الرأي والتعبير، لكي يكون هناك حوار من الأساس (..) ما يحدث قد يكون أقرب إلى فيلم الفنكوش"، في إشارة لفيلم "واحدة بواحدة" الشهير.

فيما دعا عبد السلام إلى "الالتفات لما تطلقه المنظمات الحقوقية، وإتخاذ إجراءت ملموسة لتغيير واقع حقوق الإنسان، وفي حالة المواقع رفع الحجب فورًا، ومنحها التراخيص اللازمة لمزاولة عملها، وتعديل التشريعات الصحفية".

وبينما يُعد القائمون على الحوار الوطني المزمع لانطلاقه رسميًا، في أجل غير محدد بعد، فإن الحكومة المصرية قد تجد نفسها في مأزق حقيقي إذا ما لبى صحفي ألماني أو مهتم بحقوق الإنسان دعوة الرئيس وزار مصر، ليرى بنفسه، وجرب الدخول لقراءة الأخبار من مواقع مصرية، فوقتها سيُصدم بحجب كل موقع يقدم خطابًا مختلفًا.