تقاطعت أسباب كثيرة حتى سقطت الثورة والسلطة في حجر جماعة الحوثي الزيدية - تصميم: أحمد بلال- المنصة

"مدونة السلوك الوظيفي".. الحوثيون يعودون باليمن إلى عهد الإمامة

منشور الاثنين 21 نوفمبر 2022

في كتابه "الطريق إلى صنعاء"، رسم الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ محمد عودة صورة شديدة القتامة لليمن في ظل حكم الأسرة المتوكلية الزيدية "تلك البلاد التي تجمدت وتحجرت وسقطت تحت أسر الأئمة كأنها خرجت من التاريخ وكُتب لها أن تكون متحفًا لعصور سحيقة، وربما هي الأثر الوحيد الباقي لما كانت عليه الحياة في القرون الوسطى".

ويعزو عودة في كتابه الذي صدر في مطلع تسعينيات القرن الماضي هذه الحالة من التخلف والفقر والجمود إلى طبيعة الحكم الإمامي الزيدي الذي استمر 1100 عام متصلة، أطول حكم في التاريخ، والأشد تخلفًا ووطأة.

"الإمام في فقه الزيود الذين تعاقبوا على حكم اليمن هو ظل الله، يحتل المرتبة الثالثة مباشرة بعد الله ورسوله، يملك القدرة على المعجزات والخوارق، لا يغلبه أحد ولا يقطع السيف رقبته ولا يخترق الرصاص جسده، يسخِّر الجن، ويتحول إلى طير أخضر يذهب للصلاة في الكعبة كلما أراد، من ينتقده في قلبه كان منافقًا، ومن ينتقده بلسانه كان زنديقًا، ومن خرج عليه كان كافرًا يباح دمه"، يضيف عودة.

"دار الإسلام"

أفتى علماء الإمامة وقضاتها وقت حكم أسرة حميد الدين أن "اليمن وحده أصبح دار الإسلام، وكل ما عداه من دول وأقطار أصبح دار كُفر فسقت بعدما فتحت أبوابها للنصارى والكفار". صار اليمن في ظل هذا الحكم هو الإمام، والإمام هو اليمن "لم تكن تتم صغيرة ولا كبيرة إلا بأمره، لا يُصرف قرشٌ من بيت المال قبل موافقته، ولا يُفتى في مسألة قبل استجلاء رأيه".

أغلق أئمة الأسرة المتوكلية البلاد، ورفضوا كل نصيحة لفتح اليمن على أدوات الحضارة الحديثة، فلا تعليم ولا طب ولا مطابع "لم يكن في البلاد بطولها وعرضها سوى خمس مدارس ابتدائية وثلاث مدارس ثانوية، ومدرسة للمعلمين ثم مدرسة علمية تدرس الفقه الزيدي واللغة العربية، وانحصر الطب والدواء فيها على الأعشاب والتمائم خاصة التي يكتبها الإمام".

في عشرينيات القرن الماضي زار اليمن الكاتب والرحالة اللبناني الأمريكي أمين الريحاني، وبعد عودته دوَّن ما رصده في تلك البلاد "كأنك في السياحة في تلك البلاد السعيدة، قولاً وتقليدًا، تعود فجأةً إلى القرن الثالث للهجرة، لا مدارس ولا جرائد ولا أدوية ولا أطبَّاء ولا مُستشفيات في اليمن. إنَّ الإمام هو كُلِّ شيء، هُو المُعلِّم والطبيب والكاهن، وهُو الأب الأكبر". هذا الوصف يدعمه الريحاني بعبارة نقلها عن أحد السادة الذين خدموا الإمام تقول "حياتنا هبةٌ من الله، ونحنُ نهبها للإمام، لا نربح ولا نخسر".

ثار اليمنيون على هذه الحال، وحاولوا منذ أربعينيات القرن الماضي أكثر من مرة إنهاء الحكم الإمامي لنقل بلادهم من ظلام العصور الوسطى إلى نور الحداثة، ولم يكتب لهم النجاح إلا في السادس والعشرين من سبتمبر/ أيلول عام 1962 عندما تمكَّن الضباط الأحرار من الإطاحة بحكم أسرة حميد الدين وتأسيس الجمهورية العربية اليمنية على أنقاض المملكة المتوكلية.

ورغم الولادة المتعثرة للجمهورية اليمنية فنظامها الجديد الذي تأثر بمشروع ثورة 23 يوليو المصرية، واستلهم أفكارها ومبادئها، تمكن خلال فترة وجيزة من وضع اليمن على أول طريق الحداثة والمدنية؛ انتشرت المدارس والجامعات وابتعث الطلاب إلى الخارج لتحصيل العلوم المدنية والعسكرية، وعرفت المدن اليمنية الصحف والإذاعات وأقيمت بها المستشفيات. 

وكغيرها من الدول العربية التي ثارت ضد استبداد الاستعمار والأنظمة الملكية، أخفقت الثورة اليمنية في ترسيخ الديمقراطية ودخلت في دورة استبداد طويلة، دفعت بالشعب اليمني إلى الثورة مجددًا على نظام الرئيس علي عبد الله صالح، الذي حكم البلاد نحو 34 عامًا تجمدت فيها كل محاولات التطور الديمقراطي، وأجهضت أحلام الشعب في تأسيس الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، فثار اليمنيون على نظامه حتى سقط في فبراير/ شباط عام 2012.

في يد الحوثي

تقاطعت أسباب كثيرة حتى سقطت الثورة والسلطة في حجر جماعة الحوثي الزيدية التي تمكنت من السيطرة على معظم محافظات شمال اليمن قبل ثماني سنوات. ومنذ أن دان لها حكم البلاد بالتآمر الداخلي والعربي ودعم الحرس الثوري الإيراني، عملت تلك الجماعة التي تطلق على نفسها "أنصار الله" على تغيير الهوية اليمنية التي تكونت عبر عقود، ولم يتوقف سعيها عن تطييف المجتمع اليمني والعبث بثوابت الجمهورية.

غيَّر الحوثيون المناهج التعليمية في المدارس والجامعات لتناسب المذهب الزيدي، وأجبروا الأطفال على الانخراط في معسكرات ودورات تثقيفية وعسكرية بهدف غرس الولاء لدولتهم ومذهبهم.

كانت آخر البدع الحوثية لفرض الولاء على الشعب اليمني، إصدار ما عرف بـ"مدونة السلوك الوظيفي"، والتي أثارت ردود أفعال واسعة في الأوساط اليمنية، بعد أن صادق عليها مهدي المشاط، رئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى، وهو أعلى سلطة سياسية في الجماعة.

وتلزم المدونة، التي بدأ العمل بها الأسبوع الماضي، كل الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وأشار ساسة وناشطون يمنيون أن فرض تلك المدونة لا يعد مخالفة للدستور وقوانين وقيم الجمهورية اليمنية وحسب، بل محاولة لـ"إخضاع المجتمع بالقوة إلى قيم الجماعة، واستكمالًا لمحاولتها تطييف الوظيفة العامة على غرار ما فعلت في المؤسسات التي سيطرت عليها خلال السنوات الثماني الماضية". بحسب ما نشره موقع إندبندنت العربية. 

تستهل المدونة التي تتكون من 36 صفحة بآيات من القرآن، تليها صورة لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، مرفقة بكلماته عن السلوك الوظيفي، ثم كلمة لمهدي المشاط عن أسباب إصدارها، وهي "الاعتزاز بهويتنا الإيمانية وتعزيز مسار تصحيح أداء مؤسسات الدولة وكادرها الوظيفي في مختلف المستويات". 

وتعمل المدونة على "ترسيخ النظرة الإيمانية للوظيفة العامة باعتبارها وظيفة تعبدية وممارسة أخلاقية وقيمية وإنسانية مقدسة". وجاء في تعريفها أنها "مجموعة من المبادئ والقيم والقواعد السلوكية والأخلاقية والمهنية المنبثقة من هويتنا الإيمانية الواجب الالتزام بها لضبط أداء المسؤولية في وحدات الخدمة العامة".

وتسعى المدونة، حسب ما جاء فيها، إلى "تعزيز وتقوية روح الولاء لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم من خلال بناء الهوية الإيمانية لموظفي الدولة لتأدية واجباتها الوظيفية".

اعتبر وزير الإعلام الحوثي ضيف الله الشامي أن من يعارضون الوثيقة يعارضون الله

وعدَّد محررو الوثيقة ستة مرتكزات أساسية اعتروها الإطار المرجعي للوثيقة، وهي "القرآن الكريم، والهدي النبوي، وعهد الإمام علي بن أبي طالب لمالك الأشتر، ودروس ومحاضرات من هدي القرآن، وخطابات ومحاضرات قائد الثورة عبد الملك بدر الدين الحوثي، والهوية الإيمانية والآداب والأخلاق الإسلامية".

واعتمد المحررون أيضًا على عدد من المبادئ الأساسية كشرط لأداء المسؤوليات "العبودية لله، والثقة به، والتوكل عليه، والاستعانة به، وطاعته، وإقامة القسط، والتولي له ولرسوله وللذين آمنوا" والتولي هنا أي الإقرار بولاية آل الحوثي باعتبارهم الأحق بالحكم. 

وعندما أثارت المدونة حالة من الجدل ورفضها كثير من اليمنيين، لأنها محاولة لفرض فقه الجماعة وأفكارها على المجتمع ونسف لمبدأ التنوع الديني والثقافي، اعتبر وزير الإعلام الحوثي ضيف الله الشامي أن من يعارضون الوثيقة يعارضون الله. وخاطب مهاجميه عبر تويتر "مشكلتكم مع الله وتوجيهاته وليست مع أنصار الله".

وتطالب المدونة جميع العاملين بـ"حمل الروح الثورية والمشاركة في إحياء المناسبات والاحتفالات والمسيرات الدينية والوطنية"، وهو ما يعني إخضاع الموظفين إلى الإيمان بمبدأ الولاية للإمام الزيدي، والمشاركة في الدورات والاحتفالات والمسيرات الثقافية والدينية للحوثيين. 

وتنص المدونة على حظر تواصل الموظفين مع وسائل الإعلام التي تعتبرها "معادية ومشبوهة"،  أو نشر "أي إشكاليات إدارية وعملية أو بيانات ومواد على وسائل التواصل الاجتماعي".

وتفرض المدونة على جميع الموظفين في المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين توقيع تعهد بالتزامها، على أن يحفظ هذا التعهد في الملف الوظيفي. ويعد التوقيع عليه شرطًا لبقاء أي شخص في وظيفته.

وتثبت المدونة أن الجماعة التي سيطرت على معظم محافظات شمال اليمن ماضية في جر البلاد إلى عصور ما قبل الحداثة، لتستأنف ما قطعته ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، وتعيد الحكم الإمامي المذهبي الذي أغرق اليمن لقرون طويلة في غياهب التخلف والفقر.

ويبدي مراقبون قلقهم من نجاح المحاولات الحوثية في تأسيس إمارة شيعية زيدية موالية لإيران في خاصرة الوطن العربي، وتتصاعد المخاوف من السعي الحثيث لتغيير هوية وثقافة الشعب اليمني في شمال البلاد الخاضع لسيطرة "أنصار الله".

"قد تُحسم المعركة مع مليشيا الحوثي عسكريا أو بالتسوية السلمية لكن المعركة الأهم والتي ستحتاج إلى نفس طويل هي إصلاح ما فسد عبر عمليات التخريب الممنهج التي تمارسها سلطة الانقلاب"، يقول سياسي يمني معربًا عن قلقه تجاه مستقبل بلاده مما تمارسه جماعة الحوثي من غسيل لعقول النشء وإرغام المواطنين على اتباع منهجها.