ماجد الكدواني وهند صبري في مشهد من "فضل ونعمة" - مشهد من الفيلم

فضل ونعمة.. كوميديا عجوز لشباب غائب

منشور الأربعاء 16 نوفمبر 2022

​رغم الحضور المتنامي لمنصات الفرجة الإلكترونية، التي تصنع أفلامًا حصرية وتتيح جديد السينما أول بأول على تطبيقاتها، فإن أي إحصائية لتحديد الفئات العمرية الأكثر إقبالًا على شراء تذاكر السينما ستصب في صالح الشباب والمراهقين، وهو ما يجعل كيانات صناعة الترفيه العملاقة تضع تلك الشريحة في مرتبة متقدمة من حيث أولوياتها الإنتاجية.

انطلاقًا من ذلك، يمكن فهم الرغبة التي صاغ من خلالها صناع فيلم فضل ونعمة عملهم، الذي بدا قاصدًا فئة الشباب، لكن تلك النية تحتاج لإدراكها رغم ذلك، جهدًا أكثر من قيام أبطاله بتأدية أغنية راب ضمن واحد من مشاهد الفيلم الكثيرة غير المترابطة.

السينما العائلية العجوز

تدور أحداث فيلم فضل ونعمة من إخراج رامي إمام، وتأليف أيمن وتار، وبطولة كل من هند صبري وماجد الكدواني، حول الزوجان فضل ونعمة.

بعد أن يفقد فضل عمله، يقرران معًا بدء مشروع لتقديم الطعام المنزلي، لكنه سرعان ما يفشل تحت ضغط المنافسة وعدم قدرتهما على مجاراة العصر الحديث، الأمر الذي يجعلهما محل سخرية الابن واحتقار الابنة التي لا ترى في والديها سوى عجوزين فاشلين.

على الجانب الآخر يتورط الأب والأم مع عصابة، أخفى أحد أفرادها المخدرات في مخزنيهما، فيكون على كل من فضل ونعمة اللذان يجداها، الانخراط في توزيع المخدر تحت وهم العمل مع الشرطة، ما يخلق مجموعة من المفارقات، في ظل سذاجتهما الشديدة وغير المفهومة، وأملهما في تحسين صورتهما أمام ولديهما.

الفيلم هو الخامس للسيناريست أيمن وتار، الذي كتب من قبل الكويسين، الأبلة طم طم، نادي الرجال السري، والبعض لا يذهب للمأذون مرتين. وهي أعمال يجمعها، بالإضافة إلى انتمائها للكوميديا، تصنيف الأفلام العائلية.

هذا التصنيف السينمائي، يفترض به أن يضم أعمالًا تعكس موضوعات تناسب المحتوى المقدم للأطفال، والقدرة على جذب من هم أكبر سنًا من ذويهم عبر ما تحتوي عليه من نكات ذكية وفكاهة.

لكن مفهوم "العائلية" في تلك الأفلام يحمل معه أحيانًا العديد من الأفكار المغلوطة والعتيقة كذلك، مثل ضرورة تقديمها عظة أخلاقية، ونهاية سعيدة تجمع الأبطال معًا بعد الاعتراف بما اقترفوه من أخطاء وبدء صفحة جديدة.


تقوم الدراما في فضل ونعمة من البداية على رصد الاختلافات بين جيلين متمايزين، معتمدة المفارقات فيما بينهما لتقديم مادتها الكوميدية، وهي ثيمة تشترك فيها مع كثير من الأفلام الأمريكية النمطية، حيث جيل الآباء والأمهات الذي يحاول مد جسر للتواصل مع أبنائه في عصر التكنولوجيا الحديثة.

تهتم تلك الأفلام عادة بعرض مشاكل الجيلين، كل منها بمفرده في البداية إلى أن تخلق إطارًا يجمعهما ليكتشف كل منهما عبره أن حل مشكلته موجود لدى الآخر.

غير أنه في الفيلم الذي يفترض فيه استهداف الشباب، تفتقر مشاكلهم لأي مساحة داخل سياقه للظهور، على العكس تظهر شخصيتا الابن والابنة نمطيتان بشكل مجحف، فالولد طفل ساخر وذكي يستغل والديه في صناعة فيديوهات لا نعلم حتى صداها، والابنة مجرد مراهقة متمردة ترغب في وضع قرط في أنفها ومصاحبة أحد الشباب.

في مقابل ذلك تنفرد كوميديا الفيلم بالسخرية من الجيل الأكبر واضطرابه في مواجهة العالم الحديث، وتتسع مساحته للأب والأم ومغامراتهما الخرقاء، ليصبح فضل ونعمة في النهاية عمل يقدم صعوبات أن تكون أمًا وأبًا من الطبقة الوسطى في عصر الإنترنت والهواتف المحمولة، مع عظة أخلاقية، تظهر قرب النهاية، كفيلة بإثارة سخرية أي مراهق يشاهد الفيلم.

أيمن وتار والبحث عن رابط

تلك الخفة المسيطرة على الفيلم لا تبدو منقطعة الصلة عن مسيرة أيمن وتار، الذي بدأ ككاتب في برنامج البرنامج لباسم يوسف قبل أن يتحول إلى السينما والتليفزيون، دون أن يتخلص كليًا من إرثه القديم، الذي كان يفرض عليه صياغة مشاهد قائمة بذاتها تناسب البرامج التليفزيونية.

تبدو كل أفلام وتار حتى الآن، قابلة للتقسيم، ليس فقط إلى الشكل البدائي المكون من ثلاثة فصول: بداية، وسط، ونهاية، أو خمسة مثل أساليب أخرى في كتابة السيناريو، ولكن إلى مشاهد، كل منها منفصل مثل جزيرة، ويربطها فقط الإطار الجامع للفيلم.

من الأمثلة على ذلك فيلم البعض لا يذهب للمأذون مرتين، الذي دار حول أزمة حكومية أدت إلى تطليق المتزوجين، الذين استغلوا الوضع فرفض نسبة كبيرة بما فيهم زوجة البطل العودة مرة أخرى إلى إطار الزواج. وهو عمل يمكن تقسيمه إلى محطات كثيرة مختلفة باختلاف المشاهد التي ظهر فيها بطلاه ماجد الكدواني وكريم عبد العزيز، مثل بقائهما في المنزل وتجربتهما الأعمال المنزلية، أو ذهابهما في رحلة إلى صعيد مصر... إلخ.

الأمر نفسه نجده في فضل ونعمة، فإطاره العام هو حصول الأبوين على احترام ابنيهما والقبض على تجار المخدرات، ولكن في سبيل ذلك لدينا مشهد في حفل شبابي صاخب يضطران فيه لتعاطي المخدرات والقيام بأفعال غير منطقية بالنسبة لعمرهما. ومشهد آخر وهما يطاردان أحد سيارات تجار المخدرات في حلبة للسباق، وثالث يقتحمان فيه حفل راب ويقومان بالـ "دس" لبعضهما البعض، دون تسلسل منطقي ينقل الأحداث إلى تلك المواقف.

هذه الكتابة المفككة لا تعطي في النهاية فيلمًا يمكن تتبع رحلة أبطاله ونضوجهم، أو حتى الوصول إلى حل منطقي لمشاكلهم، وكان من الممكن استمرار تلك المغامرات للأبد حتى ينتهى الأمر بحل يشبه تقنية الإله من الآلة Deus Ex Machina العتيقة من المسرح، التي يتم اللجوء إليها عندما تحتدم الأمور ولا يجد كاتب المسرحية حلًا لإنهاء ما فيها من صراعات إلا الحل السماوي.

 في فضل ونعمة كانت هذه التقنية متمثلة في ضابط الشرطة/محمد ممدوح، الذي ساعد في القبض على العصابة، الأمر الذي كان من الممكن حدوثه بعد بداية الفيلم بعشر دقائق لو لم يرغب صناعه في ملئ شريط الفيلم أكثر من ذلك.

ليس سيناريو الفيلم السينمائي قطار ذو محطات مختلفة يمكن أن يقف عند أي منها وتنتهي الرحلة، بل يجب أن تكون له نقطة بداية ونهاية، ومسار محدد لا يمكن تفويت أي جزء منه وإلا حدث خلل. بينما فيلم فضل ونعمة يمكن حذف مشاهد كاملة منه دون أن يختل بنائه، أو استبدالها بمغامرات مختلفة من دون أن يتغير شيئًا.